د. محمد صالح المسفر ( 1 )ليس من السهل على أي صاحب قلم أن يكتب عن موضوع وهو في حالة انفعال إنساني إلا إذا تجرد من انفعالاته ولجم جماح عواطفه الجياشة. كانت لحظات صعبة على كل وطني يحب وطنه قطر وهو يتابع عملية إعلان نتائج التصويت دقيقة بدقيقة في زيوريخ لنيل تنظيم مونديال عام 2022، وأزعم أن كل المواطنين العرب في كل مكان كانوا يتمنون فوز ملفنا رغم منافسة الكبار. قطر تقف كتفا بكتف تنافس عمالقة العالم الأقوى اقتصاديا وعسكريا ومهارات تنظيمية وخبرات إدارية وآلة إعلامية رهيبة لتكسب شرف تنظيم مونديال كاس العالم لكرة القدم في قطر، تلك الدول هي الولايات المتحدة الأمريكية، استراليا، اليابان، كوريا الجنوبية، وشتان بين موازين هذه الدول الكبيرة العريقة ذات التجارب والخبرات العالمية وبين دولة قطر حديثة الاستقلال وحديثة ألولوج في معراج النسق الدولي على كل الصعد.
إن ابلغ تعبير عن الفرحة والانتصار في أي منافسة كانت ـــ فما بالك إذا كانت على مستوى العالم ـــ هو دموع الفرحة وقد رأيناها على شاشات التلفزة من زيوريخ إلى الدوحة، وحقا انها فرحة لا تضاهيها فرحة قي ظروفنا الراهنة.
لقد حققت الإدارة القطرية انجازا منقطع النظير لكسب المنافسة، فقد شكلت اوركسترا إدارية وسياسية لم يشذ منها وتر بنغمة أو إيقاع مخل، كان الفريق المكلف بهذه المهمة منسجما، وقامت القيادة السياسية بدورها الفعال كعضو موازي لهذا الفريق، وإذا اعتبرنا اللغة ركنا من أركان الحضارة الإنسانية فلا جدال بأنها روضت من قبل الفريق القطري لكسب المنافسة عندما تحدث أعضاء الفريق إلى العالم وهم يقدمون ملفهم كامل الأوصاف بلغات مختلفة العربية والانكليزية والفرنسية والاسبانية، وكلهم من الشباب الذين لم تتخط أعمارهم الأربعين خريفا، من يصدق أن هؤلاء الشباب هم خريجو المدرسة والجامعة القطرية، من يصدق أن هؤلاء من دولة خليجية تظهر على خارطة العالم وكأنها كف يد الإنسان ليس بها جبال ولا أودية ولا كثافة سكانية كغيرها من الدول المنافسة؟! ( 2 )قد يسأل إنسان ما سر ذلك النجاح الذي حققه الشباب القطري أمام كهول العالم المتمدن أصحاب الخبرات؟ أقول: إنها الإرادة، والثقة بالنفس والتصميم على النصر بالفوز على كل من نافسهم، والعمل المتواصل دون كلل. سلاسل زمنية من الأعمال لتحقيق الهدف البعيد، بدأت بإعداد البنية التحتية في هذا الميدان: الملاعب وزينتها، تنظيم المسابقات الرياضية، تدريب رجال الأمن والإعلام، قفزت بعد ذلك لاستضافة مباريات كأس الخليج العربي، ومباريات لعبة التنس الأرضي على مستوى دولي شارك فيها اشهر اللاعبين رجالا ونساء، استضافة كاس آسيا لكرة القدم، استضافة فرق رياضية عالمية في مباريات ودية في الدوحة (البرازيل ـــ والأرجنتين) كل تلك الأنشطة كانت تبث على الهواء وعلى أوسع نطاق على امتداد القارات الخمس. تلك الجهود أكسبت الشباب القطري الثقة بالنفس وانطلقوا نحو العالمية فكان من نصيبهم الفوز بتنظيم مونديال كأس العالم عام 2022 .(3 ) أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قال على الهواء مباشرة وفي زحمة الفرح وبدون أوراق مكتوبة ابلغ بيان سياسي ‘نحن لسنا بعيدين عن أي شيء، وقادرون على تحقيق الانجاز’. من يتدبر ذلك البيان يدرك معانيه، انه يعني، إلى جانب أمور أخرى، أن العرب قادرون على الوصول إلى تحقيق أهدافهم السامية إذا اشتغلوا كفريق واحد بنغمة واحدة، وإذا أحسنوا التنظيم، وصدق النوايا، وتوفر الإرادة، واختيار التوقيت السليم فإنهم قادرون بلا ريب على نيل حقوقهم واكتساب احترام العالم قاطبة. أمير قطر لم يكلف ‘فريق الملف القطري’ المشار إليه بالمهمة ويبقى في مكتبه بل انه قام بأعمال موازية على كل الصعد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وراح يجوب عواصم الدنيا ليستقطب إلى جانبه الكبار والصغار من اجل تحقيق انجاز لبلده ولأمته العربية، فكان له ما أراد. آخر القول: في ظل الانفعال الإنساني بالفرحة لهذا الانجاز الكبير، تتداخل الكلمات، والجمل، فعين الكاتب أصابها الحول ينظر إلى انجاز وطني رفيع المستوى حققه الشباب القطري، وكأنه ينظر إلى هموم أمته لو أحسن قادتنا الميامين التصرف واتبعوا المنهج القطري لتحقيق الأهداف. السنا قادرين على تحقيق انجاز لأمتنا يستعيد الحقوق ويضعنا على خارطة العالم كأمة تستحق النصر؟!