الدوحة ـ «القدس العربي»: تواصل قطر تحركاتها الدبلوماسية على أعلى المستويات لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، وتعمل على جسر الهوة بين مطالب فصائل المقاومة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الرافضة لإنهاء الحرب التي يشهدها القطاع المحاصر.
وتتحرك السلطات القطرية على أعلى مستوى لضمان إنهاء معاناة سكان غزة الذين يواجهون واحدة من أسوء الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، للتوصل لصفقة تحقق وقف دائم ومستدام للحرب التي تشنها إسرائيل.
وفي هولاندا بحث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مع رئيس الوزراء الهولندي مارك روته تطورات الأوضاع في قطاع غزة، خلال لقائهما في مدينة لاهاي في زيارة هي الأولى يجريها أمير قطر إلى هولاندا. وأكد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على موقف دولة قطر الثابت من القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق، لا سيما حقه في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ضمن حل الدولتين. وخلال حديثه جدد أمير قطر من لاهاي تأكيده على استمرار العمل في مسارات الوساطة الدبلوماسية الرامية لوقف الاقتتال الدائر في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة. وأثنت هولاندا على لسان رئيس وزرائها على دور قطر وأميرها المهم وسيطاً بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل، ودوره في إطلاق سراح المحتجزة الهولندية.
تحركات حشداً للدعم الدولي لإنهاء الحرب
وتحركت الدبلوماسية القطرية في عدد من العواصم الغربية والعالمية، سعياً للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب. وزار رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إسبانيا، وعقد جلسة مباحثات رسمية مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. وأكد من مدريد مواصلة الدوحة جهودها لجسر الهوة بين الطرفين. كما قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري إن بلاده تعقد اجتماعات متتالية مع حركة «حماس» الفلسطينية لمحاولة الوصول إلى «صيغة مناسبة تسد الفجوات» بشأن مقترح الرئيس الأميركي جو بايدن لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، ثم التواصل بعد ذلك مع إسرائيل.
وأكد آل ثاني من مدريد، أن جهود التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في غزة لم تفض حتى الآن عن النتائج المرجوة، إلّا أنه أشار إلى «تقدم إلى حد ما» في الموقف.
وأوضح رئيس الوزراء القطري: «في الأيام الأخيرة كانت هناك اجتماعات متتالية مع قيادة حماس لمحاولة جسر الهوة بين الطرفين والوصول إلى اتفاق.. حتى الآن لم نصل إلى الصيغة التي نراها مناسبة.. والجهود ما زالت مستمرة». وتابع: «بمجرد أن ننتهي من ذلك سيكون هناك تواصل مع الطرف الإسرائيلي لمحاولة جسر الهوة والوصول إلى اتفاق في أسرع وقت ممكن» مشدداً على أن «الوقف الفوري لإطلاق النار هو السبيل الوحيد لمنع التصعيد على جبهات أخرى».
ودعا بيان قطري إسباني مشترك إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار في قطاع غزة بما يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية العاجلة وعودة المحتجزين. كما أكد البيان على أن السلام لا يمكن تحقيقه في الوقت الحالي إلا من خلال المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدعم دولي وبتنفيذ حل الدولتين. وشددت قطر وإسبانيا على «أهمية إعطاء الأولوية لجهود خفض التصعيد من أجل التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، الأمر الذي سيؤدي إلى الحد من التوترات في الجبهات الإقليمية الملتهبة الأخرى».
وتكمن أهمية البيان القطري المشترك الذي أعلن من مدريد، كون إسبانيا هي من الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطينية مستقلة، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في أواخر أيار/مايو الماضي أن اعتماد قرار الاعتراف خطوة تاريخية تتيح للفلسطينيين والإسرائيليين تحقيق السلام.
كما أكد آل ثاني من العاصمة البريطانية خلال لقاء جمعها مع ديفيد كاميرون وزير الخارجية البريطاني على ضرورة تعزيز الجهود الدولية للتوصل لحل. وأكد رئيس الوزراء القطري على خطورة الوضع في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة وآخر مستجدات جهود الوساطة. وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: «نسعى لتوحيد وتعزيز جهود وقف الحرب في غزة وضمان تدفق المساعدات بشكل مستدام».
جهود الشركاء الدوليين لإنجاح الصفقة
وتعول قطر على شركائها الإقليميين الدوليين لدعم جهود التوصل لصفقة تنهي الحرب وتنهي مأساة سكان غزة المتفاقمة، وتحديداً الشروع في حوار جاد.
وتعمل الدوحة مع الأمم المتحدة وكافة الشركاء لتعزيز الجهود الرامية لمنع نشوب نزاع جديد أو تفجير الأوضاع في المنطقة، على ضوء احتمال توسع نطاق الحرب الإسرائيلية من غزة والأراضي الفلسطينية، وتصل شظاياها دول الجوار. وأكدت دولة قطر على التزامها الراسخ بالعمل مع الأمم المتحدة وكافة الشركاء الدوليين، من أجل تعزيز الجهود الرامية إلى منع نشوب النزاعات، وتسويتها، والتخفيف من آثارها على الأطفال وحمايتهم. وركزت الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوبة الدائمة لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، أمام جلسة المناقشة المفتوحة لمجلس الأمن حول الأطفال والنزاع المسلح، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، على حالة أطفال غزة. ولفتت الأنظار إلى الأرقام المتزايدة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الأطفال الفلسطينيين، خاصةً في قطاع غزة. وتطرقت المسؤولة القطرية إلى التقارير المروعة الصادرة عن اليونيسف، والمنظمات الإنسانية، حول الوضع الإنساني الكارثي للأطفال في قطاع غزة الذي أصبح مقبرةً للأطفال، حيث يُقتل أو يُصَاب مئة طفل يوميا، جراء القصف الإسرائيلي العشوائي والتجويع الممنهج واستخدام الغذاء كسلاح من خلال منع وصول المساعدات الإنسانية، مما دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى إدراج جيش الاحتلال الإسرائيلي والقوات الأمنية الإسرائيلية في قائمة الأطراف الضالعة في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأطفال في حالات النزاع المسلح. وجددت قطر، إدانتها الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الأطفال في قطاع غزة، وذلك في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، والمعاهدات، والبروتوكولات الدولية المعنية بحماية الأطفال في النزاع، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بالإضافة إلى الأوامر المؤقتة لمحكمة العدل الدولية.
وتشدد الدوحة أن الحق في التعليم لا ينبغي أن يسقط بسبب النزاعات المسلحة، وينبغي بذل الجهود لضمان حق الأطفال في التعليم وبشكلٍ خاص في الدول التي تعاني من النزاع، منتقدة الهجمات على المدارس والمستشفيات، والاعتداءات على الأفراد المشمولين بالحماية ممن لهم صلة بالمدارس والمستشفيات.
جهود الوساطة تصطدم برغبة نتنياهو
وتتحرك قطر مع مختلف الأطراف الفاعلة في موضوع الصفقة لبلورة توافق حول أبرز النقاط التي من شأنها إنهاء العدوان الذي يتعرض له سكان القطاع المحاصر. ومعضلة الأزمة هي التفاهم على ماهية وقف الحرب، بين مطلب فلسطيني يصر على ديمومته بعد كل الخراب الذي تعرض له القطاع، والخسائر، ويكون مقابل ما واجهه الغزاويون، وإصرار إسرائيل على استكمال الحرب حتى النهاية. ويعمل الوسيط القطري، على تبادل الرسائل والمسودات بين حركة حماس والجانب الإسرائيلي، عبر بوابة واشنطن من أجل حصول اختراق في مسار الوساطة، مع التأكيد على ضرورة بذل كافة الجهود لتحقيق الهدف الأساسي وهو وقف إطلاق النيران. ولم تتوقف الدبلوماسية القطرية عن التحرك بالرغم من كل الإخفاقات التي شهدها ملف الوساطة، والتي اصطدمت بتعارض مطالب تل أبيب بضرورة استكمال الحرب، مع إصرار المقاومة الفلسطينية الحصول على ضمانة بوقف الحرب. وتجدد قطر، التأكيد على محاولتها الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بغزة وتبادل الأسرى والمحتجزين «في أسرع وقت ممكن».
وتصطدم محاولات الوسطاء القطريين والمصريين للتوصل لصفقة تنهي الحرب الإسرائيلية على غزة، بالمأزق الذي تسبب فيه رغبة تل أبيب رفض الالتزام بوقف دائم للقتال وهو المطلب الأساسي للفصائل الفلسطينية، بدعم أمريكي لخيار بنيامين نتنياهو. وتصطدم الجهود الرامية لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، بالهوة الواسعة بين تطلعات حكومة أركان حرب الاحتلال، وهدف الفلسطينيين بإنهاء أزمة وكارثة إنسانية يعيشها مليوني شخص تحت حصار شامل.