قطر وافقت على التحقيق بوفاة عامل بريطاني وفقا للإجراءات القانونية

نورالدين قلالة
حجم الخط
0

الدوحة- “القدس العربي”: وافقت قطر على إجراء تحقيق مستقل في وفاة عامل بريطاني بموقع بناء أحد الملاعب لبطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستستضيفها عام 2022. وتم الاتفاق على تعيين قاض بريطاني لتولي هذه القضية التي تعود وقائعها القانونية إلى يناير 2017.

القرار الذي اتخذته اللجنة العليا للمشاريع والإرث في دولة قطر، يأتي بعد نحو 18 شهرا على وفاة العامل زاك كوكس في يناير 2017، إثر سقوطه من منصة معلقة على ارتفاع 40 مترا في موقع بناء استاد خليفة الدولي في الدوحة.

وقالت أسرة زاكاري كوكس، في بيان صحافي، إن الفترة التي انقضت منذ وفاته كانت “صعبة للغاية بالنسبة للأسرة”، وأعربت عن ترحيبها بقرار المجلس الأعلى للمشاريع والإرث، المسؤولة عن المشروعات الخاصة باستضافة مونديال 2022. و بالإضافة إلى ترحيب أختي زوجة العامل الراحل بالقرار القطري، فقد أكدتا سعيهما للكشف عن ملابسات وفاته والمسؤولين عنها، لاستخلاص الدروس منها ومنع تكرار حوادث مماثلة في المستقبل. وتوفيت زوجة كوكس عام 2015، فيما تسعى شقيقتاها إيلا جوزيف وهازل مايز، لاكتشاف الحقيقة وراء وفاته.

وتعد هذه أول حالة لإجراء تحقيق منفصل على هذا المستوى في وفاة عامل واحد في مواقع بناء الملاعب في تاريخ بطولات كأس العالم.

وسيقود التحقيق المستقل القاضي السابق في المحكمة العليا البريطانية روبرت أكينهيد، الذي لديه خبرة في مثل هذه القضايا.

وأشار بيان لعائلة العامل إلى أن الجانب القطري اقترح على القاضي أكينهيد دراسة ملابسات وفاة الرجل، والقرارات التي أدت إليها، والتحقيق الذي جرى في وفاته، والإجراءات الأمنية الإضافية التي اتخذت في مواقع البناء منذ ذلك الحين، وأبدى استعداده لضمان تعاون جميع الأطراف المعنية مع التحقيق المستقل.

ولمعرفة ظروف وملابسات هذه القضية اتصلت “القدس العربي” باللجة العليا للمشاريع والإرث، فتم تزويدنا ببيان جاء فيه أن اللجنة “كلّفت بالاتفاق مع عائلة زاك كوكس، السير روبرت أكينهيد، القاضي السابق في المحكمة العليا بالمملكة المتحدة، لإجراء تحقيق مستقل في الحادث المؤسف الذي وقع في استاد خليفة الدولي في يناير 2017، وأدى إلى وفاة السيد زاك كوكس”.

وأضاف البيان أن اللجنة العليا “تلتزم بتمكين السير “روبرت أكينهيد” من تأدية عمله بحرية واستقلالية تامة دون أية معوقات. ونرحب بأية نتائج يخلص إليها هذا التحقيق ويُمكن الاستفادة منها في مشاريع بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 لضمان عدم وقوع أية حوادث مُماثلة”. وتضيف “.. ونؤكد في اللجنة العليا على أن صحة وسلامة عمالنا تأتي دائماً على رأس أولوياتنا”، كما تشير إلى أنها “لا تعتزم نشر أية تصريحات أخرى إلى حين انتهاء إجراءات التحقيق”.

كرونولوجيا وملابسات القضية

المعروف أن كوكس كان يعمل على تشييد منصة على ارتفاع 40 متر، وبفعل تعطل أحد العناصر الحاملة للمنصة وقع الرجل، ومباشرة بعد ذلك بادرت اللجنة بالإعلان عن الوفاه بشكل علني ونشرت بيانا على موقعها الرسمي تم تداوله من طرف العديد من وسائل الإعلام العالمية. وأعربت اللجنة في بيانها الصادر في 28 فبراير 2018 عن أسفها الشديد للحادث المأساوي. ومباشرة بعد ذلك تولى المقاولون الرئيسيون للمشروع، وهما شركتا مدماك للمقاولات وسيكس كونستراكت، التحقيق في ملابسات الحادث، وأشرف على التحقيقات آنذاك ممثلون عن اللجنة العليا، وممثلون عن شركة فايفر وهي الشركة التي تعاقدت مع السيد كوكس، والمسؤولة عن سلامته في المقام الأول.

وقد أظهرت نتائج التحقيق تدخل عدة عوامل تسببت في وقوع الحادث من بينها وجود خلل في الإجراءات المتبعة، إلى جانب وجود أخطاء بشرية، وكان التحقيق قد شمل كافة جوانب العمل بما في ذلك الطريقة المتبعة لتركيب الهيكل في موضع الحادث والمنهجية المعتمدة في الإشراف على طاقم العمل المختص من قبل المقاولين. وإثر ظهور نتائج التحقيق، تم فصل أربعة أفراد- اعتبروا مقصرين في عملهم- بشكل فوريّ، كما تم منعهم من مزاولة العمل في أي مشروع من مشاريع اللجنة العليا في المستقبل.

كما أجرت السلطات القطرية المختصة ممثلة بمكتب النائب العام القطري تحقيقا جنائيا مستقلا. وقد تمّ إبلاغ اللجنة من قِبل شركتي مدماك للمقاولات وسيكس كونتراكت بأن الإجراءات الجنائية انتهت في نوفمبر 2017. وقد كان محظورا على اللجنة العليا أن تعلن عن نتائج التحقيق الداخلي أثناء تواصل الإجراءات الجنائية، وهو أمر شائع في مثل هذه الحالات.

وعلى الرغم من أن اللجنة تلقت تأكيدا من المقاولين بأنه قد تم موافاة أسرة كوكس بآخر المستجدات خلال عام 2017، إلا أن المقاولين فيما يبدو أخفقوا في إبلاغهم على النحو الملائم عند انتهاء الإجراءات الجنائية، ولهذا فقد تأسفت اللجنة لعدم فتح خط تواصل مباشر معهم آنذاك. ومنذ ذلك الحين، تواصلت معهم وقدمت لهم الدعم الكامل لضمان تزويدهم بكافة المعلومات اللازمة.

انتشر خبر وفاة كوكس بشكل لافت في المملكة المتحدة باعتبارها مسقط رأسه، وباعتبارها أيضا أكثر الدول الناقدة لوضع العمال في قطر. بعد ذلك أجرت اللجنة العليا تحقيقها الخاص في ملابسات الوفاه، بالإضافة إلى تحقيق السلطات القطرية وأيضا تحقيق طبيب شرعي بريطاني. وبعد سنتين ونصف من الحادث اتفق كلا من اللجنة العليا وعائلة كوكس بممثليهم القانونيين على إجراء تحقيق مستقل في ملابسات الوفاه، وتم تعيين السير روبرت أكينهيد، وهو قاض سابق في المحكمة العليا في بريطانيا وأحد الخبراء في قطاع أعمال البناء، كما نشرت عائلة كوكس بيانا أكدت فيه على اتفاقها مع اللجنة لتولي روبرت إجراء تحقيق مستقل كما تم الاتفاق على بنوده المختلفة.

إجراءات قانونية

وبالنظر إلى ملابسات الحادث، يتبين أنه بعد انتهاء نتائج التحقيق الأولي، تواصلت اللجنة مع عائلة كوكس وتوصل الطرفان إلى اقتراح ثلاثة أسماء لإجراء تحقيق مستقل (طبعا قبل تعيين روبرت أكنهيد)، ولكن رغم متابعة الأمر مع مكتب المحاماة الذي يمثل العائلة إلا أن اللجنة لم تتلق أي رد إلى غاية 23 نوفمبر 2018. وخلال شهر ديسمبر 2018، تولى مكتب المحاماة الممثل للجنة العليا بالتعاون مع المكتب الممثل لعائلة كوكس مسألة تقييم ثلاثة أسماء مرشحة لتولي مهام إجراء تحقيق مستقل، حيث رفضت اللجنة إثنين من الأسماء، الأول بسبب عدم تمتعه بالشفافية الكاملة من وجهة نظر اللجنة العليا، والثاني لعدم امتلاكه خبرة كافية في مجال أعمال الإنشاء. وفي 8 يناير 2019 اقترحت اللجنة قائمة مرشحين من جانبها، وفي 21 فبراير الماضي 2019، وافقت اللجنة على تعيين السير روبر أكنهيد لتولي التحقيق.

وفي أبريل الماضي 2019، أجرى القاضي أكنهيد أول اتصال مع كلا الطرفين اللجنة وعائلة كوكس لمناقشة كافة الإجراءات اللازمة للبدء في إجراء تحقيق مستقل يبحث أسباب الحادث. وخلال مايو 2019، انعقد اجتماع في لندن بين كافة الأطراف (اللجنة العليا بمثثليها القانونيين وعائلة كوكس بمثثليها القانونيين) وتمت مناقشة الإجراءات والإختصاصات التي تنظم عملية البدء في تحقيق مستقل. وفي 17 مايو الماضي تم الاتفاق على النسخة المكتوبة من الاختصاصات بين كافة الأطراف.

ومن خلال تسلسل الأحداث والوقائع التي عرفتها هذه القضية منذ بدايتها في 2017، سواء من خلال جوانبها القانونية أو الإعلامية أو حتى الإنسانية، يتبين أن اللجنة العليا لم ترضخ لبريطانيا كما يدعي البعض، كما أن وسائل الإعلام البريطانية نفسها التي نشرت خبر التحقيق المستقل، على غرار “الغارديان” و”بي بي سي” لم تتحدث عن “خضوع” قطر لبريطانيا في هذه القضية، التي تم التوافق عليها منذ اليوم الأول للحادث بين اللجنة العليا وعائلة كوكس. كما تم إجراء ثلاث تحقيقات سابقة ممثلة في تحقيق اللجنة العليا وتحقيق دولة قطر وتحقيق الطبيب الشرعي البريطاني. كما أن اللجنة أبدت استعدادها منذ اليوم الأول لإجراء تحقيق مستقل وتم التوافق على ذلك بين جميع الأطراف، انطلاقا من حرص اللجنة العليا للمشاريع والإرث على ضمان سلامة وحقوق العمال وتلافي أي أخطاء لم يتم رصدها خلال التحقيقات السابقة ومن ثم تجنبها في المستقبل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية