بينما كانت المملكة المغربية تتزين لموعد يضعها في صدر مسرح الأحداث العالمية، مع الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي، المقرر انعقادها في مراكش في الفترة من 9 إلى 15 من الشهر المقبل، إذا بزلزال يضرب جبال الأطلس في وسط المغرب، يسبب دمارا واسع النطاق في إقليم الحوز والمناطق القريبة منه، ويصيب معه مدينة مراكش القديمة التي تعود إلى القرون الوسطى، المصنفة مركزا تراثيا عالميا. ومع ذلك فإن أنشطة دولية أخرى كان مقررا انعقادها في مراكش تأجلت، ومنها مسابقة نهائيات المنتدى الأفروآسيوي للابتكار والتجديد التكنولوجي للطلاب، التي كانت مقررة في الفترة من 22 إلى 26 من الشهر الجاري. وقد أصدرت إدارة المنتدى بيانا قالت فيه «حرصا منا على عدم المخاطرة بأبنائنا الطلاب من الدول المشاركة في فاعليات نهائيات المنتدى، وبعد المشاورة مع الجهات المعنية بالمملكة المغربية ووزارة الخارجية، تقرر تأجيل النهائيات إلى موعد آخر وربما دولة أخرى». لكن المناسبة الأهم بالنسبة للمغرب والعالم، هي بلا شك الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد، التي تجعل البلد المضيف مركز اهتمام العالم كله.
وتقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الخسائر المباشرة لزلزال وسط المغرب تعادل حوالي 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الخسائر النهائية لن يمكن تحديدها إلا بعد الانتهاء من حصر المساكن والمباني والمرافق والمنشآت الاقتصادية التي تضررت من الزلزال. وقد بدأت عملية الحصر فعلا، لكن الأولوية الآن هي تقديم المساعدات وأعمال الإغاثة. ورغم قوة الزلزال الذي ضرب وسط المغرب، فإن المناطق الأكثر تضررا هي القرى والبلدات الصغيرة المنتشرة في إقليم الحوز وهو الذي تحمل سكانه الصدمة الكبرى والخسائر الفادحة. وأفادت تقارير إعلامية بأن قرى كاملة قد أصابها دمار شامل، كما أفادت منظمات الإغاثة بأن هناك صعوبات هائلة في الوصول إلى المناطق المتضررة. ومع أن الجيش المغربي يقوم بدور كبير في أعمال الإغاثة باستخدام طائرات الهليكوبتر، فإن قوافل الإغاثة المغربية والدولية لم تتمكن من الوصول إلى كل المناطق المنكوبة حتى الآن. ومن الطبيعي أن تكون المدينة القديمة في مراكش مركز اهتمام السلطات المغربية، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن المناطق المنكوبة في إقليم الحوز في حاجة إلى المزيد من الاهتمام.
اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد
مع أن هناك حالة من الارتباك في إدارات المنظمات الدولية بشأن جدوى انعقاد الاجتماعات السنوية للبنك والصندوق في مكانه وموعده، فإن الحكومة المغربية متمسكة بانعقاد الاجتماعات التي تأجلت مرتين حتى الآن منذ كانت مقررة عام 2021. وهناك سابقة تاريخية ترجح انعقاد المؤتمر السنوي للبنك والصندوق، بعد أن اكتملت تقريبا كل الاستعدادات الضرورية له، وتم إنفاق موارد ضخمة، حتى تكون مراكش في أبهى صورها مع انعقاد الاجتماع بمشاركة وفود من الدول الأعضاء في الصندوق والبنك الدولي والمنظمات الدولية المعنية، ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني وغيرها. هذه السابقة التاريخية تتعلق بالاجتماع السنوي لعام 2018 الذي انعقد في إندونيسيا في تشرين الأول/أكتوبر بعد أسابيع قليلة من تعرض إندونيسيا ومناطق لكارثة تسونامي.
وكانت كريستين لاغارد، المدير العام لصندوق النقد الدولي في ذلك الوقت، قد رفضت فكرة تأجيل الاجتماعات أو تغيير مكان انعقادها، وقالت إن هذه الفكرة لم تكن خيارا مطروحا، حيث كان من الواجب إظهار التضامن مع إندونيسيا، وعدم التضحية بالمجهود والموارد التي تم إنفاقها استعدادا للاجتماعات. هذا المنطق الذي استندت إليه لاغارد ما يزال صالحا للأخذ به في شأن انعقاد الاجتماعات السنوية للبنك والصندوق في مراكش. ويعزز هذا المنطق حقيقة أن المدينة الجديدة في مراكش لم تتعرض للدمار الذي تعرضت له القديمة. كما أن التقارير المغربية تشير إلى سلامة المنشآت المؤقتة، التي تم إعدادها لتكون مقر الاجتماعات السنوية للبنك والصندوق وكافة الأنشطة الجانبية المرتبطة بها.
انعقاد الاجتماعات السنوية للبنك والصندوق في مراكش، سوف يفتح نافذة عالمية واسعة على طبيعة الحياة والتراث في المملكة، وما أحرزته من تقدم، وما تواجهه من تحديات، وما تعاني منه من نواحي قصور. كذلك فإن وجود وفود الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والشركات العالمية والوفود الإعلامية من كل أنحاء العالم يمثل دفعة كبيرة للسياحة المغربية، التي حققت بالفعل نموا كبيرا منذ بداية العام الحالي. ولا شك أن وجود هذه الوفود في قلب المنطقة التي كانت الأكثر تأثرا بالزلزال سيكون مناسبة لأن يرى أعضاء هذه الوفود بأعينهم ما حدث من دمار لمدينة مراكش القديمة وسورها التاريخي، وما خلفه الزلزال من خراب كامل تقريبا في قرى وبلدات إقليم الحوز في جبال الأطلس الذي يوجد فيه مركز الزلزال. وهو ما يساعد على تفهم الاحتياجات التمويلية لمساعدة المغرب على مواجهة آثار الزلزال والبدء في بناء مقومات اقتصاد أشد قدرة على تحمل الصدمات الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية.
وكانت المملكة المغربية قد تعرضت في السنوات الأخيرة لعدد من الصدمات الاقتصادية الحادة والمؤلمة، منها صدمة الجفاف، التي خلفت نقصا حادا في المحاصيل الغذائية في العام الماضي سبب ارتفاعا كبيرا في الأسعار. ومع أن صندوق النقد الدولي يرى أن موجة الجفاف تسبب في «صدمة عرض» أدت لارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، فإن خبراء الصندوق يرون أن الخلل في سلسلة الإمدادات، والارتفاع الصارخ في أسعار المستهلك، وتصاعد معدل التضخم، لا يمكن تبريره بنسبة مئة في المئة بانخفاض العرض فقط، في إشارة إلى ضرورة تنظيم السوق بطريقة تساعد على وجود توافق في الاتجاه والمقدار بين أسعار المنتج والمستهلك. وقد وصل معدل التضخم عام 2022 إلى ذروة بلغت 8.3 في المئة، لكنه أخذ في التراجع بعد ذلك، ومن المتوقع أن يهبط إلى النصف تقريبا في العام الحالي، مع استمرار الهبوط إلى ما يقرب من 2 في المئة، على التوازي مع توقعات معدل التضخم في الاتحاد الأوروبي. وقبل وقوع الزلزال أشارت توقعات النمو بواسطة صندوق النقد الدولي إلى أن المملكة المغربية ستتمكن من تحقيق نمو بنسبة 3.1 في المئة في العام الحالي. لكن هذا التقدير مبني على حقائق ما قبل الزلزال. ومن الضروري أن يتولى كل من البنك والصندوق والسلطات المغربية إعادة تقدير معدل النمو للعام الحالي بأكمله، بما يأخذ في الاعتبار الخسائر المتوقعة بسبب الزلزال في قطاع السياحة، وكذلك في قطاعات أخرى مثل الإنتاج الزراعي.
كما تحمل الاقتصاد المغربي تكلفة عالية بسبب الصدمات في العام الماضي، حيث هبط معدل النمو الاقتصادي إلى حوالي 1.2 في المئة عام 2022 مقارنة بمعدل نمو بلغ 7.9 في المئة في العام السابق. كما أن صدمة العرض في السلع الزراعية الغذائية تركت أثرا سلبيا عميقا على قطاع المعاملات الخارجية حيث ارتفعت نسبة العجز في الحساب الجاري إلى 4.1 في المئة مقابل 2.3 في المئة، خلال الفترة نفسها.
الزلزال والبنية الأساسية
كشفت آثار الزلزال عن عيوب ينبغي الانتباه لها في السياسة الاقتصادية المغربية، خصوصا فيما يتعلق بالإنفاق على مشروعات البنية الأساسية والمرافق الخدمية في الريف، والأقاليم المهمشة، وعدم الاكتفاء بالتركيز على تنمية البنية الأساسية والمرافق في المناطق الحضرية خصوصا في المدن الكبرى. وقد كشف الزلزال عن سلبيات هذه السياسة، حيث أن جهود الإنقاذ وتقديم المساعدات تعثرت بواسطة عدم وجود طرق ممهدة، أو مرافق كافية لتوصيل المساعدات إلى القرى والبلدات في إقليم الحوز، بينما خصصت الحكومة 2 مليار يورو لتطوير خط سكك حديد فائق السرعة بين الدار البيضاء ومراكش. وما يزال من الممكن تخصيص استثمارات ضمن هذا المشروع تتضمن إنشاء شبكة طرق وسكك حديد فرعية ترتبط به في الإقليم، وهو ما يساعد على إنشاء منطقة تنموية ضخمة في قلب المغرب تتمتع ببنية أساسية قوية ومترابطة مع المدن الرئيسية مثل الدار البيضاء والضباط ومراكش واغادير وطنجة وغيرها.
خسائر السياحة
تمثل السياحة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في المغرب ذات القدرة على التوسع السريع، بفضل قربها من أوروبا، وطابعها الحضاري العريق الذي ترك بصمته على الفولكلور المغربي، والشخصية الثقافية المتميزة للمغاربة داخل المغرب وخارجه. ويسهم القطاع السياحي بما يعادل 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر للأيدي العاملة ما يقرب من نصف مليون فرصة عمل. ويتوقع البنك المركزي للمغرب أن ترتفع قيمة الإيرادات السياحية هذا العام بنسبة 14.9 في المئة لتصل إلى 107.6 مليار درهم.
وقد وضعت وزارة السياحة المغربية خطة طموحة للتنمية السياحية حتى عام 2026 تستهدف زيادة أعداد السائحين إلى 17.5 مليون سائح، ورفع قيمة الإيرادات السياحية إلى 120 مليار درهم مغربي مقابل 93 مليار درهم في عام 2022 وإضافة 200 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة إلى الاقتصاد من خلال قطاع السياحة.
وانتعشت السياحة المغربية بقوة في النصف الأول من العام الحالي، حيث قفز عدد السائحين الواصلين إلى البلاد بنسبة 92 في المئة، مسجلا 6.5 مليون سائح تقريبا، بزيادة 3 ملايين سائح عن الفترة المقابلة من العام الماضي. هذه القفزة تعكس في جانب منها انتعاش سوق السياحة على مستوى العالم. كما تعكس قوة حركة السياحة الأوروبية في المغرب التي قادت هذا الانتعاش، وفي مقدمتها السياحة الفرنسية، حيث أن عدد السائحين الفرنسيين وحدهم زاد بحوالي 415 ألف سائح، بنسبة زيادة سنوية تبلغ 75 في المئة. كذلك زاد عدد السائحين الأسبان بحوالي 407 آلاف سائح بنسبة زيادة سنوية تبلغ 180 في المئة.
هدوء بين السائحين
من الملاحظ أن اليوم التالي للزلزال شهد استئناف مظاهر الحياة العادية في المدن المغربية باستثناء مراكش القديمة وقرى وبلدات إقليم الحوز. وطبقا لشهادات مديري شركات السياحة العاملة في المغرب، مثل شركة «توي TUI» فإن الأغلبية الساحقة من السائحين بنسبة تصل إلى 97 في المئة فضلوا البقاء في المغرب وعدم قطع رحلتهم. شركة «Intrepid Travel» السياحية قالت إن 17 سائحا فقط من بين 600 من عملائها كانوا في المغرب ليلة وقوع الزلزال، منهم 17 فقط طلبوا إنهاء رحلاتهم، حسبما جاء في تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز». ومع أن شركات السياحة المحلية والعاملين في القطاع السياحي المغربي يدعون إلى استمرار التدفق الطبيعي للسائحين، فإن القرار النهائي يكون للسائح نفسه، وذلك على ضوء خبرات سلوك السائحين في أعقاب الكوارث الطبيعية التي شهدتها وجهات سياحية مهمة في العالم مثل تركيا واليونان وإسبانيا. وتشير هذه الخبرات حتى الآن إلى ضعف تأثير الظواهر الطبيعية الحادة على القطاع السياحي. ومع أن رحلات الطيران إلى المغرب مستمرة، إلا أن هناك توقعات بتراجع أعداد السائحين، طبقا لتقديرات مرصد المغرب للسياحة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع أعداد السائحين لعام 2023 ككل، بعد القفزة القوية التي تحققت في النصف الأول من العام الحالي.
ومع ذلك فإن الأمور بالنسبة لقطاع السياحة المغربي بعد الزلزال قد لا تكون سيئة جدا، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار التعافي السريع للقطاع السياحي في تركيا بعد زلزال شباط/فبراير الماضي الذي راح ضحيته حوالي 50 ألف شخص، وأسفر عن خسائر تعادل 4 في المئة من الناتج المحلي أي حوالي 34.2 مليار دولار طبقا لتقديرات البنك الدولي. وإذا صحت التقديرات المنسوبة للبنك الدولي بشأن تكلفة إعادة الإعمار فإن المغرب يحتاج إلى 10.7 مليار دولار تقريبا، أي ما يعادل 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لتغطية خسائر الزلزال.