لندن – «القدس العربي» : اضطرت الولايات المتحدة لتعديل صيغة مشروع قرار مجلس الأمن رقم 2593 بحذف اقتراح انشاء «منطقة آمنة في كابول» تكون تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو الاقتراح الذي رفضته طالبان رفضا قاطعا، كما اعترضت عليه الصين وروسيا. ولتحقيق الغرض من المنطقة الآمنة، وهو ضمان استمرار المساعدات الإنسانية وتوفير ممر آمن للخروج من أفغانستان جرت مشاورات واتصالات بين الأطراف المعنية، انتهت إلى أن تتولى قطر وتركيا مساعدة طالبان على تشغيل مطار كابول وضمان أمنه، بما يسمح باستمرار العمليات الإنسانية ويعيد حركة الطيران إلى طبيعتها، ويوفر ممرا آمنا للسفر والوصول. دور قطر وتركيا في إدارة المطار يفتح الطريق أمام البلدين في مساعدة طالبان على التحول من قوة تمرد مسلح، إلى قوة حكم وإدارة ذات ميول معتدلة مقبولة دوليا. إذا نجحت الدوحة وأنقرة في ذلك، فإن طالبان تستطيع أن تزيل مخاوف المجتمع العالمي، وأن تحصل على اعتراف دبلوماسي ينهي تجميد أصول أفغانستان المالية في الخارج، ويفتح الباب لتعاون دولي واسع في مجالات المساعدات الإنسانية والادارة والاقتصاد وإعادة البناء.
البعثة الدبلوماسية الأمريكية لأفغانستان
قرار مجلس الأمن يعترف ضمنا بمسؤولية طالبان عن إدارة أفغانستان، ويتوقع منها أن تحترم وعودها بعدم استخدام أراضيها لشن اعتداءات على دول اخرى، أو التهديد بها، أو التخطيط لها، أو إيواء، أو تدريب أو تمويل عناصر أو جماعات إرهابية. كما يطالب باحترام حقوق الإنسان والمرأة والأطفال والأقليات المختلفة، والخروج الآمن لمواطني الدول الأخرى والأفغان الراغبين في السفر. ومن المعروف أن القوى العالمية الرئيسية لم تعلن صراحة أو ضمنا رفض الاعتراف بسلطة طالبان كل أفغانستان، لكنها تعلق الاعتراف الرسمي بمدى التزامها بوعودها التي أصدرتها في بيان يوم 27 آب/ أغسطس.
وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قال في تغريدة له أن الاعتراف بطالبان لن يأتي في صورة منحة، ولكن عليها أن تعمل من أجل الحصول عليه. في الوقت نفسه قررت الولايات المتحدة أن تصبح الدوحة مقرا للبعثة الدبلوماسية الأمريكية المعنية بأفغانستان، لتتولى مسؤوليات الشؤون السياسية، والقنصلية، وإدارة المساعدات الانسانية، وتنسيق العمل مع الحلفاء والشركاء فيما يتعلق بالتنسيق والاتصالات مع طالبان. وأعلن بلينكن في كلمة له بمناسبة إتمام الانسحاب، أن المهمة العسكرية للولايات المتحدة قد انتهت، وأن المسؤولية الدبلوماسية قد بدأت. وجود البعثة في الدوحة يعني أن الدبلوماسية القطرية ستكون على اتصال وثيق بالعمل اليومي للولايات المتحدة في أفغانستان.
وتقدر واشنطن أن ما يقرب من 200 من مواطنيها ما يزالون في أفغانستان، وهو ما يتطلب الاستمرار في العمل على خروجهم بأمان. كما أن هناك مؤسسات ومنظمات مجتمع مدني في حاجة إلى استمرار الاتصالات معها ورعاية شؤونها، منها الجامعة الأمريكية في كابول.
صدر قرار مجلس الأمن رقم 2593 بموافقة 13 عضوا وامتناع اثنين عن التصويت هما روسيا والصين. وقد عرض كل من الطرفين وجهة نظره في مشروع القرار الذي صاغته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وأسفرت تلك المناقشات عن إجراء تعديلات في نص المشروع، بغرض أن يأتي متوازنا. وكان من أهم التعديلات إسقاط اقتراح المنطقة الآمنة، وهو ما يقطع الطريق على عودة التدخل الأجنبي، والتأكيد على التزام مجلس الأمن بسيادة واستقلال ووحدة أراضي أفغانستان ووحدتها الوطنية، وهو ما يرضي رغبة طالبان في الحصول على تأييد ضمني ضد أي محاولة للانفصال أو التقسيم، خصوصا في إقليم بانشير الذي تتبلور فيه حركة تمرد بقيادة أحمد مسعود، إبن زعيم تحالف الشمال الراحل أحمد شاه مسعود.
لكن التعديلات التي أدخلت على مشروع القرار لضمان تمريره وتجنب استخدام الفيتو ضده من روسيا والصين، لم تتضمن بعض المقترحات التي سجلها السفير الروسي فاسيلي نبنزيا، والسفير الصيني غينغ شوانغ، التي تضمنت النص على إدانة تنظيم الدولة الإسلامية ISIL، وهو التنظيم النشط في مناطق كثيرة من وسط وجنوب آسيا بما فيها الشيشان، وتنظيم الحركة الاسلامية لشرق تركستان الذي يقود التمرد في مناطق الايغور في شمال غرب الصين. واتهم السفير الروسي الولايات المتحدة بأنها تتبع نهجا انتقائيا في إدانة الإرهاب يعتبر أن الحرب على الإرهاب تواجه ما يتعارض مع المصالح الأمريكية والغربية فقط. كذلك، قدمت كل من الصين وروسيا مقترحات بشأن وضع معايير للاعتراف الدبلوماسي بحكومة طالبان عندما تتشكل، تتضمن تقديم العون إلى طالبان لمساعدتها على إقامة حكومة تمثيلية شاملة.
التحديات التي تواجه طالبان
وقال السفير الصيني إن الولايات المتحدة لا يجب أن تعتبر الانسحاب هو نهاية مسؤوليتها، وإنما هو بداية لمراجعة وتصحيح موقفها. ولهذا فإن روسيا والصين لم تؤيدا القرار، لكنهما لم تعترضا عليه. هذا يعني في التحليل السياسي أن أفغانستان تقع ضمن خريطة التنافس بين القوى الرئيسية في العالم في إطار الحرب الباردة الحديدة.
التحدي الأكبر الذي تواجهه طالبان هو تشكيل حكومة جامعة لكل الأفغان، وتأهيل الجيل الجديد من مقاتليها الذين لم يعاصروا تجربتها السابقة في الحكم (1996- 2001) وكذلك تغيير ثقافة الحركة بشكل كامل، لتجنب العزلة الدولية التي يمكن أن تصيبها بالشلل. ويبدو من مظاهر الحياة خلال الأيام الأخيرة أن رجال طالبان المنتشرين في الشوارع لتنظيم المرور وضمان الأمن العام، هم أقل حدة وتطرفا عما يعرف عنهم، خصوصا في العاصمة كابول، حيث تستطيع المرأة أن تخرج إلى الشارع وحدها دون محرم، وأن ترتدي الحجاب وليس البرقع.
ومن الإجراءات المهمة التي أعلنتها طالبان توجيه نداء إلى العاملات في المستشفيات ووحدات الرعاية الصحية بالعودة إلى أعمالهن، وكذلك التأكيد على انتظام البنات في الفصول الدراسية. ومع ذلك فإن قيادة طالبان تواجه صعوبات في ضبط سلوك مقاتليها في المدن والقرى، وتدريبهم على مهام الإدارة، وهو ما يتطلب مساعدات على نطاق واسع.
وإلى جانب تحديات تشكيل الحكومة الجامعة، والإدارة، فإن طالبان تواجه تمردا يتبلور سياسيا تحت قيادة نائب الرئيس الأفغاني السابق، أمر الله صالح، وأحمد مسعود، نجل أحمد شاه مسعود الذي دبر تنظيم القاعدة اغتياله في سبتمبر/ أيلول 2001.
ويدعو مسعود وصالح إلى اعتماد الحداثة واللامركزية، في الحكم لتحقيق نظام يضمن العدالة الاجتماعية والمساواة والحقوق والحريات للجميع. وتحتاج أفغانستان بعد خروج القوات الأمريكية إلى حوار وطني بين القوى السياسية والقبلية والعرقية المختلفة من أجل إقامة نظام مستقر قابل للبقاء، وتجنب الوقوع في حرب أهلية.
وفي هذا السياق فإن تقديم مساعدة إلى طالبان على التحول إلى قوة معتدلة، يمكن أن يسهل مثل هذا الحوار، ويقود أفغانستان إلى الاستقرار. قرار مجلس الأمن الأخير هو بداية التعامل الرسمي غير المباشر للمجتمع الدولي مع طالبان، وإذا رأت قيادة الحركة في ذلك حافزا لها، فربما يشجعها على التفاعل مع المجتمع الدولي، وبذل مجهود في إعادة طرح نفسها من جديد بهوية معتدلة مقبولة، وهو ما تستطيع قطر وتركيا أن تلعب دورا ايجابيا لتحقيقه.