قطاع غزة لا يستحق الحصار

حجم الخط
4

ما يحصل لقطاع غزة من حصار جريمة بكل ما تحمل الكلمة من أبغض معاني الاشمئزاز. من يوافق أو يشارك بشكل ما في استمراره، تحت أي ذريعة كانت وأي كانت توجهاته ومقاصده، يستحق أقصى أنواع الاستنكار. بأي حق يقبل بأن تقهر وتسلب إرادة أكثر من مليون شخص، معظمهم صبيان في ريعان العمر وشباب بدون أفاق، مع كبار في السن ومرضى.
أي بشاعة تجبر على معاملتهم بهذا الشكل، ما هو الذنب الذي اقترفه هؤلاء كي تقيد حركتهم وحريتهم، أي ذريعة تدفع البعض لخلط الأوراق ووضع كل الناس فى كفة واحدة من الميزان؟ أبناء القطاع عانوا مرارة الاحتلال وتصدوا له بجسارة وكبرياء، لقد دحروه بعد دفع ثمن قاس. رغم ذلك وبدل مكافأتهم يضرب عليهم طوق شبيه بمخلب الاحتلال. بعد كل ما قام به أهل القطاع، يجب النداء بصوت عال والقول، كفى.. هل هذا جزاء من ضرب آخر معاقل الاستعمار؟ دعوهم يعيشون بكرامة أو يموتون بعزه مثلما حصل معهم أيام الاحتلال. الإنسان الحر هو الذي يستمر في كفاحه ويساند الآخر في مسيرة النضال، خاصة ان كان على قناعة بأن المشوار لم ينته بعد ويجب اجتيازه بتعاون تام. وأن المقهور يتقاعس في النهاية عن العطاء، يجب تحرير القطاع ليتمكن أهله من التفاعل مع باقي أرجاء الوطن، بالداخل والشتات. بعدما تمكنوا من الافلات نوعاً ما من براثن الاحتلال، يجدر بالجميع مداراتهم وتعزيز ثباتهم، لأن ذلك سيجعل منهم خير داعم حين يتغير المسار. أين بعد النظر يا سادة ويا أصحاب الجاه
من خلال استغلال أو اذلال القطاع فان هنالك من يذل نفسه ويبتز شعبا بدون حق. شعب منذ البداية يرفض ما يحصل لباقي أهله. شعب مصمم على الاستمرار فى المواجهة، كانت هنالك مصالحة أم لم تكن هنالك مفاوضات. شعب يعتز بنفسه، لأنه مازال صامداً فوق أرض الميعاد، بأكناف بيت المقدس، يحافظ على المساجد، يحمي الكنائس ويحرص على المعابد حتى يأتي يوم الميعاد. شعب رضي بالشتات والمخيمات بدون أن تنحني له قامة يوماً ما. إن كنتم تريدون خيراً لهذا الشعب فغيروا السلوك والتصرفات، أو أتركوه وانصرفوا، فقد عاش هذا الشعب تاريخه بدونكم وهو قادر على فعل ذلك من بعدكم. لقد كان فخراً لهذا الشعب أن يحتل، لأن ذلك أكرمه بشرف النضال. أما الآن، فيشعر بالخجل لأن هنالك من صبغ مسيرة نضاله بالعار، حيناً بالتشرذم والاقتتال وحيناً بغرس الضغينة والبغضاء. ما لم يتمكن العدو الإسرائيلي من نيله ها هم ‘الجدعان’ يحاولون إنجازه. لقد عاشت اجيال كاملة تناضل من أجل نزع الحرية، بدون أن تسمي طوائف أو تختلف على الرايات. كان هدفها واضحا، تطهير الأرض وتحرير من فيها من سكان. أما الآن فقد تعقدت الأمور وتداخلت عليهم الرؤية وأصبح الكثيرون امامهم مجرد اشباح.
بأي ذنب يعاقب هؤلاء، انهم أضعف من أن يتمكنوا، بأمعائهم الخاوية، من اشعال الفوضى والقلاقل في أي مكان، كما يدعي البعض بظلم، وبهدف زيادة حده الاحتقان والخناق. ما الجرم الذي اقترفه سكان رفح، دير البلح، البريج، خانيونس والنصيرات لكي تبقى إرادتهم مشلولة، بأي ذنب تسلب وتذل عفوية هؤلاء، هل هم من اختاروا مصيرهم أم أن المصائب توالت عليهم منذ زوال الاحتلال، هل حقاً يعرف معظم هؤلاء مفهوم ومقاصد مختلف الأطراف المتربصة للزعامة والجاه؟ من بين هؤلاء هنالك من يردد الشعارات الرنانة بدون أن يفهم فعلاً المقاصد الخفية لملحنيها ومخرجيها، بلا شك، هنالك من يجهل أبعاد الصراعات والتحالفات والاستراتيجيات. يا سادة تصرفوا بشكل آخر أو دعوهم وشأنهم فقد فاض بهم الكيل. عن بعد ومن قرب أوصلتم القطاع لحافة بين الانفجار والانهيار. أين ضمير الإنسان، كل شيء يحصلون عليهم بالقطرات، ليموتوا بصمت. هذه المأساة لم تحصل لهم حتى أيام الاحتلال. على ما يبدو هنالك من هو مصمم على عدم وضع ذلك في الاعتبار. لا يهمه أن يقع لهم ما هو أسوأ طالما أنه في منصبه مرتاح. كل طرف يريد كسر ذراع الآخر على حساب هؤلاء الناس، بأي حق يتم ذلك ومن يدفع ثمن هذا؟ لم تقهر عزيمتهم ولا توضع في الحسبان كرامتهم وحقهم في الحياة.
غالبية أبناء القطاع لا يهمهم حالياً من يحكم فى الداخل أو خلف الأسوار. همهم الأكبر راحة البال، تدفق شيء من الماء وعدم انقطاع الكهرباء، هل فعلوا حقاً شيئا لكي يستحقوا أو لا يستحقوا كل ذلك. أي خطيئة ارتكبوا. هل هم من حسموا الأمر أم هم من دبروا الانقلابات، هل جميعهم منتم لفصيل، لحزب أو لحركة ما. أكيد لا. معظمهم قرف هذا الحال ولا يريد أن يعرف شيئا عن كلمة انتماء. إذاً لماذا هذا العقاب، لماذا لا يترك هؤلاء ويبقى الصراع قائما بين الذين تركوا المحتل وأصبحوا بعضهم على بعض أبغض من البعض على الأعداء، بأي عرف سياسي يعقل أن يعاقب الأطفال، الرجال والنساء لا لذنب اقترفوه الا لان من يحكمهم في لحظة ما لا يتماشى مع هذا أو ذاك المزاج.. فعلاً بعد ما يرى الإنسان ما يرى يبقي محتار، فتراوده كثير من الافكار، مثل هل من الواجب مقاومة القريب أولاً ومن ثم الالتفات الى الأعداء، أم العكس تماماً؟ حالياً معظم أبناء الشعب الفلسطيني تائه بين الخيارين. منذ أن قسمت السياسة أبناء مدينة هاشم فرقا متنافرة تتوالى عليهم النكبات من كل مكان، من السماء، من تحت الأرض، من القريب، من البعيد ومن خلف الجدران. حالياً هؤلاء مثلهم مثل أي فلسطيني متابع الوضع عن كثب، يعيشون فترة سكون ليس لها مثيل. هدوء شبيه بهدوء الموج قبل الطوفان. شبيه بهدوء المقابر في انتظار يوم البعث والانتشار.

‘ كاتب فلسطيني- إسباني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية