قطوف من ابداعات انسانية: رحلة الوداع الأخير لسينما علاء كريم

حجم الخط
0

قطوف من ابداعات انسانية: رحلة الوداع الأخير لسينما علاء كريم

قطوف من ابداعات انسانية: رحلة الوداع الأخير لسينما علاء كريمالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: برز من بين مخرجي جيل الوسط مجموعة أسماء كان علاء كريم واحدا منها، حيث بدأ بزوغ اسمه منذ تخرجه في معهد السينما منتصف السبعينات اذ كان ترتيبه في الدفعة متقدما جدا، علاوة علي أنه أختير ضمن قليلين أرسلوا الي بعثة دراسية بالولايات المتحدة الأمريكية لدراسة تطور فن الاخراج والتصوير والأداء التمثيلي، وقد استمر علاء كريم حوالي أربع سنوات بالولايات المتحدة بعد انتهاء البعثة عمل خلالها في مجالات مختلفة بغرض اثراء الخبرة وتوفير ما يلزم من مدخرات، ثم عاد الي القاهرة ليبدأ رحلته الفنية مساعدا لأستاذه يوسف شاهين الذي كان يعتبره وحدة قياس النجاح في المجال السينمائي ومايسترو الاخراج في الشرق الأوسط، وبناء علي هذه القناعة ارتبط المخرج الشاب باستاذه وشاركه في صنع عدة أفلام جاء أولها فيلم حدوتة مصرية الذي جسد حياة يوسف شاهين نفسه وحمل كثير من ملامحه الانسانية وجنونه الفني، ذلك الذي أخاف اليه نور الشريف رونقا خاصا في الأداء التمثيلي والاحساس بالشخصية والتشبع بها حتي النخاع، بيد أن التجربة نفسها أنضجت كل العاملين بها بما في ذلك مساعد المخرج الفتي كريم الحاضر بقوة في تلك السطور لاعتبارات الغياب الذي فرض برحيله مؤخرا عن دنيا الاخراج والسينما وعوالم الفكر والثقافة تلك الدوائر التي دخلها وهو لا يزال طالبا بأكاديمية الفنون يتحسس الخطا نحو غوايته ويتلمس طريق النجاح، لم ينقطع علاء كريم عن المدرسة التي تخرج فيها ولا عن أستاذه صاحب الفضل الأكبر عليه برغم انفراده بتجارب سينمائية كبري فيما بعد وتحقيقه للاستقلال الكامل من الناحية الفنية، لا سيما فيما أبدعه من أفلام تسجيلية مثلت له نقلة ذكية وجعلته واحدا من مخرجي السينما التسجيلية المرموقين، حيث كان لفيلميه رشيد 83، القلعة دوياً مذهلا صنفه كواحد من المخرجين المهمين في هذا المجال ومهد له طريق العبور الي السينما الروائية الطويلة باعتبارها شهادة الاعتراف الموثقة بامكانيات المخرج ومهاراته والجسر الذي يربط بينه وبين الجمهور، فأول تجربة روائية طويلة للتلميذ النجيب كانت فيلم اشتباه بطولة نجلاء فتحي النجمة التي مكنته من تثبيت أقدامه علي أرضية ملعب الجوائز في فيلم الكراج الذي حصد 29 جائزة دولية ومحلية في كافة التخصصات وأفرع الابداع وأستمر عرضه نحو 15 أسبوعا هيمنت خلالها الجماهير علي شباك التذاكر لتكتب شهادة ميلاد جديدة لمخرجه القادم من كاليفورنيا بتكنيك اخراجي متطور وفكر يجمع بين الكلاسيكية المحافظة والحداثة المتمردة.سبق فيلم الكراج بزمن قصير فيلما آخر اعتبره النقاد محطة انتقالية، لذا كان وجوبا علينا أن نرجئ الحديث عنه قليلا فعلي قدر تميزه من الناحية الاخراجية والفنية البحتة واعتماده علي نجمين كبيرين، حسين فهمي ورغدة، الا أنه أدرج ضمن الأفلام التقليدية، هذا الفيلم هو 85 جنايات ينتمي الي أفلام الاثارة والأكشن، فأحداثه تدور داخل سجن النساء ويعالج بشكل حرفي قضية المخدرات من منظور اجتماعي ـ جنائي ويهدف الي فضح عصابات التهريب ويلعب علي أوتار انسانية كثيرا ما استهوت المخرج الراحل طوال مسيرته الفنية، حيث كان ينظر الي السينما نظرة مثالية ويعتبرها أداة اصلاح وتهذيب وربما يرجع ذلك الي طبيعة نشأته الشعبية بحي السيدة زينب وتمسكه بالقيم الأخلاقية التي تصور أنها ضرورة حتمية في الخطاب الفني الموجه علي خلفية تكوينه وتربيته الخاصة وانفصاله النسبي عن حركة الحداثة ونظرية الغاية تبرر الوسيلة، وان كان قد خضع لها في فيلمه امرأة وخمس رجال الذي قامت ببطولته فيفي عبده وآخذه عليه النقاد لما برهن من توطئة أجبر عليها لظروف الحصار وقلة فرص الانتاج، وربما ذلك ما جعله يتوجه الي الدراما التليفزيونية ويقبل علي اخراج مسلسل وادي فيران الذي راهن عليه فخسر الرهان ودخل بفضله في معارك عديدة اشتبك فيها مع أكثر من طرف ـ النقاد والجمهور وجهة الانتاج ـ وظلت خلافاته تفاقم الي أن تقطعت به أسباب العودة مرة أخري الي ذات التوهج الأول فأنقلب علي عقبيه يجدد رحلة البحث المضنية عن سيناريو قوي يعيد اليه هيبته وتوازنه فمنيّ بحظ تعس للمرة الثانية بفضل حملة صحفية أطلقت ضده ليس لشيء غير أن أحداث السيناريو الذي كتبته السيناريست ماجدة خير الله بعنوان: أول مرة تحب تشابهت مع واقعة شهيرة لنجمة كبيرة فظنت أنها المقصودة وحشدت الجيوش ضد الفيلم والكاتبة والمخرج ونجحوا في اطفاء قناديل الفرحة وكان ذلك بمثابة نكسة جديدة لعلاء كريم الذي بدأ يعاني ويلات الركود والبطالة ويشعر بالاضطهاد نتيجة تقلص نشاطه الفني الي حد قبول العمل في سهرات تليفزيونية أقل من امكانياته بكثير وان حالفه الحظ في بعض هذه السهرات كمردود متواضع لجهده الكبير فعلي سبيل المثال حققت سهرة راكبة المقعد الخلفي دويا جماهيريا يليق بحجمها الزمني ولكنه أبدا لم يشبع رغبة علاء الجامحة في استعادة لياقته كمخرج كبير وضع تحت الأضواء لفترة طويلة وكاد يجاوز أقرانه بمسافات بعيدة رغم سوء ما تعرض له من احباطات وكبوات طالما رواها بنفسه وقص تفاصيلها علي أصدقائه المقربين بزهو يشي بانتصار كان يتبدي دائما في عينيه وهو مستغرق في الحكي عن قسوة الحياة في أمريكا وبرودة المشاعر التي تعادل برودة الطقس، ظل علاء كريم حريصا علي التواجد في وسائل الاعلام كمعادل للتواجد الفني، ولأنه خلوقا ودبلوماسيا ومثابرا احتفظ لنفسه بمكانة فائقة وصورة جميلة وظل يجدد في نفسه الطاقة والحماس حتي في أحلك ظروفه النفسية، اذ دأب علي تدريس السينما في الأكاديمية التي تخرج فيها أكاديمية الفنون المصرية وامتد نشاطه ليواصل عطاؤه في جامعة 6 أكتوبر الخاصة وتخرج من تحت يديه أصحاب مواهب كان حريصا علي أن يلقنهم دروس الحياة كما استوعبها، فالحكمة تسبق عنده الفن، اذ لا ابداع بدون فضيلة وأن الاحساس الراقي يجدد حيوية المبدع ويفتح أمامه الأبواب الموصدة، رحم الله علاء كريم عاش علي هذه القناعة ومات عليها.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية