باريس-“القدس العربي” -من آدم جابر:
تتواصل بقصر المعارض بــ’’بورت دو فرساي’’ في باريس، فعاليات معرض الزراعة الدولي بفرنسا، الذي يعد ’’أكبر مزرعة في المقبل حيث ينتظر أن يتوافد نحو 65 ألف زائر على المعرض، للتعرف على عالم الزراعة، حيث سيكونون على موعد مع أجود المواد الغذائية المصنعة في فرنسا والخارج وأيضا مع أجمل أنواع ’’الخنازير’’ و الماعز والنعاج والحملان و الأبقار.
وكان أول زوار المعرض الرئيس إيمانويل ماكرون والذي كانت زيارته مشحونة بسبب قلق المزارعين ومربي المواشي حيال وضعهم الاقتصادي.
وتقام دورة هذا العام تحت شعار:’’ الزراعة مغامرة جماعية’’، في إشارة إلى تعدد الجوانب الزراعية، يتعلق بعضها بالإنتاج والبعض الآخر بالتسويق والتخزين وبالتصدير والتوريد وبسلامة الأمن الغذائي. وكذلك اشتداد المنافسة في السوق العالمية على الموارد الأولية الزراعية.
البقرة “أوت” نجمة
المعرض ومنذ انطلاقه المعرض في عام 1964 دأب منظموه على اختيار كل سنة بقرة من سلالة محددة لتكون تميمة الحظ ونجمة المعرض للمساعدة في الترويج لفصائل البقر الفرنسي. وفِي دورة هذا العام تم اختيار البقرة “أوت” البالغة من العمر 6 سنوات ، التي تنتمي إلى مرتفعات ” أفيرون” الواقعة في الجنوب الفرنسي، لتكون “نجمة” الدورة الحالية . وتنحدر “أوت” من سلالة ” أوبراك” العريقة. ويقول مالكها السيد تيبو ديغول إن ” شخصيتها قوية وغالبا ما ترفع رأسها فوق لكونها متعالية إلى حد ما، ماهيك عن أنها تعرف الأصوات تثير فضولها “.
والجديد في نسخة هذا العام من المعرض الزراعي الباريسي الدولي، هي عودة جناح الدواجن بعد غياب استمر لعامين بسبب مرض حمى الطيور التي أصابت مداجن البط في جنوب فرنسا الغربي. وهذا القطاع مهم جدا في فرنسا لعدة أسباب، منها: أن فرنسا هي أول منتج للدواجن في منطقة الاتحاد الأوروبي. ثم إن لفرنسا أسواقا عالمية تصلها عبر بعض أنواع الدجاج ومنتجات الدواجن ذات الجودة العالية ومنها السوق الخليجية.
أيضا شهدت دورة هذا العام افتتاح ولأول مرة جناح مخصص لتربية الإبل، والذي تكمن أهميته في كونه يفتح أفقا في أوروبا أمام هذا القطاع، لا لأكل لحومها، وإنما لاستخدامها في أغراض أخرى منها: صنع منتجات عديدة من حليب الإبل، كمستحضرات التجميل كما أن وجود هذا الحيوان في معرض فرنسي يرمز إلى أهميته بالنسبة إلى التحديات المطروحة على القطاع الزراعي وقطاع تربية الماشية بسبب التغير المناخي، فالإبل حيوانات قادرة على التكيف أكثر من غيرها، مع ارتفاع درجات الحرارة ومشكل ندرة الموارد المائية، بالإضافة إلى أنها لا تتسبب في انبعاثات حرارية بكميات كبيرة، على عكس ما هو عليه الحال بالنسبة إلى البقر عندما يربى عبر نظام مكثف.

الصافرات وصيحات الاستهجان
ورغم انخفاض عدد المزارعين الفرنسيين منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، إلى حد أنهم لا يمثلون حاليا إلا 2,8 % من اليد العاملة الناشطة في فرنسا، إلا أن المعرض الزراعي هو مزار ٌ لابدُ منه بالنسبة إلى كل السياسيين في فرنسا وبخاصة رؤساء الدولة، بل هناك منافسة منذ عشرات السنين بين رؤساء البلاد فيما يخص مدة الزيارة للمعرض.
وهذا العام حطم الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون، الذي يزور المعرض لأول مرة كرئيس للجمهورية، الرقم القياسي ببقائه في صالة المعرض لعشر ساعات، قام خلالها بتبادل الحديث مع مزارعين ومربي مواشي بجانب التقاط الصور مع بعضهم ومع بعض الزور الذين قاموا أيضا بمصافحة بعضهم، ناهيك عن تذوقه للجبن .
ورغم أن ماكرون لقى بعض التصفيق إلا أنه لم يسلم هو الآخر من صافرات وصيحات الاستهجان من بعض المزارعين تعبيرا منهم عن إحباطهم وعدم رضاهم عن سياسات الحكومة الزراعية ، وهي صيحات خيمت على ولايتي أسلافه فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي خلال زياراتهم للمعرض في عهدتهم الرئاسية .
أزمة حادة متعددة الأوجه
ومنذ سنوات ينظم معرض الزراعة الباريسي الدولي وسط أزمة حادة متعددة الأوجه يشهدها قطاع الزراعة ، غير أن هذه الأزمة احتدت أكثر هذا العام.
ومن أوجه هذه الأزمة المخاوف من تقليص المساعدات المالية المباشرة وغير المباشرة، التي يحصل عليها المزارعون، لاسيما تلك التي تأتي من قبل المفوضية الأوروبية، علما أن المزارعين الفرنسيين، يأتون في مقدمة المستفيدين من هذه المساعدات.
واحتداد المنافسة على أسواق المواد الأولوية الزراعية في فرنسا وخارجها، عبر الأفق المفتوح اليوم، والذي سيفتح مستقبلا أمام منتجات زراعية تأتي مثلا من كندا وبلدان أمريكا الجنوبية. فالمنتجات الكندية بدأت تفرض نفسها في أسواق منطقة الاتحاد الأوروبي بفضل اتفاق التبادل الحر، الذي أبرم بين كندا والاتحاد الأوروبي، ودخل حيز التنفيذ بشكل مؤقت في شهر سبتمبر 2017.
أما المنتجات الزراعية التي يتم الحصول عليها في عدة بلدان من أمريكا اللاتينية ، فإنها ستصبح منافسا شرشا للمنتجات الفرنسية في المستقبل بعد إبرام الاتحاد الأوروبي اتفاقية للتبادل الحر مع المجموعة الاقتصادية الخاصة ببلدان أمريكا اللاتينية و المعروفة باسم ’’المركوسور’’ وهي :(البرازيل، الأرجنتين، الباراغواى الأوروغواي). فهذه الاتفاقية التي يتم التفاوض عليها حليا ستفتح أفقا في أمريكا اللاتينية أمام بعض المنتجات الزراعية الأوروبية ذات الجودة العالية، ولكنها ستسمح في الوقت ذاته باستيراد كميات كبيرة من لحوم البقر والدجاج إلى فرنسا مثلا، مما يثير مخاوف كثيرة لدى المزارعين ومربيي المواشي في فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى، الذين يرون أنها غير متكافئة وغير منصفة بالنسبة لهم، لأنهم ملزمون بإنتاج مواد غذائية حسب مقاييس صارمة من الناحية الصحية، على عكس منتجي أمريكا اللاتينية والذين ستسمح لهم الاتفاقية مثلا بإنتاج لحوم تتدخل فيها مواد كيميائية قد تكون مضرة بالصحة، وهي أقل كلفة بكثير من نظيرتها الفرنسية.
كما أن معرض باريس الدولي للزراعة يعقد هذا العام في سياق تزايد المخاوف لدى المستهلكين من الفضائح المتتالية، التي ظهرت منذ أزمة جنون البقر إلى يومنا هذا والتي لديها علاقة بسلامة الأمن الغذائي. فقد خلصت دراسة حديثة لجمعية ’’جيل المستقبل’’ الفرنسية إلى أن ثلاثة أرباع الفواكه الطازجة المستهلكة في البلاد تحتوي على كميات من المواد الكيمائية تزيد بكثير عن الحدود القصوى المسموح بها. كما خصلت الدراسة ذاتُها إلى أن 41 % من الخضروات الطازجة المستهلكة في فرنسا تعاني أيضا من نفس المشكل.
ويقام معرض الزراعة الباريسي أيضا في دورته 55 على خلفية استمرار أزمة الثقة بين المستهلك والمنتجات الغذائية والتي يسعى بعض المزارعين إلى الخروج منها عبر الاستثمار في الزراعة العضوية، ولكن هذا الخيار لايحل المشكل لعدة أسباب، منها: أن رقعة الأراضي الزراعية الفرنسية التي تمارس هذا المنوال الزراعي لا تتجاوز اليوم 6 % في أقصى الحالات. بالإضافة إلى ارتفاع أسعار منتجات الزراعة العضوية أو البيولوجية حتى بالنسبة لمتوسطي الحال.
وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أستبق المعرض الزراعي، بيومين، باستقباله بقصر الإليزيه نحو ألف مزارع شاب تقل أعمارهم عن 35 سنة لمناقشة مشروع الزراعة الذي يهدف إلى جعل فرنسا ’’بلدا ذا صحة جيدة’’ بفضل ’’منتجاتها الزراعية’’. وبهذه المناسبة، كشف ماكرون النقاب عن نظام جديد لضمان القروض للمزارعين الشباب بقيمة مليار يورو، فيما يتعلق ببنك الاستثمار الأوروبي. كما وعدهم بالنظر في موضوع الأراضي الزراعية، وتسهيل مرور الشهود بين المزارعين الشباب وكبار السن المتقاعدين.
ويشارك في المعرض هذا العام أكثر من 1000 عارض من نحو 40 دولة، منها الجزائر التي تشارك بقطاعيها العام والخاص ولو بحضور ضعيف جدا، كما عرف المعرض عودت تونس بشكل رسمي إلى المعرض لأول مرة منذ الثورة عام 2016. وعن هذه العودة يقول أنيس الخرباش، المكلف بالعلاقات العامة، لدى الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري لـــــ’’القدس العربي’’ إن ’’ هدفها هو التعريف ببعض المنتجات التونسية، من زيت الزيتون و البرتقال والتمور التونسية لاكتساب أسواق جديدة تصديرية في أوروبا’’. وأشار الخرباش إلى أن ’’معرض باريس الزراعي هذا العام هو فرصة للتونسيين للتعريف بمعرض الفلاحة في تونس الذي سينعقد عام 2019’’ .
عودة تونس وحضور مغربي لافت
أما المغرب فيحضر للمرة السادسة إلى المعرض. وهو حضور يلعب فيه القطاع الخاص دورا كبيرا في الترويج خارج المملكة لمنتجات عديدة منها الزعفران أساسا وزيت الزيتون والآرغان واللوز …إلخ وعن المشاركة المغربية يقول المهدي الريفي ، مدير عام وكالة التنمية الفلاحية المغربية، لــــ’’القدس العربي’’ إن ’’هدفها لأساسي يتمثل في تقوية تواجد المنتوج الزراعي والفلاحي المغربي في السوق الفرنسية والأوروبية بشكل عام. وكذلك خلق فضاء مناسب للمنتجين الصغار المغاربة للتعريف بمنتجاتهم’’.
غير أن المنتجات الجزائرية والتونسية والمغربية كالحمضيات و زيوت الزيتون مثلا، هي منتجات عليها تنافس كبير في دول المتوسط الشمالية كإسبانيا و فرنسا والبرتغال. كما أنه ’’الكسكسي’’ أو ’’الكسكس’’ الذي نجده في جناح المغرب والجزائر ضمن عينات منتجات الصناعات الغذائية المعروضة، أصبح هو الآخر يواجه تنافسا كبيرا ، حيث إن فرنسا أضحت هي الأخرى تنتج محليا أنواعا كثيرة من هذه الأكلة المغاربية وتصدرها إلى الأسواق العالمية.