“قلب البلد”.. مبادرة فلسطينية لـ”صناعة المكان“ بصورة حضارية تحافظ على الهوية الوطنية

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: أطلقت جمعيات فلسطينية مشروعا جديدا في فلسطين الـ48 لحماية المكان وهويته الفلسطينية في أربع مدن داخل الخط الأخضر بعنوان “قلب البلد” كي يكون خطوة جديدة نحو صناعة أمكنة بصورة حضارية وتحاكي الهوية الوطنية.

وجاء في التقديم لهذا المشروع من قبل الجمعيات المبادرة أن مفهوم “صناعة المكان“ انتشر دوليا كنوع من الرد على أفكار حركة التخطيط الحديث التي بدأت منذ عشرينات القرن الماضي وأدت إلى تغيير كبير في هيكلة المدن وطبيعة الأماكن. وتهدف المبادرة إلى إعادة تصميم وتخطيط الأماكن العامة باعتبارها قلب المجتمع، بشكل يعزز الارتباط بين أفراد المجتمع وبين الأماكن التي يتشاركون فيها، حيث تم تطبيق المفهوم بشكل تعاوني خلاله يتم إعادة تشكيل البيئة والحيز العام لترسيخ قيم مشتركة وهوياتية.

بادر إلى المشروع الذي ينطلق هذا الأسبوع بخطوات عملية كل من المركز العربي للتخطيط البديل وجمعية “تشرين”، بمرافقة إعلامية من مركز “إعلام”. يشار إلى أن المركز العربي للتخطيط البديل كان قد بدأ بلورة فكرة المشروع سابقا من خلال لقاءات مع مختصين بالتخطيط بالناصرة، والتعلم من تجربة “فالنسيا”، ولاحقا ترجم المشروع إلى أول تجربة في منطقة حي الشونة في عكا مع مجموعة “عكا 5000″، بمرافقة مجموعة مهندسين ناشطين خريجي مساق رواد التغيير في تخطيط المدن وطاقم معهد قضايا لتنمية القيادة الجماهيرية وإدارة الحملات، ليتم اليوم العمل على توسيعه إلى بلدات إضافية.

ويتم تطبيق المشروع في أربع مدن رئيسية: الطيبة، الطيرة، عكا والناصرة، ليقوم بدعم وتشجيع وتوفير الأدوات اللازمة للناشطين للاستمرار في إحياء الأماكن العامة وتسليط الضوء على أهميتها وذلك بعد أن لاحظت المؤسسات الشريكة، اهتماما كبيرا لدى مجموعات شبابية ناشطة في البلدات المذكورة بإحياء الحيز العام في بلداتهم، ومنها مجموعة متطوعات في الطيبة، رابطة الأكاديميين في الطيرة، مجموعة “عكا 5000” في عكا وعدة مجموعات في الناصرة.

ويُشارك في المشروع في كل مدينة نخبة من الشباب الناشط سواء في مجال الهندسة أو مجال التصميم والتخطيط، أو العمل الاجتماعي أو التربية والتعليم وما إلى ذلك، حيث سيتم العمل معهم سوية على مشاريع يتم خلالها إضافة لمسات وبناء تصاميم لأماكن عامة في المدن المذكورة بصورة تحاكي وتعزز الهوية الفلسطينية.

أهمية المشروع

وعن المشروع، قالت رناد جبارة، مديرة مؤسسة “تشرين”، إن صناعة المكان “هي عملية مُشتركة من قبل السكان المحليين وتهدف خلق وتحسين وإدارة أماكن بصورة حضارية إلا أنها تحاكي الهوية المكانية والسكانية، وفي حالتنا الهوية الفلسطينية، مما يجذب المواطنين إلى تلك الأماكن ويعزز تفاعلهم الوطني والاجتماعي والارتباط الوجداني بالمكان، إلى جانب الارتباط بهوية المكان وتاريخه”.

وترى أنه من نافل القول إن المشروع يأتي كردٍ على مساعي التهويد وطمس هوية المكان منوهة أن معظم الأمكنة العامة في البلاد تعاني من الإهمال في أفضل الحالات وتغييب وطمس الهوية، في أسوأها، وذلك في محاولات لتغليب الرواية الصهيونية على الرواية الأصلانية للمكان. وتتابع “عليه يأتي هذا المشروع كنوع من الاحتياج، ليس فقط لتحسين الأمكنة إنما أيضا لربطها بهوية مجتمع كامل. وتعزيزها وحمايتها”. وأوضحت جبارة أن المشروع يتكون من أربع فرق عمل شبابية، من مختلف التخصصات والجامعات، والتي بعد تدريبها وإكسابها آليات في تعزيز مفهوم صناعة المكان، والقيادة، والحملات الجماهيرية، ستعمل على ترجمة أربعة مشاريع عينية على أرض الواقع من خلال تصميم النماذج والتصورات سوية مع طاقم المركز العربي للتخطيط البديل وبمرافقة إعلامية وجماهيرية من مركز “إعلام”.

العدالة الاجتماعية

بدورها، قالت دكتورة عناية بنا، المديرة المهنية للمركز العربي للتخطيط البديل، إن مفهوم صناعة المكان بدأ بالتطور في ستينيات القرن الماضي ويحمل عدة أهداف منها تنمية مجتمعية من خلالها يتم جذب الأفراد إلى الحيز ويعزز انتماءهم، وضمان العدالة الاجتماعية من خلال خلق أحياز تلائم الفئات المستضعفة في الوقت الذي تعاني هذه الفئات من التمييز والتهميش.

كذلك تشير لأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري للمجموعة السكانية في ظل التطور العمراني الحديث والذي يتجاهل خصائص المكان وهويته، وتحسين جودة الحياة في الحارات السكنية ومراكز البلدان التاريخية. وتضيف المهندسة هزار بدين، مركزة ومنسقة المشروع “إن التشبيك بين الناشطين ومختصين من مجالات متنوعة، بين الهندسة المدنية المعمارية وبين علوم الاجتماع والسياسة، مع التربية والتعليم، يثري النقاش حول الحيز العام وأهميته، كما ويعطي عمقا لأثر التصاميم وملائمتها لطابع كل بلد وخصوصياتها، وهذا حجر أساس لنجاح أي مسار جماهيري”.

المشاركة في المشروع

من جهتها توضح المشاركة، سهى أبو عيطة، من مجموعة الطيبة، مركزة تربوية ومركزة تربية بيئية بمدرسة الحكمة الابتدائية في الطيبة، أنها مشاركة في المشروع وأنه خلال سنوات عملها كمدرسة كان وما زال موضوع الاستدامة والمحافظة على البيئة والهوية المكانية، أحد المواضيع اللافتة والهامة لها كمربية بشكل خاص، وكجزء فعال بالمجتمع بشكل عام. وأضافت “أتاحت المشاركة في المشروع لي دراسة كيفية تذويت وترسيخ مفاهيم المكان والانتماء لدى طلابي“.

أما المشارك فادي عراقي، مهندس سير ومواصلات وناشط من مجموعة الطيرة، فقال عن مشاركته: “حيزنا العام يعاني من التهميش بشكل كبير، وهنالك حاجة أن يقوم الشباب بالعمل على التغيير. المشروع بدوائره المتداخلة والشيقة أتاح لي المشاركة في بناء هوية بلدي، هوية تعكس صورة مدينة حضارية لها قاعدة تاريخية راسخة“. وعن ذلك يضيف المشارك محمد عرابي، مهندس معماري من عكا، حول مشاركته في المشروع: “يحمل المشروع رسالة مهمة، وهي الحفاظ على المكان وليس فقط المكان الفعلي إنما على هويته، مما يعني تحسين الحيز بصورة تحاكي هويتنا كأبناء عكا، وهذا من المؤكد أنه سيعود بالفائدة الكبيرة على مدينتنا ويعزز فيها السياحة أكثر”.

أما المشاركة ريم قاسم، أخصائية علاج وظيفي وناشطة من مجموعة الناصرة، فقالت عن مشاركتها: “في مجتمعنا العربي الفلسطيني وفي محيطنا القريب نُعاني من قلة المساحة وعدم القدرة على استغلالها بشكل سليم. نحن بأمس الحاجة لمشروع يشبه صناعة المكان، لخلق وتخصيص مساحة مُستغلة وملائمة للسكان داخل الحيز العام لمنطقتهم السكنية، عن طريق إشراكهم بالمشروع بالتعبير عن حاجاتهم ورغباتهم، والإصغاء لمتطلباتهم، ومحاولة ملائمة وخلق حيز مناسب لأغلب الفئات الممكنة وفقا للمساحة المُتاحة”.

يشار إلى أن المشروع جاء بدعم من صندوق التعاون ومؤسسة روزا لوكسمبورغ، ويهدف أيضا إلى تفعيل الأجيال الشابة في المدارس، حيث سيتم إشراكها مع مجموعات العمل في مسار تغيير الأمكنة، ويستمر لمدة عام كامل. ترافق المشروع لجنة استشارية مُختصة يشارك بها كل من المهندس ألبير ندريا، الناشطة ثراء قرش، د. ميساء توتري- فاخوري، المحامية سناء بن بري، د. عروة سويطات، د. نهاية حبيب، المهندسة ياسمين شبيطة والناشط أشرف عامر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية