قطع الرواتب يفاقم الخلافات بين بغداد وإقليم كردستان

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: تصاعدت الخلافات بين حكومتي بغداد وإقليم كردستان شمال العراق، بعد ان اتهمت الأخيرة بغداد بتجويع شعب كردستان، وقطع رواتب موظفي الإقليم، فيما ردت حكومة بغداد باتهام حكومة الإقليم بالتضليل والكذب، وان بغداد تؤدي التزاماتها المالية تجاه الإقليم.

وخلال الأيام الماضية، تبادلت حكومتا بغداد والإقليم، الانتقادات والاتهامات، بالتسبب في خلق المشاكل الاقتصادية للإقليم، على خلفية تأخير رواتب موظفي الإقليم وشن هجمات بالطائرات المسيرة على القوات الأمنية الكردية البيشمركه.
وتعد أزمة قطع رواتب موظفي الإقليم التي مرت عليها سنوات دون حل، أبرز أسباب المعاناة الحقيقية التي يعاني منها جميع الموظفين وعائلاتهم في كردستان، حيث قطعت حكومة الإقليم الرواتب عن موظفيها لعدة أشهر بمبرر ان الحكومة الاتحادية لم ترسل الأموال اللازمة والمخصصة في الميزانية للإقليم، فيما تؤكد حكومة بغداد أن البرلمان أجرى تغييرات في الميزانية عرقلت إرسال الأموال، وانها بالمقابل تقوم بمنح الإقليم، الأموال على شكل قروض لحين حل المشكلة، وسط اتهامات الأحزاب الشيعية، لحكومة الإقليم بانها تستحوذ لنفسها على واردات المنافذ الحدودية والرسوم والضرائب، إضافة إلى قيمة النفط المهرب من كردستان إلى تركيا وإيران.
فقد أصدرت الحكومة العراقية بياناً ترد فيه على تصريحات للمتحدث باسم حكومة إقليم كردستان العراق.
وقال باسم العوادي، المتحدث باسم الحكومة العراقية، «إن الحكومة الاتحادية تعبر عن استغرابها من تصريح المتحدث باسم حكومة الإقليم؛ الذي تضمن شتى الاتهامات غير الواقعية وغير المسؤولة؛ لما ورد فيه من خلط لمعلومات مضللة وأكاذيب باطلة، خصوصاً الادعاء بتجويع المواطنين في الإقليم، متناسيا الأرقام الرسمية للتمويلات المالية وباعتراف موظفي الإقليم». وأضاف بيان العوادي، «أن التسرع في إطلاق الأحكام والإدلاء بتصريحات تفتقر للدقة، يسهم في تعقيد المشهد السياسي والحكومي».
وكان المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان بيشوا هورماني، أصدر بيانا عقب الهجوم الذي استهدف مقرات للبيشمركه انطلاقاً من نينوى التي تخضع لنفوذ فصائل «الحشد الشعبي» اتهم الحكومة العراقية بـ«تجويع شعب إقليم كردستان» عبر قطع مستحقات الإقليم المالية بينما «تمول تلك الجماعات بهذه الأموال» حسب قوله.
وازاء تعقد العلاقات بين بغداد وأربيل، وتداعيات الأزمات المزمنة بينهما، دخل رئيس الحكومة محمد السوداني في قضية رواتب الإقليم، حيث أكد «أن حكومته مستعدة لتعديل قانون الموازنة الاتحادية، من أجل حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان، مشيراً إلى أن توقف صادرات النفط من إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي تسبب بفقد إقليم كردستان إيراداته من النفط وبقيت فقط الإيرادات غير النفطية، لذا تعقّدت المشكلة وأضرت بالإيرادات التي تمكنه من الإيفاء بالتزاماته تجاه المواطنين».
وقال السوداني خلال استضافته في برنامج حواري يقدمه الإعلامي الكردي بيستون عثمان، وحضره العشرات من الشباب والشابات من إقليم كردستان وباقي المحافظات العراقية، ان «الموظفين في إقليم كردستان يعانون من عدم استلام الراتب الوظيفي الذي هو حق لكل موظف» مبيناً أنه «في قانون الموازنة يوجد بند واضح حول الانفاق العام، ومنه نحدد نسبة 12.6 في المئة كحصة لإقليم كردستان ومنحها بتمويل شهري، ولكن لا يوجد بند واضح في قانون الموازنة خاص برواتب الموظفين». ونوّه السوداني إلى أن «حصة إقليم كردستان، التي تعلن وزارة المالية عنها وتطلب منحها لإقليم كردستان، تكون مقابل تسليم الإقليم للإيرادات النفطية وغير النفطية».
وأوضح السوداني أن مشكلة ظهرت عندما بدأت حكومته في تنفيذ قانون الموازنة تتمثل في «حدوث تعديل للقانون بمجلس النواب بخلاف المسودة التي أقرها مجلس الوزراء تتعلق بكلف إنتاج برميل النفط» إضافة إلى «صدور قرار محكمة التحكيم في باريس، والذي أوقف عملية إنتاج النفط وتصديره من خلال الأنبوب العراقي المار عبر إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي، ولذا فقد إقليم كردستان إيراداته من النفط وبقيت فقط الإيرادات غير النفطية، وبالتالي تعقّدت المشكلة وأضرت بالإيرادات التي تمكنه من الإيفاء بالتزاماته تجاه المواطنين» وأضاف «وحتى نواجه هذه المشكلة اضطررت إلى إعطاء هذه القروض « إلى حكومة الإقليم لتمشية أمورها.
وأعرب السوداني عن اعتقاده أن «الحل النهائي حتى ننتهي من هذا الملف هو أن يتم التعامل مع موظفي إقليم كردستان أسوة بموظفي الدولة العراقية، وأن يتسلّم راتبه بغض النظر عن هذه التفاصيل التي نتحدث عنها» إلا أن «هذا يحتاج إلى تعديل القانون، في مجلس الوزراء، وارساله إلى مجلس النواب».
ومنذ سنوات تلجأ حكومة بغداد إلى منح الإقليم قروضا لتمشية أموره لحين تجاوز المشاكل التي تعرقل الميزانية. وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة المالية الاتحادية، في كانون الاول/ديسمبر 2023 قرضا جديدا بقيمة 700 مليار دينار لتمويل رواتب موظفي إقليم كردستان. إلا أن حكومة إقليم كردستان، أكدت مؤخراً إيفائها بكافة التزاماتها تجاه بغداد، بما في ذلك تسليم كافة واردات النفط، وتولى فريق التدقيق المشترك عملية التدقيق والمراجعة لجميع الإيرادات والإنفاق والملاكات الوظيفية في الإقليم، لكن مع ذلك تؤخر بغداد تسليم الرواتب، كما لم تسدد أي مبالغ مالية إلى شركات النفط الأجنبية التي لها ديون على حكومة الإقليم. ودعا مجلس وزراء إقليم كردستان، «الحكومة الاتحادية لتحقيق العدالة تجاه موظفي الإقليم وصرف رواتبهم المستحقة، مؤكدا أنه لا مبرر لممارسات بغداد تجاه رواتب الإقليم» حسب بيان حكومة الإقليم.

وفد كردي في بغداد

ومع بداية العام الجديد، يتوجه وفد حكومي كردي إلى العاصمة الاتحادية بغداد لإجراء مباحثات مع الجهات الحكومية في بغداد حول ملفي موازنة عام 2024 وحصة الإقليم منها، فضلا عن رواتب موظفي كردستان المتأخرة.
وأعلن محمود خوشناو عضو الاتحاد الوطني الكردستاني، في بيان، «أن وفد الإقليم سيناقش ثلاثة مقترحات الأولى متعلقة بربط رواتب الموظفين والمتقاعدين بالنفقات الحاكمة واخراجها من النفقات الفعلية، وبحث القروض التي أخذها الإقليم، والبالغة 4 تريليون و700 مليار وكيفية التعامل معها في موازنة 2024» مشيرا إلى «أن الأمر الآخر متعلق بعدم ربط رواتب الموظفين والمتقاعدين باستئناف نفط الإقليم باعتبار ان الإقليم سلم هذا الملف للسلطة الاتحادية بعد قرار هيئة التحكيم في غرفة التجارة الدولية».
وفي إطار ربط رواتب الإقليم بالمركز، أعلن عضو مجلس النواب السابق، غالب محمد، عن رفع دعاوى قضائية في المحكمة الاتحادية العليا لكسب قرار توطين رواتب الموظفين مع الحكومة المركزية بشكل مباشر، فيما أكد أن أزمة الرواتب هي مشكلة الإقليم الكبرى في الوقت الحالي. علما بان حكومة أربيل ترفض فكرة تحويل رواتب الموظفين فيها إلى الحكومة الاتحادية وتتمسك بحصره بها.
وبالتزامن مع هذا النزاع، شنت القوى الشيعية اتهامات ضد الإقليم، بالتعاون مع الولايات المتحدة والتعامل مع إسرائيل، فيما ادعى عضو اللجنة المالية النيابية يوسف الكلابي، أن قسما من نفط الموصل يتم تهريبه عبر شركة كردية بحماية الميليشيات الكردية. وقال الكلابي في حوار تلفزيوني، بتاريخ 1/1/2024 ان «ميليشيات كردية تقوم بتهريب 10 آلاف برميل نفط من الموصل يوميا من ناحية ربيعة بالموصل وسط صمت حكومي» مبينا ان «النفط الذي يهرب من الأراضي العراقية يتم تحويله بأسعار مخفضة إلى الكيان الصهيوني» حسب قوله.
وفي تطور أمني يعكس تداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، فقد تعرض مقر للبيشمركه في الإقليم إلى هجوم بطائرات مسيرة، وهو أول هجوم على القوات الكردية بعد ان كان مقتصرا على القواعد الأمريكية قرب مطار أربيل.
وأكدت رئاسة إقليم كردستان أن الهجوم «الإرهابي» على قوات البيشمركه في محافظة أربيل يشكل «تطوراً خطيراً ومرفوضاً» داعية الحكومة العراقية إلى «اتخاذ إجراءات جادة وحازمة للعثور على منفذي الهجوم ومعاقبتهم». وشددت على أن استهداف قوات البيشمركه، تطور خطير ومرفوض يهدد أمن واستقرار العراق. فيما حملت الحكومة العراقية مسؤولية هجوم نفذه فصيل «خارج على القانون بمساعدة عملاء مأجورين ضد مقر للبيشمركه» حسب بيانها.
ويذكر ان إقليم كردستان العراق تعرض إلى 24 هجوما بواسطة 40 مسيرة منذ بدء حرب غزة، على القواعد التي تتواجد فيها قوات أمريكية، فيما يتهم الإقليم، الفصائل الولائية بالوقوف خلف تلك الهجمات، والتي بدورها اتهمت أربيل بافتعال أزمة قصف معسكر البيشمركه، بسبب موضوع رواتب موظفي الإقليم، حيث تريد حكومة الإقليم إبقاء هذا الملف بيدها وليس بيد بغداد.
وتعد الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، من المعضلات التي تواجه الحكومات العراقية المتعاقبة، وأبرزها رواتب موظفي إقليم كردستان، وعدم الاتفاق على آلية تصدير النفط من حقول الإقليم، والمناطق المتنازع عليها وغيرها. وهي الخلافات المتوقع استمرارها، نظرا لعدم وجود إرادة سياسية حقيقية لحل الملفات المزمنة والخلافات بروح وطنية تضع مصلحة الوطن والشعب فوق كل الاعتبارات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية