من ناحية الجيش الإسرائيلي، كان اختيار وزير الدفاع افيغدور ليبرمان اللواء افيف كوخافي لرئيس الأركان الـ 22 هو الخيار الأوضح على مدى كل الطريق ـ إذا ما وضعنا للحظة جانبًا الجدال الذي كان بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه حول هوية رئيس الأركان القادم. فكوخافي وقع عمليًا على بطاقة عمل كاملة، الأكثر ملاءة لتحديات منصب رئيس الأركان القادم.
عندما تكون التحديات المركزية المتوقعة لإسرائيل في السنوات القريبة القادمة أيضًا هي في جبهة الشمال وفي قطاع غزة، فإن المناصب التي تولاها كوخافي كقائد لفرقة غزة، ورئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي، ورئيس شعبة الاستخبارات، وقائد المنطقة الشمالية ومنصبه الأخير نائبًا لرئيس الأركان، تعده بالشكل الأكمل في تجربته، وفي تأهيله وفي المعرفة التي اكتسبها لمنصب رئيس الأركان التالي. كما أن عملية التداخل التي يحتاجها من أجل تسلم المنصب الجديد ستكون قصيرة وبسيطة نسبيا.
رغم الجدال الذي كان بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع على هوية رئيس الأركان، حين طرح في هذه العملية أيضًا اسم اللواء نيتسان الون كمرشح مهم من جهة ليبرمان، فإن اختيار أفيف كوخافي ليس مثابة اختيار حل وسط. فكوخافي شق طريقه كقائد ميداني بارز، وكقائد لواء المظليين في حملة «السور الواقي» في يهودا والسامرة في 2002.
كوخافي، وكذا قادة الوية نظامية بارزين مثل تشيكو تمير في غولاني ويئير غولان في الناحل، قادوا خطًا هجوميًا للعمل داخل مخيمات اللاجئين، رغم الخوف الذي كان في حينه في إسرائيل بأن هذا كان قتالا سيؤدي إلى قتلى كثيرين في أوساط الجنود وإلى ضرر سياسي لإسرائيل. عمليًا، أثبتت الألوية النظامية في القتال بأن هذا تحدٍ ممكن، وأن المخاوف المسبقة كان مبالغًا فيها. في نظرة إلى الوراء، شكل تصميم قادة الألوية، في اختبار الزمن، جزءًا مركزيًا من صد موجة الإرهاب في الانتفاضة الثانية في بداية سنوات الألفين. كوخافي، بصفته ضابطًا، يعتبر رجل رأي وكتاب. مفاهيمه العسكرية مركبة وذكية، وهناك أيضًا من ينتقده بأنه في التوازنات اللازمة كقائد ميداني، المجال النظري ـ العسكري أقوى لديه من المجال العملياتي. من الجهة الأخرى، يدعي ضباط آخرون خدموا تحت قيادته على مدى السنين بأن كوخافي ـ كضابط مقاتل ـ يعرف كيف يدمج بالشكل الأفضل النظرية العسكرية مع عالم الفعل، وأن هذه الميزة النادرة وجدت تعبيرها في حياته المهنية العسكرية وفي مزاياه الشخصية.
قائد فرقة غزة
عندما كان كوخافي قائد فرقة غزة، حادثة واحدة ذات مغزى هددت استمرار حياته المهنية: اختطاف جلعاد شاليط. رغم الإخطار الذي جاء من المخابرات والتقديرات العملياتية في الميدان، نجحت بعض منظمات الإرهاب التي ارتبطت معًا في عملية الاختطاف والهرب عودة إلى قطاع غزة مع شاليط، بعد أن قتل مقاتلين آخرين كانا في الدبابة. وكانت هذه على ما يبدو إحدى عمليات الكوماندو الأكثر نجاحًا التي تنفذها منظمة إرهابية في قطاع غزة، ومن ناحية الجيش الإسرائيلي ـ حدث مع إخفاقات عديدة وقاسية، من النوع الذي يمكن أن يعرض للخطر استمرار الحياة العسكرية لقادة كبار.
اللواء احتياط غيورا آيلند، الذي حقق في الحدث، وإن كان وجد إخفاقات عديدة في أداء الفرقة واللواء، إلا أنه لاحظ أيضًا نقاطًا إيجابية في الاستعدادات التي تمت قبل العملية، ولكنها لم تمنعها. فقد اختار آيلند خطًا معتدلاً من ناحية توصيته، بعد أن فحص أداء الفرقة والإنجازات في مواجهة المخربين على مدى السنة التي انقضت منذ فك الارتباط. كما أنه أخذ بالحسبان اشتراطات القيادة السياسية في تلك الفترة، التي منعت قوات الجيش الإسرائيلي من اجتياز الجدار لأعمال توغلية في قطاع غزة، وفي نهاية المطاف قرر أنه لن يكون صحيحًا محاكمة أداء الفرقة واللواء الجنوبي فقط في ضوء حدث واحد، مهما كان قاسيًا.
قدرة إقناع استثنائية
من هذه الناحية، أثر آيلند في استمرار مستقبل كوخافي في الجيش، الذي بعد اجتياز عقبة الحدث في غزة كان طريقه إلى القمة واضحًا. منصب أركان في قسم العمليات، قريب جًدا وهام جدًا في المداولات مع رئيس الأركان في حينه غابي اشكنازي، شق له الطريق لرئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية. ولكن في حملة «الجرف الصامد» أيضًا، وعندما وقف كوخافي على رأس الجهاز، لم تخرج شعبة الاستخبارات نقية تمامًا. فالادعاءات التي وجهت لرئيس شعبة الاستخبارات كانت أنه لم يربط المعلومات الاستخبارية بصورة عامة واضحة تستخلص المعاني اللازمة للقيادة السياسية والعسكرية على حد سواء، مثلما كان ينبغي أن يجد تعبيره في استعدادات الجيش الإسرائيلي للحملة وللتصدير لحملة الانفاق.
ولكن كوخافي رفض تمامًا هذا الانتقاد الذي طرح أيضًا في التحقيقات الداخلية في الجيش الإسرائيلي. مقابل ذلك، ثمة اجماع واسع على أنه في أثناء عهد كوخافي اجتازت شعبة الاستخبارات تغييرات كبيرة جدًا في قدرة استخلاص المعلومات ونشرها إلى المستويات الميدانية. في عهده كرئيس شعبة الاستخبارات تحولت الوحدات الميدانية، لأول مرة، إلى مثابة الزبائن الذين يوجدون في سلم الأولويات الأعلى في تلقي المعلومات. بعد سنوات عديدة من الفجوات الكبرى بين شعبة الاستخبارات والمستويات الميدانية، شعر الضباط في الميدان ـ من مستوى قائد سرية ـ بأن الاستخبارات تعمل من أجلهم وتوفر لهم معلومات حيوية في ميدان المعركة، بخلاف تام مثلاً، مع ما حصل في حرب لبنان الثانية.
كقائد للمنطقة الشمالية ونائب رئيس الأركان، خاض كوخافي مهام تعتبر ناجحة دون أزمات استثنائية، ويعدّ ضابطًا مبادرًا ومثقفًا على نحو خاص. ولكن الكثيرين ممن عملوا معه يشهدون على أنه يجد صعوبة في قبول النقد. علاقات إنسانية على مستوى عال جدًا، وحتى عندما يكون هناك جدال جوهري، فإنه يتصرف بحضارية وليس بنزعة قوة. وعندما يكون متأكدًا من صحة طريقه من الصعب جدًا إقناعه بخلاف ذلك.
قدراته اللغوية العالية وقدرته الاستثنائية على الإقناع لا تترك فرصة لمن يفكر بخلاف تفكيره.
في كل حال، فإن رئيس أركان ذا رأي لا يخاف أن يقول مواقفه، مثل أفيف كوخافي، هو تحد حقيقي للقيادة السياسية. وحتى بصفته عميدًا، فإنه وبعد فك الارتباط عن قطاع غزة، لم يخشَ من أن يقول لرئيس الوزراء ارئيل شارون ووزير الدفاع شاؤول موفاز إنه «ليس لخط الحدود هذا قصدنا»، في وصفه واقع الإرهاب على جدار القطاع. وذلك رغم أن القيادة السياسية كان لها مصلحة في التشديد على نجاح فك الارتباط والتقليل من استمرار الإرهاب.
هذه الجملة المركزة، التي أجاد بها في وصف الواقع الأمني وقيلت في نقاش مغلق، وجدت طريقها لبدء «استديو الجمعة» في أخبار 2 في ذاك الأسبوع.
معقول الافتراض بأنه في صورته الإعلامية في الساحة الإسرائيلية العامة سيكون كوخافي أكثر بروزًا وحضورًا من رئيس الأركان الحالي جادي آيزنكوت. ومع ذلك، فإن رئيس أركان يعدّ بارزًا إعلاميًا، ويُعدّ أيضًا إمكانية كامنة سياسية في المستقبل، فإن القيادة السياسية معنية حقًا به. أما وزير الدفاع افيغدور ليرمان، كما تجدر الإشارة، فقد تعالى على ذلك باختياره كوخافي، وبعد المناورة الذكية التي أجراها لرئيس الوزراء في الإعلان عن التعيين، لم يتبقَ لنتنياهو أيضًا خيار غير الاعتراف بأن الحديث بالفعل يدور عمليًا عن المرشح الأكثر ملاءمة للمنصب.
تل ليف رام
يديعوت 28/10/2018