قلبي يحدثني… حليم الرومي وظل عود في الزاوية

سوسن محمود نوري
حجم الخط
0

الاستوديو معبد أجوف، وخشبة المسرح قبر للصدى، حتى العود الصديق الذي نزف نغمات صار جسدا أبكم، شاهدا على صمت آخر. في ساحة الفناء، جلس منهكا والنهار ينفض أنفاسه، حيث تخوض روحه حربها السرية الأخيرة. صندوق كرتوني أحشاؤه: ورق أصفر، مسودات ودفاتر لحنية، ألفا لحن يئن. مدّ يده إلى علبة الكبريت يشعل شمعة لذاته. لمن أبقيها؟ لمن؟ لا جواب، لم يرد العود ولا الصدى، تموت الألحان في مهدها، دون أن يفجع بها أحد. اقترب من كومة الورق متأهبا لعملية الحرق، حرق الذاكرة والتاريخ. يد خفيّة تخطف النار قبل تماسها مع أول ورقة، لم يرفع عينيه إلى وجه ابنه، لم يبرّر، وربما لم يجد ما يصوّر به حجّته من كلمات، فقط تراجع إلى الظل يراقب عودة النور إلى الرماد.
نجت الألحان ولم ينجُ من إحساسه بالوحدة وعدم الفهم، علّها ضريبة العبقرية… يعرف حليم أنه أعطى أكثر مما أخذ، أو أكثر مما يجب، موسيقاه، شبابه، طموحه، رؤيته، كلها كانت تسبق زمنه بأميال، فصار هو نفسه خارج إطار الحاضر. هذا المقال ليس محاولة لمعرفة حجم الرجل، بل لكتابة ذاكرة خذلته وتركته ضوءا يتلاشى عند المغيب.
وُلد حليم الرومي، أو حنّا عوض الرومي البراضعي، في مدينة صور اللبنانية لعائلة فنية، كان والده عوض صيّادا، وعمل أيضا في صناعة الآلات الموسيقية، ورسّاما ما زالت توقيعاته على أيقونات كنائس فلسطينية تُعدّ مدعاة للفخر والأصالة والفن. بعد الحرب العالمية الأولى، انتقلت العائلة إلى حيفا عندما كان عمر حليم عامين، فاندمج مبكرا في الجمعيات الثقافية. أظهر ذلك موهبته في الغناء وشغفه بالموسيقى وحبه لاعتلاء المسرح، إذ كان يشارك في إحياء النشاطات الثقافية.

كانت موهبته متأصلة؛ فقد عاش في بيت فني لا تهدأ جدرانه عن بث صدى غناء العمة والوالد والوالدة. ولأنه شخصية نادرة، انتسب في سن السادسة عشرة إلى معهد الموسيقى الشرقية في حيفا في سن أصغر من العمر القانوني للانتساب. وهناك، خاض أولى تجاربه الموسومة بالجرأة: طلب مقابلة ملك الأردن. استمع الملك إليه، وسمع تقاسيم العود بين يديه، فأشاد بهذا الفتى المختلف، متأملا فيه مستقبلا واعدا، بل مستقبلا واعدا للموسيقى العربية. فورا، منحه الملك مبلغا ماليا أتاح له السفر إلى مصر والالتحاق بأهم مؤسسة موسيقية آنذاك، وهي معهد فاروق الأول للموسيقى العربية. ولنبوغه وذكائه المتقد، وفرط حماسه، اختصر حليم فترة الدراسة من ست سنوات إلى سنتين، وتحصّل حينها على شهادته، ومعها، اكتسب رؤى وأفكارا وتجارب أساتذة المعهد من جنسيات غربية كثيرة، ما ألبسه ثوب «الموسيقار الفنان».
لم تكن بدايته في التمثيل في مصر موفقة، حيث شارك في عدة أفلام لم تحقق النجاح المأمول، كما العديد من أفلام تلك الحقبة الزمنية. في خضم هذه التجربة، اضطر لظروف عائلية للعودة إلى حيفا، ليتولّى هناك إدارة القسم الفني والموسيقي بإذاعة الشرق الأدنى. في هذه الفترة، تبلورت رؤية حليم الفنية بشكل واضح، فأعدّ سلسلة من البرامج الموسيقية، ولحّن الكثير من الأناشيد. كانت هذه الخطوة بمثابة تدريب وتمهيد لإعلان ولادة موسيقار عظيم يحمل همّ الموسيقى العربية ويرسم لها طريقا، قد تكون شائكة ووعرة، لكن نهايتها محفّزة للمغامرة. في عام 1941، أصبح حليم المطرب الأول في الإذاعة، ليصحو العالم العربي الفني على هذا الصوت الجديد.

تزوج حليم الرومي سنة 1949 من الآنسة المصرية ماري لطفي، بعد أن جمعتهما الصدفة في فلسطين، وأنجبت له أربعة أبناء: مها، ومنى، وماجدة، وعوض الرومي. الأخيران لعبا دورين أساسيين في الحفاظ على إرثه؛ فقد غنّت ماجدة أغانيه، وحرص عوض على حفظ كل الألحان التي أنقذها يوما من الحرق، آملين ألا يخمد هذا النور من نوتاته. بعد عام واحد من زواجه، وبالتحديد سنة 1950، تلقّى الموسيقار دعوة من بلده الأم لبنان. كانت هذه الدعوة بمنزلة فرصة ليغرس شجرة أرز خالدة في وطنه بتأسيس الإذاعة اللبنانية، ليقضي بقية حياته كلها بلبنان مخلفا «غابات أرز» من الفن الأصيل لا تزول.
فور تأسيس الرومي لإذاعة لبنان، أسس أول فرقة موسيقية لها تعزف على النوتة، وهو إنجاز ريادي وحسب عائلته، لم يسبقه أحد إلى هذا؛ حيث كان حليم يدوّن النوتات الموسيقية بنفسه ويضيفها إلى اللحن. ومع الفرقة، أسس هو ومن معه من الأصدقاء لجنة لتصنيف الأصوات الغنائية، فتحوّلت الإذاعة اللبنانية إلى إذاعة رسمية بفضل جهوده ومثابرته، أو لنقل بفضل روحه وشغفه بالموسيقى، لقد جعل الإذاعة بمثابة معهد موسيقي، بل خلية نحل لا تكف عن السعي وراء النجاح، وقد غنّى ألحانه العديد من الأصوات الكبيرة، من بينهم صباح وفيروز وفؤاد سليمان.
وبذكرنا لفيروز، نعرّج على جانب آخر من شخصية الرجل، وهو حسّه المرهف الذي مكّنه من اكتشاف المواهب وتمييزها. كانت فتاة تدعى نهاد تغني ضمن كورال الإذاعة، فاستمع إليها حليم، وعرف مباشرة مكمن اختلافها، وقدمها باسم فيروز كـ»اكتشاف العصر». ساندها ودربها، وأعطاها من ألحانه، بل شاركها إحدى أغانيه. فيروز التي يتشدق كل منتسب للرقي والثقافة اليوم بأنه لا يشرب قهوته إلا على صوتها، ناسيا أو متناسيا قامة حليم الرومي، مكتشفها وداعمها الأول. بعيدا أو قريبا عن هذا، لم لا نحاول المقارنة بين عباقرة التلحين في زمنه، كعبد الوهاب وفريد الأطرش، لنعرف أكثر حجم هذا الجبل اللبناني؟

كانت مسيرة حليم الرومي تتشكل في ظل هيمنة فنية غير مسبوقة، مصدرها قوة موسيقار الأجيال كما يُلقب، محمد عبد الوهاب. فاستنادا إلى نفوذه وتأثيره الواسع، استطاع عبد الوهاب أن يتربّع على عرش الموسيقى العربية لسنوات طويلة، وأن يكون القطب الأبرز في ساحة الفن، وهو واقع كان يفرض نفسه حتى على أصدقائه وزملائه من كبار الفنانين. وفي ظل هذا المشهد، لم يرضخ حليم لهذا الوضع، بل اختار نهجا خاصا به ليبني صرحه الفني المستقل. ولنتمكن من معرفة حجم هذا «الجبل اللبناني» وموقعه الحقيقي في خريطة الموسيقى العربية، علينا تتبع أساليب هؤلاء العباقرة الثلاثة: حليم الرومي، وفريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب.
هذا الأخير كان موسيقيا شديد الصرامة، أو ربما ديكتاتوريا في منهجه، كأنه ضابط جيش أو فيزيائي في مختبر، إذ يعامل اللحن كمادة جامدة بقوانين واضحة، ورغم محاولاته للتجديد بإدخال آلات موسيقية غربية، ورغم صوته الندي، لا تتخيله وأنت تغمض عينيك تشغل إحدى أغانيه، إلا قبطانا بحريا على سفينة ضخمة، يغني لحشد من المستمعين على ظهرها، تتخيلهم صامتين صمت المبهور أو المنضبط على الاستماع. حتى لو أظهر غير هذا في الشخصيات التي أداها في أفلامه، يبقى رجلا طاعنا في الرسمية والبدلات المكوية. هذا الإحساس هو نتيجة منطقية لأسلوبه في التلحين واهتمامه المفرط بالهندسة الموسيقية، تركيزه على التكوين الدقيق على حساب العفوية.

غير أنّ فريد الأطرش كان عبوة إحساس ناسفة، ركز في ألحانه على المقامات الشرقية الكلاسيكية مثل، البياتي والحجاز والرست، مع إدخال لمسات غربية بسيطة تضيف بعض الحداثة، دون أن تغير الطابع الكلاسيكي للأغنية. كان أقل جرأة من محمد عبد الوهاب في التنويع اللحني، لكنه عوّض ذلك بالرقة والحساسية الشديدة في التعبير العاطفي، حيث تميل ألحانه إلى الانسياب العاطفي المستمر، مع بعض الزخارف الصوتية المتكررة، من حيث الإيقاع، غالبا ما يكون ثابتا وبسيطا، إذ يركز فريد على إبراز صوته الغنائي، وقدرته على التعبير، أكثر من اللعب بالإيقاعات المعقدة. أما ما يُعاب عليه في تلحينه، فهو اعتماده الكبير على صوته الشخصي، ما يجعل بعض الألحان صعبة على الأصوات الأخرى، وتكرار الزخارف الصوتية التقليدية في بعض أغانيه، الأمر الذي يقلل أحيانا من عنصر المفاجأة أو التجديد في أعماله.
أما حليم الرومي فعمل على تحديث الألحان الطربية دون الانحراف عن روحها الشرقية، وبأسلوب رقيق متجدد، راعى فيه التعبير الصوتي للإيقاعات المتنوعة فكانت مرنة. استخدم إيقاعات متغيرة بين المقاطع لإعطاء شعور بالتصاعد الدرامي، كما استعمل إيقاعات غير تقليدية، لإضافة الحركة والديناميكية. وضع الكلمات كمركز لدائرة اهتمامه، إذ أراد أن يخدم اللحن معنى النص، وأن يبرز التفاصيل الشعرية والموسيقية معا، كما صمم ألحانه مراعيا بدقة التلاعب بالنغمات والتزويقات.

ما يمكننا استنتاجه من هذه المقارنة هو أن: محمد عبد الوهاب كان النجم المؤسس، وفريد الأطرش كان الحنين الشرقي الحالم، أما حليم الرومي فهو المؤسس الحقيقي، الذي أعطى لغيره أكثر مما أعطى لنفسه. لم يسعَ للتجديد الشكلي أو التفرد الصوتي، بل للعمق التعبيري والتوازن المثالي بين اللحن والكلمة. كما ذكرنا من قبل، حرصت ماجدة الرومي، وهي اليوم فنانة عظيمة عظم والدها، صوتا ورؤى ونظرة حالمة للفن، على تخليد تاريخ والدها الفني من خلال غناء أغانيه في كل حفل تقيمه، مثل: «أسمع قلبي، سلونا، ناديت لبنان، يا مكحل رمشك، الطير طربا»، وإذا أخذنا مثالا على عبقرية حليم الرومي في التلحين، مثل أغنية «أسمع قلبي»، نرى كيف يفتح لحنه الباب أمام شباب اليوم للتجريب الموسيقي. لقد منح الأغنية هوية لبنانية واضحة، مع مزيج من الحداثة والعراقة، دون مبالغة أو تجميل فارغ. بلا شك، يُعتبر حليم الرومي وجه الموسيقى اللبنانية، ليس فقط من حيث الأصالة، بل من حيث القدرة على الابتكار وتقديم موسيقى قادرة على تجاوز الزمن. لحن «أسمع قلبي» يشرح بوضوح أسلوب حليم الرومي في التزاوج بين اللحن والكلمة، حيث يتحرك الإيقاع كما لو كان نبضا حقيقيا للقلب، يتصاعد وينخفض بدقة تحاكي سرعة ودقة النبض الطبيعي. هذا الإيقاع لا يقتصر على كونه خلفية موسيقية، بل يتحوّل إلى عنصر حسي مباشر يعبر عن المشاعر بكل أبعادها، من الحب والشغف إلى الترقب والحنين، وكأنه ترجمة فورية لنبض القلب.

التوزيع الموسيقي للآلات يعكس هذا النهج الفني؛ فالطبقات الصوتية من الكمان إلى البيانو، مرورا بالإيقاعات الخفيفة، تتداخل لتخلق نبضات تتماوج مع اللحن والكلمة، وكأن كل آلة تمثل شريانا موسيقيا حيا. الكلمات نفسها ليست منفصلة عن الإيقاع، بل تتناغم معه لتصبح جزءا لا يتجزأ من النبض، فتجربة الاستماع تتحول إلى إحساس داخلي حي، يتشابك فيه الجسد مع العاطفة والعقل مع اللحن، فيصبح المستمع مشاركا في قلب اللحن ذاته. ما يميز أسلوب حليم الرومي هنا هو قدرته على المزج بين الدقة الموسيقية والعفوية العاطفية؛ فهو يحافظ على التكوين المنظم والانسجام الدقيق للحن، لكنه لا يفقد الحميمية الإنسانية التي تجعل كل نبضة موسيقية تجربة شخصية حقيقية لكل متلقٍّ. بهذا الشكل، يتحوّل لحن «أسمع قلبي» إلى تجربة تحمل نبض الحياة بكل ما فيه من توتر وانفعال، وتظهر براعة الرومي في ربط الكلمة باللحن بطريقة تجعل كل منهما يكمّل الآخر.
لم يقتصر تجديد حليم الرومي على الأغاني فقط، بل امتد إلى عمق الأصالة العربية، إلى الموشحات. ففاز عن ثلاثة موشحات سنة 1971 في المجمع العربي للموسيقى في تونس، ليعود مباشرة إلى بلده لبنان ويُقابل بأولى بوادر الخذلان: خصم من معاشه بحجج قانونية.

كان قد وُعد بوسام تقديري لمسيرته، لكن عائلته حصلت عليه بعد رحيله. يخذله النظر إلى كمّ الألحان غير المنفذة، وتخذله يداه في إتلافها، تخذله الموسيقى، يخذله الوطن. يخذله الجسد أيضا، ويزيد المرض من قهره. الرجل الحالم المحب للحياة، كان يلحن رغم كل شيء، ولآخر لحظة، إما مستلقيا على فراشه أو إلى جانب البحر، كأن روحه تتوق لصيد شيء ما، لصيد نوتة من سطر هناك. انقطعت الكهرباء، لكن كان لا بد عليه أن يساير استرسال الوحي، أن يواصل الرسم ويكمل لحنه. ربما هو اللحن الأخير بعد معجزة أغنية «ناديت لبنان». طلب من ابنه أن يأخذه إلى بيت الماجدة ليكمله، وجلس هناك كأن شيئا ينتظره، يترقبه الموت، أو يتقرب هو من الموت. لم يغب عنه ابنه طويلا، ليرجع ويجده قد رحل، رحل وبقي صوت المذياع على إذاعة لبنان سنة 1983.

اليوم، ليس حليم الرومي من يحتاج إلينا، بل نحن والموسيقى العربية من نتوق إلى رجل واحد على الأقل يتبع نهجه ويعيد إليها روحها في ثوب جديد. نحن الذين نفتقر إلى هذا النفس الكبير القادر على أن يجمع بين الأصالة والتجديد، بين الرهافة والانضباط، بين اللحن والكلمة. وهنا تُطرح الأسئلة: كيف نرد الاعتبار لتلك الألحان التي لم تُنفّذ بعد؟ هل يكفي أن نطلق جائزة باسمه أو نُشيّد مسرحا لذكراه؟ أم علينا أن ننفض الغبار عن تاريخه، ونستحضر أحلامه، ونمنحها حيوات جديدة؟ هل يكفي أرشيف رقمي لحفظ كنوزه، أم أنّ الأجيال القادمة بحاجة إلى أن تسمعها حيّة، مُعاد عزفها وتقديمها؟ وهل يكفي أن نُخبر هذا الجيل أن عظيما ما زال بيننا بروحه وفنّه، أم أنّ مسؤولية رد الاعتبار تقع على عاتق مؤسساتنا الثقافية لتعيد له مكانته وتعيد لنا موسيقى تليق بنا؟
وقد تعمّدنا في هذا المقال ألا نتوقف عند اختيارات حليم الرومي للكلمات والقصائد، لنترك لكم متعة اكتشاف عظمته في ذلك بأنفسكم. ما زال ظلّ العود في الزاوية..
شاعرة وكاتبة جزائرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية