الدوحة ـ «القدس العربي»: تواصل قطر استكمال مسعاها حتى إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، ومتابعة تنفيذ الاتفاق الرسمي المعلن عنه لوقف القتال في القطاع المحاصر والذي ترجم جهود أشهر من العمل المضني والمتواصل من قبل الوسطاء حتى تحقيق بادرة أمل أثلجت صدور الغزاويين وكل متابع للشأن الفلسطيني. وتمسكت قطر على امتداد سنة وأشهر بطول النفس، وكثفت جهودها الدبلوماسية منذ نهاية اتفاق الهدنة الأول في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، التي اعتبر بارقة أمل أولى لم تعمر مطولاً، حتى تكللت جهودها في الأخير باتفاق ينهي الحرب الإسرائيلية على غزة، يدخل حيز التنفيذ ابتداء من الأحد. وسبقت لحظة الإعلان عن الاتفاق الرسمي لوقف القتال محطات من الشد والجذب، تخللها مسار معقد من المفاوضات بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية «حماس» كادت تدخل في نفق صعب. وبعد محطات بارزة، تكللت الجهود الدبلوماسية بالنجاح، تحت رعاية أطراف إقليمية ودولية فاعلة، أبرزها قطر ومصر والولايات المتحدة، سعوا جميعاً للوصول إلى اتفاق شامل توافق عليه الأطراف المعنية.
وسطرت الوساطة القطرية الناجحة لإنهاء الحرب الاسرائيلية على غزة، وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في القطاع، نموذجاً حياً للدبلوماسية الناجحة، وكان محط أنظار العالم، حيث ترقب الجميع ما كان الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري بصدد الإعلان عنه، ويعكس العمل الهادئ الذي قاد مع شركاء استراتيجيين عملية صعبة ومعقدة.
وانطلقت من العاصمة القطرية الدوحة تباشير الأمل في اللحظة التي دخلت فيه الحرب الإسرائيلية على غزة يومها الـ467 على التوالي، مع الإعلان عن اتفاق استبشر به العالم أجمع، واعتبر بداية مرحلة مهمة ومفصلية في مسار القضية الفلسطينية. وسبق الاتفاق مسار عسير، مر بلحظات عصيبة ومراحل كادت أن تؤدي بنسفه أكثر من مرة، حتى إنه في وقت من الأوقات أدى لأن تعلن الدوحة إعادة تقييم دورها كوسيط في المحادثات، بعد اصطدام جهودها بصخرة الخلافات الجوهرية حول مسار الوساطة.
وعملت الآلة الدبلوماسية القطرية بصمت وبعيداً عن الضوضاء التي تنتهجها بعض الأطراف في قضايا مماثلة حتى تأكدها في نهاية المطاف من جدية الأطراف، التي قادت الجهود إلى محطتها الأخيرة.
تحديات صعبة
وقبل الوصول للحظة الإعلان رسمياً عن اتفاق وقف القتال في القطاع المحاصر، تعرض مسار الوساطة لمطبات كادت تعصف بجهود الدبلوماسية. ففي 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أعلن المتحدث الرسمي باسم الخارجية القطرية ماجد محمد الأنصاري تعليق جهود الوساطة القطرية بين إسرائيل وحركة حماس، وذلك نتيجة ما وصفه «عدم جدية» الأطراف المشاركة في المفاوضات. وأخطرت حينها قطر الأطراف قبل 10 أيام أثناء المحاولات الأخيرة للوصول إلى اتفاق بأنها ستعلق جهودها في الوساطة بين حماس وإسرائيل في حال عدم التوصل لاتفاق في تلك الجولة، وأنها ستستأنف تلك الجهود مع الشركاء عند توافر الجدية اللازمة لإنهاء الحرب الوحشية ومعاناة المدنيين المستمرة جراء الأوضاع الإنسانية الكارثية بالقطاع.
وكانت الدوحة تعول على ما تحقق في اتفاق الهدنة الأولى الذي جرى أسابيع بعد عملية «طوفان الأقصى» من هدنة إنسانية مؤقتة بوساطة شاركت فيها إلى جانب مصر، تمخض عنها اتفاق حركة حماس وإسرائيل عن هدنة لمدة 4 أيام بدأت في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وتم تمديدها يومين إضافيين، وأفرج فيها عن نحو 200 أسير فلسطيني مقابل 50 أسيراً إسرائيلياً من المدنيين، وسمح لقوافل المساعدات الإنسانية بالدخول إلى القطاع. وبالرغم من تعطل مسار استكمال الوساطة ومراحلها النهائية في تلك الفترة، تشكلت في الدوحة غرفة عمليات خاصة كانت تعمل على الإشراف على الهدنة في غزة، وهي غرفة مجهزة بأحدث التقنيات، ويتابع من خلالها فريق الوساطة القطري سير الهدنة المبرمة بين حركة حماس وإسرائيل. وأشرف على جوانب عدة منها التواصل مع المنظمات الدولية والإغاثية لضمان إطلاق الأسرى والمحتجزين، كما أشرف على إدخال المساعدات.
سعي قطر في استكمال مساعيها الرامية لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، تجاوز المعوقات، حتى أعلنت وزارة الخارجية القطرية نجاح وساطتها بالتوصل إلى اتفاق بين حركة حماس وإسرائيل بهدف إدخال أدوية ومساعدات إنسانية إلى المدنيين في قطاع غزة مقابل إيصال الأدوية التي يحتاجها المحتجزون الإسرائيليون لدى المقاومة وذلك يوم 16 كانون الثاني/يناير 2024. أي سنة قبل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير.
واستطاعت قطر كذلك بالتعاون مع فرنسا، التوصل إلى اتفاق بين حماس وإسرائيل يشمل إدخال أدوية وشحنة مساعدات إنسانية إلى المدنيين في قطاع غزة، خصوصاً للمناطق الأكثر تضرراً، مقابل إيصال الأدوية التي يحتاج إليها المحتجزون الإسرائيليون في القطاع. وأعلنت قطر إجلاء الفلسطينيين الحاملين للإقامة القطرية، واستمرار استقبالها عددا من المصابين الفلسطينيين من القطاع إلى الدوحة لتلقي العلاج اللازم، على عدة دفعات.
لم تستكن قطر بالرغم من الإعلان عن التوصل لاتفاق رسمي ينهي القتال في غزة، حيث تدرك أن التفاصيل العالقة محورية ولابد من متابعتها، والحرص على تنفيذ بنود الاتفاق، حتى استكمال المسار.
ومؤخراً بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، جهود الوساطة لإنهاء الحرب في قطاع غزة. ويأتي الاتصال في سياق استكمال الوساطة القطرية لدورها حتى تأمين وصول الاتفاق لبر الأمان، وتلافي نسف الجهود التي استنفذت أشهراً من المفاوضات.
وبحث أمير قطر مع الرئيس الأمريكي، «جهود الوساطة المشتركة لإنهاء الحرب على القطاع، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك». ويأتي ذلك في سياق استضافة الدوحة مفاوضات الوساطة بين إسرائيل وحماس، حيث تؤكد قطر ومصر والولايات المتحدة منذ أشهر على ضرورة إبرام اتفاق لوقف الحرب المستمرة، وسط عراقيل إسرائيلية متكررة.
مراحل الاتفاق المفصلية
تدرك الدوحة أن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يتضمن مراحل تستدعي جميعها المتابعة، سواء ما تعلق بالأولى التي ستستمر 42 يوماً، ويجري خلالها تبادل إطلاق سراح الرهائن في قطاع غزة والسجناء الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل، ويرافقها تعليق مؤقت للعمليات العسكرية المتبادلة بين الطرفين، وانسحاب القوات الإسرائيلية شرقاً وبعيداً عن المناطق المأهولة بالسكان إلى منطقة على طول الحدود في جميع مناطق قطاع غزة، بما في ذلك وادي غزة «محور نتساريم وميدان الكويت».
كما أن هذه المرحلة تتضمن أيضاً تعليقاً مؤقتاً للنشاط الجوي (للأغراض العسكرية والاستطلاعية) في قطاع غزة لمدة 10 ساعات يومياً، و12 ساعة في أيام إطلاق سراح المختطفين والأسرى، بما يتيح عودة النازحين إلى مناطق سكنهم، والانسحاب من وادي غزة (محور نتساريم وميدان الكويت) حتى انسحاب إسرائيل في اليوم السابع (بعد إطلاق سراح 7 من المعتقلين) تماماً من شارع الرشيد شرقاً إلى شارع صلاح الدين، وتُفكك قوات الاحتلال المواقع والمنشآت العسكرية في هذه المنطقة بشكل كامل، وتبدأ عودة النازحين إلى مناطق سكنهم (من دون حمل السلاح أثناء العودة) مع حرية تنقل السكان في جميع مناطق القطاع، ودخول المساعدات الإنسانية عبر شارع الرشيد بدءاً من اليوم الأول ومن دون عوائق.
وستكون قطر حريصة إلى جانب الدول الضامنة للاتفاق في اليوم الثاني والعشرين، على انسحاب القوات الإسرائيلية من وسط القطاع (خاصة محور نتساريم ومحور ميدان الكويت) شرق شارع صلاح الدين إلى منطقة قريبة من الحدود، وتُفكك المواقع والمنشآت العسكرية تماماً، وتستمر عودة النازحين إلى أماكن سكنهم، مع استمرار حرية التنقل للسكان في جميع مناطق القطاع. مع التأكيد على إدخال كميات كافية ومكثفة من المساعدات الإنسانية، ومواد الإغاثة والوقود (600 شاحنة يومياً، منها 50 شاحنة وقود، بما في ذلك 300 للشمال)، وتشمل الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء، والتجارة، والمعدات اللازمة لإزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية والمخابز في جميع مناطق قطاع غزة، واستمرار ذلك في جميع مراحل الاتفاق.