قطر تعلق جهود الوساطة بين حماس وإسرائيل من دون التخلي عن أدوارها الداعمة للشعب الفلسطيني

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: اتخذت قطر خطوة إلى الوراء في مسار الوساطة التي تجريها إلى جانب دول أخرى بين حماس وإسرائيل للتوصل لاتفاق ينهي الحرب على غزة، ويوقف مسار انزلاق المنطقة لحرب إقليمية، على ضوء ما اعتبرته عدم جدية الأطراف المعنية. التأكيد القطري بتعليق دورها في الوساطة مؤقتاً، صاحبه تشديد على استمرار جهود الدوحة الداعمة للقضية الفلسطينية وحقوق شعبها، من دون التخلي عن دورها في تقديم الدعم بكافة الأشكال.

ومؤخراً أعلن الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري، المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، أن التقارير المتداولة حول انسحاب الدوحة من الوساطة بشأن وقف إطلاق النار في غزة ليست دقيقة. وشدد المسؤول القطري أن بلاده أخطرت الأطراف قبل فترة، أثناء المحاولات الأخيرة للوصول إلى اتفاق، بأنها ستعلق جهودها في الوساطة بين حماس وإسرائيل في حال عدم التوصل لاتفاق في تلك الجولة. وأكدت قطر إزالة لأي لبس، أنها ستستأنف تلك الجهود مع الشركاء عند توافر الجدية اللازمة لإنهاء الحرب الوحشية ومعاناة المدنيين المستمرة جراء الأوضاع الإنسانية الكارثية بالقطاع، حيث تلتزم الدوحة أنها ستكون وقتئذ في المقدمة لبذل كل جهد حميد لإنهاء الحرب وعودة الرهائن والأسرى.
وتؤكد قطر في العديد من المناسبات، أنها لا تقبل أن تكون «الوساطة سبباً في ابتزازها». ويأتي التأكيد الذي يتجدد للمرة الثانية، لاعتبار قطر أنها تشهد، منذ انهيار الهدنة الأولى وصفقة تبادل النساء والأطفال، ما تؤكد إنه تلاعباً، خصوصاً في التراجع من التزامات تم الاتفاق عليها من خلال الوساطة، واستغلال استمرار المفاوضات في تبرير استمرار الحرب لخدمة أغراض سياسية ضيقة.
ومؤخراً أكدت الولايات المتحدة الأمريكية، أن قطر لا تزال جزءاً رئيسياً وقويا في المفاوضات لإنهاء الحرب على قطاع غزة. وجاء التأكيد في بيانٍ ألقته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير، تحدث عن وجود «عدة مبادرات للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في غزة وإعادة الرهائن، وهذا التزام لم نحد عنه» مؤكدة أن «قطر ومصر منخرطتان بقوة في ذلك». وتعتبر واشنطن أن: «ما نراه في غزة هو أمر مروع، لكننا نواصل المناقشات مع الإسرائيليين لتحسين الوضع الإنساني، ولا نزال نتواصل مع الجانب الإسرائيلي لتقييم الوضع الإنساني في غزة» حسب «الجزيرة».
وتقود قطر منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023 جهود وساطة إلى جانب مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وتمكنت من تحقيق اختراق ساهم في التخفيف من معاناة سكان القطاع المحاصر. وتكللت الجهود التي بذلت في التوصل لاتفاق هدنة مؤقتة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 تم خلالها تبادل أسرى ومحتجزين بين حماس وإسرائيل، مع إدخال المساعدات للسكان.
ومع محاولات مكثفة وجولات حوار استضافتها قطر لمسؤولين عن ملف الوساطة، اصطدمت الجهود برفض تام للتوصل لصفقة. وفشلت جولات الوساطة الأخرى في التوصل لحل ينهي الحرب التي أودت بأكثر من 40 ألف شهيد فلسطيني وتسببت في دمار واسع وكارثة إنسانية غير مسبوقة. وتؤكد قطر أن دورها في مجال الوساطة لا يسمح لها بتوجيه اللوم لأي طرف، لكنها تؤكد باستمرار أن استمرار الحرب والعمليات القتالية لن يؤدي لأي نتيجة، سوى تعميق الأزمة وتهديد السلام في المنطقة. وتؤكد قطر في مناسبات عدة على خطورة استمرار الوضع الراهن، وتوسع نطاق الحرب، والتي شملت لبنان، مع انشطارها لمناطق أبعد، وكانت في كل مرة تهدد بانفجار شامل يعم الشرق الأوسط.
وشددت على التزامها الثابت بدعم الشعب الفلسطيني الشقيق، حتى نيله كافة حقوقه وفي طليعتها دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، واعتبارها قضية مركزية بالنسبة لدولة قطر.
ومؤخراً أدانت دولة قطر بشدّة قصف الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جباليا في غزة الذي نتج عنه استشهاد وإصابة المئات من الأبرياء، وتعتبره مجزرة جديدة في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، لا سيما الأطفال والنساء، ودعت المجتمع الدولي لسرعة التحرك لإيقاف القتل والدمار.
وتشدد قطر أن توسّع الهجمات الإسرائيلية في قطاع غزة لتشمل الأعيان المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وتجمعات السكان وملاجئ إيواء النازحين، يعد تصعيداً خطيراً في مسار المواجهات، ومن شأنه أن يقوض جهود الوساطة وخفض التصعيد، وينذر بمزيد من الاحتقان والعنف وعدم الاستقرار.
وتطالب قطر المجتمع الدولي، بتحّمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، وإجبار إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي، والقانون الإنساني الدولي.

مصير مكتب حماس في الدوحة

الحديث عن تعليق قطر دورها في مجال الوساطة، رافقته تكهنات حول مصير المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، الذي تستضيفه قطر منذ مغادرة قادة الحركة دمشق.
وانتشرت معلومات عن طلب الدوحة من قيادات حماس مغادرة قطر، وتناولتها وكالات أنباء دولية، زعمت إنتهاء وجود مكتب حماس في الدوحة.
ومؤخراً أشار الدكتور ماجد الأنصاري المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، إلى أن التقارير المتعلقة بمكتب حماس في الدوحة غير دقيقة. وتشدد الدوحة أن الهدف الأساسي من وجود المكتب في قطر هو أن يكون قناة اتصال بين الأطراف المعنية، وقد حققت هذه القناة وقفاً لإطلاق النار في عدة مراحل سابقة، وساهمت في الحفاظ على التهدئة وصولاً إلى تبادل الأسرى والرهائن من النساء والأطفال في تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي. وتعتبر قطر أن المعلومات التي أوردتها وكالات أنباء، لم تستقها من مصادرها الرسمية، وهي إشارة إلى عدم اتخاذ موقف نهائي حول موضوع استضافة المكتب السياسي لحماس.
وتكشف مصادر من حركة حماس، أنه حتى الآن لم يتخذ أي موقف نهائي بشأن مكتبها في الدوحة، ونفى العديد من المسؤولين دقة ما نشر عن الموضوع. وانتشرت معلومات أخرى عن طلب الولايات المتحدة الأمريكية من الدوحة تعليق نشاط مكتب حماس. كما تستبعد مصادر دقة ذلك، كون الإدارة الأمريكية الحالية على وشك الرحيل، ولن تتخذ قرارات مصيرية قبل استلام الرئيس المنتخب دونالد ترامب، مقاليد الحكم رسمياً والبت في الموضوع. ويكشف العديد من المسؤولين الأمريكيين أن وجود مكتب حماس في الدوحة أمر إيجابي، يسهم في استمرار قنوات التواصل مع الحركة، والسعي للتوصل لاتفاق، خصوصاً وأن غلق المكتب معناه صعوبة استمرار الاتصال غير المباشر. وتضنف قيادات من حركة حماس التسريبات المتداولة بشأن انسحاب مكتبها من الدوحة، ضمن محاولات الضغط على الحركة، والموافقة على تقديم تنازلات في مسار الوساطة والاتفاق على صفقة لا تستجيب لتطلعات الفلسطينيين. وتؤكد حماس أنها لا تتحمل تبعات تعثر المفاوضات حول الاتفاق، وتحيل ذلك مباشرة لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرافض لوقف الحرب، والراغب في استمرارها حتى تحقيق النصر الذي يؤكده.
وجددت قيادات حماس في مناسبات عدة مرونتها، والتزامها بجهود الوساطة للتوصل لاتفاق، لكنها تشدد على ضرورة مراعاة حقوق الشعب الفلسطيني وتؤكد على ضرورة انسحاب جيش الاحتلال من غزة، وإيقاف حربه، واستهداف المدنيين، وإدخال المساعدات لسكان القطاع المحاصرين منذ نحو عقدين من الزمن.

دخول أنقرة شريكاً في جهود الوساطة

ربطت مصادر دبلوماسية متابعة للملف بين زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لأنقرة، وامكانية دخول تركياً شريكاً في مسار الوساطة.
وإن كانت المصادر الرسمية في البلدين لم تكشف عن أي تأكيد، لكن هناك من يشكك في الأمر، حيث أن الزيارة كانت مبرمجة وإن تزامنت في وقت بالغ الحساسية، مع إعلان الدوحة تعليق جهود الوساطة بين حركة حماس وإسرائيل مؤقتا. وتنسق قطر وتركيا في العديد من الملفات، وتتخذان مواقف قريبة حيال العديد من القضايا، تحديداً في فلسطين، ولبنان، وليبيا. لكن العديد من المصادر أكدت أن الزيارة بحثت أساساً العلاقات الثنائية، ووسعت من التنسيق الثنائي بين البلدين، وتحديداً في موضوع جهود إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، والعدوان على لبنان، والتصعيد ضد إيران.
وأخذت زيارة أمير قطر إلى أنقرة بعداً خاصاً ولفتت الانتباه، خصوصاً مع إعلانها تعليق جهود الوساطة، وتوسع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، وتهديد السلام في المنطقة. بالمقابل، تشير دوائر سياسية في العاصمة واشنطن أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تعتزم القيام بمحاولة أخيرة للتوصل إلى اتفاقات قالت إنها صعبة المنال لإنهاء الحرب في غزة ولبنان.
ويسعى الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جو بايدن إلى تحقيق اختراق في الملف، وإغلاقه قبيل تسليم العهدة لخلفه دونالد ترامب العائد إلى البيت الأبيض مطلع العام المقبل.
ويتخوف جو بايدن من امكانية وصم فترة ولايته أنها تسببت في تأزم الوضع في المنطقة، مع مخاوف من انزلاق الوضع نحو حرب موسعة تهدد الاستقرار في العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية