قطر تسحر العالم باستضافة أفضل نسخة من كأس العالم وتسجل اسمها في سجل التاريخ

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
1

الدوحة ـ»القدس العربي»: سجلت قطر حضورها الطاغي في دفاتر التاريخ، وحجزت مكانة مميزة مع استقطابها اهتماماً منقطع النظير في استضافتها لأنجح نسخة كأس عالم عبر التاريخ، وكانت أول دولة عربية وإسلامية تستضيف حدثاً بمثل هذه الضخامة وتنجح في التحدي وترفع السقف لمن يأتي بعدها.
ولحظات بعد إسدال الستار على حفل ختام المونديال، تتردد في العاصمة القطرية أنباء عن توجّه الدولة العربية الطموحة لأن تظل دوماً الرائدة عالميا في مجال الرياضة، وتخطو خطوات نحو استضافة دورة الألعاب الأولمبية عام 2036.
وعكست صورة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، رفقة شقيقه الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني، ممثله الشخصي وراعي الرياضة مثلما يوصف، عشية تتويج النجم الأرجنتيني ميسي بكأس العالم، توجه الدوحة التي تناضل بشراسة لأجل تحقيق طموحاتها، وتمشي رويداً في طريق طويل حتى الوصول إلى الهدف.
وذكرت مصادر عدة أن قطر التي تعتزم تنويع اقتصاد الغاز بحلول عام 2030 من خلال الرياضة والسياحة، تدرس فكرة الترشح مجدداً لاستضافة نسخة عام 2036 مع استخدام كأس العالم كنقطة انطلاق، وفقا لمسؤولين رياضيين.
وتصب جميع التقارير التي تناولت مونديال قطر، في اتجاه واحد يشيد بحسن التنظيم والأجواء المثالية التي سادت، وروح البطولة التي لم يسبق أن عايشها كل من حضر النسخ الماضية من بطولة كأس العالم.
واعترفت الصحافة البريطانية أنه لأول مرة في التاريخ لم يتم اعتقال أو إيقاف مشجعين إنكليز في بطولة رياضية، وهو حدث اعتبرته بالنادر. كما ساهم قرار منع توزيع الخمور في الملاعب في جعل الجماهير تستمتع بأجواء الكرة من دون أي تعصب أو إخلال بالأمن، لدرجة أن الجماهير المنهزمة والمنتصرة كانت تغادر مدرجات الملاعب مع بعض وهي تغني من دون وقوع مناوشات.
وتؤكد مصادر مختلفة تحدثت إلى «القدس العربي» أن الجهات المنظمة لم تسجل وقوع أي حادث، أو أزمة خلال البطولة، حتى أن العديد من المشجعات اعتبرن مونديال قطر الأكثر أمناً للناس. وجعلت الأجواء المثالية التي سادت بطولة كأس العالم الجماهير تبتكر أساليب تشجيع لطيفة وهادئة انتشرت في كل مكان، وكانت عبارة عن مناكفات بريئة وملهمة ومسلية، على غرار «ميسي وينو» التي تحولت إلى ترند عالمي، تضاف لها عبارة «المترو من هذا الاتجاه» التي ابتكرها مرشد شاب يدعى أبو بكر عيسى قدم من كينيا، تحول لأيقونة عالمية.
ورغم 12 عامًا من الهجمات والحملات التي شنت عليها من جهات مختلفة، واصلت الدوحة مسيرها لتقدم نسخة رائعة من كأس العالم. وتمكنت رغم الحملات من تعزيز قوتها الدبلوماسية الناعمة، لا سيما في دول الجنوب والعالم العربي. وبنت قطر استراتيجية للقوة الناعمة الرياضية المرتبطة بالقيم العالمية والإنسانية، بعد أن كانت دبلوماسيتها تقتصر على قوتها الناعمة في الوساطات الإقليمية الرئيسية. وشرعت في أوائل عام 2010 في بناء الدبلوماسية الرياضية من خلال تنظيم مجموعة من الفعاليات الرياضية العالمية والاستثمار في الأندية الرياضية العالمية. وتمكنت من الحفاظ على اقتصادها وحشد المجتمع الدولي حول تأثيرها السياسي الرياضي. كما تمكنت من تعزيز مكانتها كدولة مؤثرة في العالم العربي الإسلامي، فضلاً عن ذلك، أصبحت قطر جهة فاعلة محترمة ومؤثرة في العلاقات الدولية. ونجحت في أن تصبح خلال ثلاثة عقود لاعباً أساسياً على الساحة الدولية.
حليف استراتيجي للولايات المتحدة

خلال 2022 احتفت الدوحة ووشنطن، بخمسة عقود من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مع إعلان البيت الأبيض قطر حليفاً رئيسياً من خارج الناتو، وإطلاق الجولة الأخيرة من الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وقطر. وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي جو بايدن صنف قطر حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي، وفاء بالوعد الذي قطعه للدولة الخليجية هذا العام. وتمنح الولايات المتحدة هذا التصنيف للحلفاء المقربين من خارج الحلف الذين لديهم علاقات عمل استراتيجية مع الجيش الأمريكي.
وعززت قطر من مكانتها في الساحة الدولية، على ضوء الزيارات المكوكية التي قام بها كبار المسؤولين.
وقام أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بزيارات لإيران وتركيا والإمارات العربية المتحدة، قبل أن يستكملها بجولة دبلوماسية إلى الدول الأوروبية. وتقف دوافع حيوية وراء دور قطر البارز في الدبلوماسية الأمنية العالمية، ومنها تعزيز العلاقات الإقليمية، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وتأمين المزيد من التعاون في مجال الطاقة مع أوروبا، والمساعدة في إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني.
فقد لعبت قطر دوراً محورياً في دعم المفاوضات الغربية مع إيران، وسعت لإنقاذ اتفاقها النووي الذي يواجه تحديات.
وقام نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بزيارات لإيران وقابل المسؤولين كما نقل الرسائل المتبادلة مع الدول الغربية، مع حرص على تفكيك الألغام التي تكاد تفجر الاتفاق الهش بين الغرب وطهران.
كما قام الشيخ تميم بزيارة لطهران بعد أشهر فقط من لقائه مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أثناء زيارته للدوحة لحضور منتدى الدول المصدرة للغاز.
وتزامنت زيارة أمير قطر لطهران مع زيارة منسق الاتحاد الأوروبي للمحادثات النووية الإيرانية إنريكي مورا في سعي للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران لإنقاذ اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة بعد أكثر من عام من المفاوضات في فيينا. وعملت قطر التي تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، لدعم جهود الوساطة التي يبذلها الاتحاد الأوروبي من خلال تسهيل الاتصال غير المباشر بين الجانبين، وتقديم الدعم في بعض القضايا الرئيسية، مثل تبادل الأسرى وإلغاء تجميد بعض الأصول الإيرانية، الأمر الذي قد يساعد في بناء الثقة بين الجانبين ويشجع على التوصل لاتفاق نهائي.
وحافظت قطر على مستوى علاقاتها المميز مع عدد من الدول المحورية، حيث تُعد تركيا أحد أهم شركاء قطر في المنطقة، وتجلت المصالح المشتركة، القائمة بين البلدين منذ أكثر من عقد من الزمان، بشكل أكثر وضوحًا خلال الحصار الذي فرض على قطر، حتى المصالحة الخليجية كانون الثاني/يناير 2021 بتوقيع اتفاقية العلا. والروابط بين البلدين متجذرة بقوة في التعاون الدفاعي والعسكري والعلاقات الاقتصادية. كما لعبت قطر دورًا رئيسيًا في مؤازرة الاقتصاد التركي المتعثر.

مصدر مهم للطاقة

تجدد تأكيد أهمية قطر وحضورها في الساحة الدولية مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وسعي الدول الغربية للتخلص من تبعيتها للغاز الروسي.
وإلى وقت قريب كانت دول الاتحاد الأوروبي، تعتمد على روسيا في 45 في المئة من وارداتها من الغاز عام 2021 وهي تبحث بشكل جاد عن مصدر بديل، والأنظار اتجهت مباشرة نحو قطر التي تملك احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي.
وركز أمير قطر في جولته الأوروبية على تطوير العلاقات الثنائية والاستثمار في البنية التحتية اللازمة للغاز الطبيعي المسال. وتشير بعض التقارير إلى أنه بحلول عام 2024 يمكن لقطر أن تصدر الغاز الطبيعي المسال إلى عملاء أوروبيين جدد ومن ضمنهم ألمانيا. وبالإضافة إلى الغاز الطبيعي المسال ودبلوماسية الطاقة، أعلن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أيضًا عن وجود خطط لصندوق الثروة السيادية القطرية لاستثمار 5 مليارات دولار في الشركات الإسبانية.
وسبق أن أعلنت قطر في شباط/فبراير 2021 عن أحد أكبر المشاريع الاستثمارية المشتركة على الإطلاق للغاز الطبيعي المسال، وهو مشروع القطاع الشرقي من حقل الشمال، والذي تقدر قيمته بنحو 28.7 مليار دولار، ويتوقع أن يزيد إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 40 في المئة سنويًا. وأعلنت الدوحة أن الطاقة الإنتاجية لقطر من الغاز الطبيعي المسال سوف ترتفع من 77 مليون طن سنويًا إلى 126 مليون طن سنويًا بحلول عام 2027. وتفيد بعض التقارير بأن قطر تبحث عن المزيد من المستثمرين الدوليين لتوسيع المشروع في خضم تزايد الطلب العالمي على الغاز.

حملة ضخمة لأطفال الشوارع

وشهدت الشيخة موزا بنت ناصر، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، إطلاق حملة «مليون وواحد» التابعة لمؤسسة «ستريت تشايلد يونايتد» والتي تهدف إلى ضمان تسجيل ولادة مليون طفل وواحد، ممن يعيشون بلا مأوى من جميع أنحاء العالم.
وأعلن جون ورو، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«ستريت تشايلد يونايتد» عن إطلاق هذه المبادرة التي ستكرس إرثاً إنسانياً مستداماً، ثمرة لنجاح بطولة كأس العالم للأطفال، التي أقيمت مؤخرا في الدوحة بالتعاون مع مؤسسة قطر.
والتقديرات تشير إلى أن حوالي مليار شخص ليست لديهم وثائق قانونية كشهادة الميلاد تثبت هويتهم، وأكثر من نصفهم حرموا من حقوقهم الإنسانية الأساسية ومن خدمات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وهؤلاء الأطفال «كأن لا وجود فعلياً لهم، والطريقة الأمثل لتغيير هذا الواقع، هو تسجيل تاريخ ميلادهم».
وحملة «مليون وواحد» تعد أكثر المبادرات الطموحة حتى الآن، وبدعم من الشركاء وتحديداً الجهات القطرية، يمكنها أن تحدث تغييراً فعلياً في واقع الأطفال المحرومين وأن تمنحهم الحق في أن يعيشوا الحياة التي يستحقونها.
ومن المقرر أن تقام هذه الحملة في الفترة بين بطولة كأس العالم 2022 إلى مونديال 2026 في أمريكا الشمالية، وستكون بمثابة تعاون بين مختلف الجهات لتوحيد الجهود في مختلف الفعاليات، وذلك على مدار السنوات الأربع المقبلة، والتي ستتخللها أيضا بطولة كأس العالم للكريكيت للأطفال 2023 في الهند، وألعاب أطفال الشوارع 2024 باريس وبطولة كأس العالم للأطفال 2026 في أمريكا الشمالية.
يذكر أن هذه الحملة سيتم دعمها أيضا بوثائقي رسمي سيتم إصداره في اليوم العالمي لأطفال الشوارع في 12 نيسان/أبريل 2023 في عرض أول حصري في نيويورك، مدعوما بسلسلة قصصية ملهمة حول الأطفال.

حوكمة رقمية

تبوأت قطر مراكز متقدمة دوليًا وإقليميًا (لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن مجموعة البنك الدولي للعام 2022.
وحصلت على تصنيفA في مجموعة الدول المتقدمة في نضج الحكومة الرقمية بمستوى نضج بلغ 87.4 في المئة. ويقسِّم البنك الدولي أداء دول العالم في التحوُّل الرقمي ونضج التقنيات الحكومية وفق 4 مجموعات هي (A, B, C, D) حيث تضم المجموعة A الدول التي بلغت درجة «مرتفعة للغاية» في نضج التقنيات الحكومية وتبني التحوُّل الرقمي بالقطاع العام، أما المجموعة B فتمثِّل الدول التي حقَّقت درجة «عالية» في نضج التقنيات الحكومية وتبني التحوُّل الرقمي بالقطاع العام.

تصريحات
«من قطر، من بلاد العرب، أرحب بالجميع في بطولة كأس العالم 2022. ما أجمل أن يضع الناس ما يفرقهم جانبا لكي يحتفوا بتنوعهم وما يجمعهم في الوقت ذاته». الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية