يشير التقرير الأخير للبنك الدولي الصادر في الشهر الماضي عن توقعات النمو العالمي إلى عدد من الحقائق الصادمة، أخطرها أن معدل النمو الاقتصادي في النصف الأول من العقد الحالي هو الأقل منذ بداية التسعينات، وأن العالم فشل في تحقيق واحد من أهم أهداف عقد التنمية ألا وهو القضاء على الفقر المطلق. ومع ذلك فإن هناك جوانب إيجابية نظرا للقدرة على تحمل صدمات قاسية في السنوات الأربع الأخيرة، جاءت الواحدة بعد الأخرى هي جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، وأسعار الفائدة ومعدلات التضخم المرتفعة التي بلغت ذروة لم تصل إليها منذ أربعين عاما. أحد تداعيات ذلك يتمثل في انخفاض معدلات النمو، حيث يتوقع البنك انخفاض معدل النمو العالمي للعام الثالث على التوالي، إلى 2.4 في المئة، أي أقل من متوسط النمو خلال أول عقدين في القرن الحالي، الذي كان 3.7 في المئة. ومن ثم فإن التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ورفع معدلات النمو في بلدان العالم المختلفة، يحتاج إلى جهود جبارة من الحكومات لزيادة موارد التنمية في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. ومع أن صندوق النقد الدولي يتوقع نموا أفضل بنسبة 3.1 في المئة، فإن هذا المعدل يظل أقل من متوسط معدلات النمو في السنوات العشرين الأولى من القرن الحالي باعتراف كريستالينا غورغييفا مدير الصندوق.
ومع وجود إدراك لضرورة زيادة معدلات النمو الحقيقي، فإن هناك مخاطر شديدة تواجه تحقيق ذلك، منها ما هو من صنع الطبيعة مثل نقص المياه، والتغيرات المناخية الحادة، والكوارث الطبيعية الشديدة، مثل الزلازل والسيول والبراكين. ومنها ما هو من صنع البشر، مثل انعدام المساواة، والحروب، والتمييز بأنواعه المختلفة. وسوف نتناول في هذا التحليل العلاقة بين تراجع النمو الاقتصادي والنمو الخطير غير المسبوق في الإنفاق العسكري للعالم منذ نهاية الحرب الباردة. هذه المفارقة الخطيرة تدعو لدراسة العوامل التي تقف وراء زيادة مخصصات الإنفاق على الحرب والاستعداد لها بنسبة تتجاوز ثلاثة أمثال معدل النمو الاقتصادي العالمي. وطبقا لتقديرات معاهد الدراسات العسكرية والاستراتيجية مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، والمعهد الدولي لدراسات السلام في ستوكهولم “سيبري” فإن الإنفاق العسكري للعالم هذا العام سيزيد بنسبة 9 في المئة، في حين أن تقدير البنك الدولي للنمو الاقتصادي يبلغ 2.4 في المئة! الأسئلة التي تطل برأسها هنا تتعلق بمدى رشادة سياسة الإنفاق العسكري، والأولويات التي يلتزم بها صناع السياسة، ومدى تأثير تخصيص موارد هائلة لتمويل الحروب على رفاهية المواطنين والسلام في العالم. كما أن ارتفاع الإنفاق العسكري بهذه النسبة في عالم يعاني من أزمات اقتصادية مركبة يقدم دليلا دامغا على أن القوى الرئيسية المتصارعة على النفوذ في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا، هي في طريقها إلى تكريس الحروب والصراعات المسلحة، وليس العكس. وهو ما ينذر بأن العالم ينزلق معصوب العينين إلى حرب عالمية ثالثة، شررها يتطاير فعلا من بؤر مشتعلة في أوكرانيا وفي المنطقة الممتدة من غزة وشرق البحر المتوسط إلى جنوب البحر الأحمر، وأخرى يجري إعداد نارها، في بحري الصين الجنوبي والشرقي وفي شبه الجزيرة الكورية، وعدد آخر من البؤر الإقليمية والحروب الأهلية في القرن الأفريقي والسودان والساحل. زيادة الإنفاق على الحرب والتسلح تهدد فرص التنمية والازدهار في العالم.
تأجيج بؤر الصراع
يقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن أن مخصصات الإنفاق العسكري للعالم هذا العام تبلغ 2.2 تريليون دولار للمرة الأولى، بزيادة نسبتها 9 في المئة مرة واحدة. ومع أن الولايات المتحدة والصين وروسيا تستحوذ وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري للعالم، فإن دول الناتو (باستبعاد الولايات المتحدة) أصبحت الآن تنفق على الدفاع أكثر مما كانت تنفق قبل حرب القرم عام 2014 بمقدار الثلث تقريبا، بنسبة زيادة تبلغ 32 في المئة. كذلك فإن بؤر الصراع الإقليمية والحروب الأهلية في مناطق أخرى من العالم مثل آسيا الوسطى والساحل الأفريقي وجنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان وموجة الانقلابات العسكرية الأخيرة في أفريقيا تغذي هي الأخرى الاتجاه إلى زيادة الإنفاق العسكري وإشاعة عدم الاستقرار بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية سلبية على الأفراد والشركات والدول.
ويرتبط ارتفاع الإنفاق العسكري باتجاه الخصوم الرئيسيين على المستوى العالمي (أمريكا والصين وروسيا) أو الخصوم على المستوى الإقليمي، مثل إسرائيل وإيران في الشرق الأوسط، بالحاجة إلى زيادة حجم القوات و تحديثها، وكذلك إلى تطوير أسلحة جديدة تماما، مثل الأسلحة الحرارية والفرط صوتية والأسلحة النووية التكتيكية ونظم الإطلاق من تحت سطح الماء ومن الفضاء الخارجي للأرض، واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية على أوسع نطاق ممكن، بما يحقق إمكانية إصابة العدو بالشلل عن بعد، من دون اللجوء إلى العمليات العسكرية التقليدية. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تسارع شدة السباق على التمويل بين السلاح والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإذا لم يستطع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن يبدأ قريبا في تخفيض أسعار الفائدة على الدولار، فإن استمرار الضغوط التضخمية وزيادة الحاجة إلى التمويل للدفاع يعني أن الحكومة الفيدرالية الأمريكية ستضطر إلى اقتراض مبالغ أكبر بتكلفة أعلى، وبالتالي يتسع عجز الميزانية الأمريكية بدلا من أن ينخفض، وترتفع أسعار الفائدة التي يأمل صندوق النقد الدولي أن تبدأ في الانخفاض في النصف الثاني من العام الحالي. وحتى إذا استمرت أسعار الفائدة على مستوياتها الحالية فإن طموحات التيسير النقدي ستتلاشى، وسيفضل المستثمرون في أسواق المال وضع أموالهم في أدوات تمويل بالعملات العالمية الرئيسية، بعيدا عن أسواق المال في الدول النامية، وهو ما يمكن ان يؤدي إلى تفاقم أزمات التمويل والمديونية.
ربما يذكر كثير من المفكرين الاقتصاديين والعسكريين في العالم أن السباق الحالي بين احتياجات تمويل زيادة التسلح، واحتياجات تمويل النمو الاقتصادي، يشبه إلى حد كبير ما وقع فيه الاتحاد السوفيتي خلال فترة حرب أفغانستان، حين راحت تتآكل قوة محركات النمو الاقتصادي، وهبط معدل النمو إلى الصفر تقريبا في عام 1981 ولم يمر عقد من الزمان بعد ذلك إلا وسقط الاتحاد السوفيتي، وتفكك وتبخر حلف وارسو. وإذا لم تنتبه الولايات المتحدة إلى خطورة سباق التسلح على احتياجات النمو الاقتصادي، فإن هذا السباق سيضغط على كل محركات النمو هناك، ويجعل الاقتصاد الأمريكي حبيسا لمدة طويلة داخل حيز نمو يدور حول 2 في المئة سنويا، في الوقت الذي تحقق فيه الصين معدلات تزيد عن ثلاثة أمثال ذلك. ومع أن هناك معلقين اقتصاديين أمريكيين يعتقدون أن الفجوة بين الصين والولايات المتحدة تتسع، بما يجعل الصين في حاجة إلى سنوات أطول لإغلاقها واللحاق بالاقتصاد الأمريكي من حيث الحجم والقدرات التنافسية، فإن الحقائق تشير إلى أن الصين أصبحت أقدر الآن على تضييق الفجوة التكنولوجية عما كانت عليه قبل بداية حرب التكنولوجيا الأمريكية ضدها عام 2018 وأن قوتها البحرية تزيد بسرعة مضاعفة على العكس من القوة البحرية الأمريكية. وتعتبر القوة البحرية أحد أهم مجالات السباق العسكري بين البلدين. وفي هذا السياق نشير إلى أن أحد بنود الإنفاق الكبيرة في التسليح الواردة في الميزانية العسكرية الجديدة هي البدء في بناء حوالي 13 غواصة جديدة متطورة، وتحسين نوعية حاملات الطائرات الأمريكية لمنع الصين من تحقيق تفوق بحري في أي منطقة في العالم، بما في ذلك منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي، وزيادة الاهتمام بتطوير صناعة الطائرات المسيرة القاذفة والمقاتلة وليس لأغراض التجسس فقط. ويميل السباق على التمويل بين التسلح من ناحية والنمو الاقتصادي من ناحية أخرى على ترجيح كفة التسلح والإنفاق العسكري، حيث أن الإنفاق العالمي على التسلح والحروب ينمو بما يقرب من ثلاثة أمثال معدل النمو الاقتصادي في العالم. ورغم أن التوقعات تشير إلى زيادة الإنفاق العسكري في العالم بنسبة 9 في المئة، فإن هذه النسبة مرشحة للزيادة وليس للنقصان بسبب عوامل عدم اليقين التي ترجح زيادة التوتر في العالم على عوامل الاستقرار والنمو. بل إن حكومة استراليا تتوقع أن يقفز الإنفاق العسكري بمقدار 9 مرات في منتصف العقد المقبل اعتبارا من عام 2027 وذلك في إطار توقعات زيادة حدة التوتر مع الصين، وزيادة الإنفاق العسكري لتحالف “أوكوس” العسكري الذي يجمعها مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي سباق الفضاء فإن الفشل الأمريكي الأخير في الهبوط على سطح القمر في تجربة تمهيدية لإرسال مركبة فضائية مأهولة إلى هناك، لابد أن يثير قدرا كبيرا من القلق بشأن القوة التكنولوجية والصناعية الأمريكية. كما أن الهستيريا التي انفجرت في الأيام الأخيرة بشأن قدرة روسيا على إرسال أقمار صناعية مزودة بأسلحة نووية إلى الفضاء، تشير إلى أن سباق التسلح آخذ في التمدد، وتهديد مستقبل العالم وليس مجرد إبطاء فرص النمو.
في الوقت الحالي تخصص كل من روسيا والصين للدفاع أكثر من 30 في المئة من الإنفاق الحكومي. وقفزت ميزانية الإنفاق العسكري لروسيا إلى 140 مليار دولار مقابل 108.5 مليار دولار في العام الماضي، وهو ما يعني تخصيص نسبة أكبر من الناتج المحلي للإنفاق العسكري، من 3.9 في المئة من الناتج إلى 6 في المئة. أما الصين فإنها تنفق حوالي 219.5 مليار دولار على الدفاع، أي ما يعادل ربع قيمة ما تنفقه الولايات المتحدة للغرض نفسه، التي بلغت ميزانيتها العسكرية للعام الحالي 886 مليار دولار، بما يعادل 40 في المئة من الإنفاق العسكري للعالم كله، وما يقرب من مرتين ونصف قيمة الميزانية العسكرية لكل من الصين وروسيا، أو أربعة أمثال ميزانية الدفاع الصينية، وأكثر من 6 أمثال ميزانية الدفاع الروسية. وإلى جانب الولايات المتحدة فإن دول حلف الناتو الأوروبية خصصت هذا العام للإنفاق الدفاعي حوالي 380 مليار دولار مقابل 359.5 لكل من روسيا والصين. ومن الضروري أن نلاحظ كذلك أن ميزانية الدفاع الأمريكية تزيد في العادة خلال العام بإضافة اعتمادات جديدة، سواء لأفرع القوات المسلحة أو لتقديم مساعدات عسكرية خارجية. على سبيل المثال من المتوقع أن تزيد اعتمادات ميزانية العام الحالي بنحو 90 مليار دولار، تشمل مساعدات إلى أوكرانيا وإسرائيل وتايوان. أي أنها يمكن أن تصل على الأقل إلى ما يقرب من 976 مليار دولار، بل ربما تصل إلى تريليون دولار. هذه الزيادة الضخمة على الإنفاق الدفاعي في العالم، في الوقت الذي تعكس فيه تطور الصراعات واتساعها، فإنها تكشف أولويات سياسات عسكرة العلاقات الدولية، والانتقال من مجرد العسكرة إلى الحرب، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن العالم قد ينزلق إلى حرب كبرى وهو مغمض العينين أو عن عمد، هذه الحرب حال وقوعها لن تكون أبدا مثل غيرها من الحروب التي سبقت.