قلب ليبيا النفطي يدق من جديد لكن إلى متى؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

من جديد تعود الحياة بحذر إلى حقول الإنتاج وموانئ تصدير النفط في ليبيا، بعد اتفاق حفتر – معيتيق على فك الحصار عن المنشآت النفطية الذي استمر أكثر من ثمانية أشهر بين كرٍّ وفر، وأدى إلى حرمان ليبيا من مصدر دخلها الرئيسي. في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي قفز الإنتاج من 100 إلى 250 ألف برميل يوميا، ووصل إلى 300 ألف برميل يوميا في أول تشرين الأول/اكتوبر الحالي، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع مع استئناف الإنتاج في الحقول الرئيسية بعد إجراء الإصلاحات الضرورية، بهدف أن يصل إلى معدله الطبيعي في حدود 1.2 مليون برميل يوميا. ومع تطوير الحقول القائمة فإن الإنتاج يمكن أن يزيد إلى 1.6 مليون برميل يوميا، وهو ما يمكن أن يوفر لليبيا دخلا يوميا يبلغ 65 مليون دولار حسب متوسط الأسعار الحالية.

ومع استئناف الإنتاج تعود ناقلات النفط العملاقة إلى موانئ التصدير الرئيسية اعتبارا من الأسبوع الأول من الشهر الحالي، لاستئناف تحميل النفط إلى مراكز الاستهلاك في الاتحاد الاوروبي والصين. ناقلات النفط العالمية التي وصلت فعلا إلى موانئ تصدير النفط الليبية، أو هي في طريقها إلى هناك، من المقرر أن تنقل النفط الخام الليبي لصالح عدد من الشركات المتعاقدة مثل شل البريطانية – الهولندية، وسينو بيك الصينية. ويذهب أكثر من أربعة أخماس النفط الليبي إلى دول الاتحاد الأوروبي، بنسبة تعادل 11 في المئة من واردات النفط الخام لتلك الدول، وعلى رأسها إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا.

اتفاق رفع الحصار شجع على إعلان رفع “حالة القوة القاهرة” التي تعفي مؤسسة النفط الوطنية الليبية من التعرض لجزاءات قانونية، عندما تعجز عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المشترين المتعاقدين معها، طبقا لجدول زمني محدد. وكانت المؤسسة قد أعلنت هذه الحالة بعد أن تعرضت حقول الإنتاج وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير لحصار من جانب القوات التابعة للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، أو من جانب ميليشيات أو جماعات مسلحة قبلية متعددة الولاءات، اقتحمت المنشآت النفطية وأرغمت العاملين فيها على وقف الإنتاج، خلال فترة المواجهات العسكرية ، بين قوات شرق ليبيا في بنغازي وقوات حكومة الوفاق في طرابلس.

أسباب الاتفاق النفطي

وجاء هذا الاتفاق بعد موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت طرابلس أولا، ثم امتدت إلى بنغازي، واستهدفت القيادات السياسية والإدارة المحلية للفريقين المتنازعين في ليبيا. وقد أدت هذه الاحتجاجات إلى هز سلطة الفريقين المتنازعين، وكشفت عجز كل منهما عن توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين الليبيين، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية. وبالإضافة إلى الاحتجاجات، فقد كانت وراء الاتفاق النفطي أيضا ضغوط شركات النفط العالمية، ذات المصالح في ليبيا. هذه العوامل وغيرها دفعت ممثلين عن السلطتين المتنازعتين إلى الموافقة على إجراء حوار بينهما بوساطة روسية في منتجع سوتشي الروسي، انتهى إلى اتفاق يتضمن شروط فك الحصار واستئناف الإنتاج، وإخلاء المنشآت النفطية من العناصر العسكرية، التي تحول دون استئناف الإنتاج والتصدير. كذلك تضمن الاتفاق تعهدات يلتزم بها كل طرف تتعلق بأمن المنشآت النفطية، وتوزيع عوائد تصدير النفط بشفافية وعدالة في كل أنحاء البلاد.

وبينما استضافت روسيا المفاوضات النفطية الليبية في سوتشي، فإن سفارة الولايات المتحدة في طرابلس كانت تتابع المفاوضات أولا بأول، كما كانت على علاقة بكل من الطرفين المتنازعين في طرابلس وبنغازي. وجرى في السياق تبادل رسائل تتضمن تأكيدات من جانب حفتر، تتعلق برفع الحصار اعتبارا من 12 ايلول/سبتمبر الماضي، بشرط ضمان توزيع عائدات النفط “بشفافية ولمصلحة كل الليبيين”. ويبدو أن هناك ضمانات أخرى من أجل عدم إساءة استخدام إيرادات تصدير النفط، خصوصا فيما يتعلق بالتسليح والإنفاق على الميليشيات.

ومع ذلك فإن رفع الحصار عن المنشآت النفطية ما يزال يواجه عددا من العقبات الرئيسية، التي قد تؤدي إلى إعاقة تنفيذه أو وقفه تماما، والعودة إلى إعلان “حالة القوة القاهرة”. ومن هذه العقبات الأنقسام في حكومة الوفاق الوطني بشأن صلاحية توقيعه من جانب أحمد معيتيق نائب رئيس المجلس الرئاسي للحكومة، ومعارضة بعض الميليشيات للاتفاق، والخلافات بشأن تنظيم حرس المنشآت النفطية وسلطاته، وعدم وضوح إجراءات ومعايير تقسيم الايرادات النفطية بين السلطتين القائمتين، وكذلك نظرا لوجود مؤسستين للنفط وبنكين مركزيين. هذه العقبات قد تؤدي إلى اشتعال الصراع العسكري مرة أخرى، ووقف ضخ النفط في شرايين الاقتصاد الليبي.

خطورة الانفصال النفطي

 

بينما تسود حالة من الجمود في الموقف العسكري، فإن الفرقاء السياسيين يحاولون إيجاد مخرج من هذا الجمود، في مفاوضات ترعاها أطراف إقليمية ودولية. التحرك على صعيد رعاية المصالح النفطية لكل الأطراف، بما فيها شركات النفط الدولية العاملة في ليبيا، يمكن أن يقدم طوق النجاة للمفاوضات. أما في حال تغليب مصالح القوى غير النظامية وأخطرها الميليشيات وجماعات المرتزقة الأجانب، فإن الاتفاق النفطي الأخير قد لا يصمد، ما يفتح الباب لتكريس حالة “انفصال نفطي” على جانبي خط التقسيم الحالي الممتد من سرت شمالا إلى الجفرة جنوبا، وهو الخط الذي تقع على جانبيه أغنى حقول النفط الليبية، حيث تستحوذ المنطقة شرقي هذا الخط على ما يقرب من ثلثي النفط الليبي متركزا في خليج سرت، في حين يوجد في الغرب الثلث الآخر متركزا في حقول الشرارة والفيل والوفاء القريبة من حدود ليبيا مع كل من تونس والجزائر.

ويعزز من احتمال “الانفصال النفطي” وجود سلطتين لإدارة المنشآت النفطية، واحدة في الغرب وأخرى في الشرق، وكذلك وجود سلطتين نقديتين. وعلى الرغم من أن موجة الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت كلا من طرابلس وبنغازي أدت إلى تحجيم نفوذ كل من حفتر والسراج، فإن كلا من الرجلين ما يزال يتحكم في عدد من مفاتيح التسوية السياسية وحل المشاكل الاقتصادية، الأمر الذي يتطلب تعاونهما لإنجاح جهود التسوية الراهنة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

لكن عودة النزاعات واستمرارها قد يدفع  القوى الرئيسية، مثل روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، مدعومة بشركات النفط الدولية، إلى صرف النظر عن مسألة الاهتمام بوحدة الأراضي الليبية، وتركيز مجهودها على استئناف الصادرات النفطية، وإدارة الصراع بهدف وقف الاشتباكات العسكرية أو الحد من تداعياتها، وذلك بتكريس الوضع الراهن، من حيث وجود سلطتين سياسيتين منفصلتين واحدة في بنغازي وأخرى في طرابلس، لكل منهما جيشها وشرطتها، وبنكها المركزي، ومؤسستها النفطية، مع العمل على تحييد منطقة حوض سرت باعتبارها القلب الحقيقي لصناعة النفط في ليبيا إنتاجا وتصديرا، أو إيجاد وضع دولي خاص لها.

الدور التركي

ومع تشابك المصالح الاقتصادية لتركيا في شرق البحر المتوسط مع مصالحها في ليبيا، فإن اتساع نطاق الخلاف بين الاتحاد الأوروبي وتركيا فيما يتعلق بأعمال المسح السيزمي والتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط، سيلقي بظلاله على محاولة إعادة تشغيل القطاع النفطي، خصوصا وأن تركيا أصبحت الآن تملك قواعد عسكرية بحرية وجوية وبرية في ليبيا. وسيصبح الدور التركي في الأسابيع المقبلة هو أحد المحددات الرئيسية لمصير الاتفاق النفطي الأخير، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتوزيع إيرادات تصدير النفط بين السلطتين القائمتين في شرق ليبيا وغربها؛ ولذلك فإن تعاون تركيا يمثل شرطا جوهريا من شروط نجاح الاتفاق النفطي، وإلا فإنه سيسقط، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه تحت حالة “القوة القاهرة” حيث يتوقف الإنتاج والتصدير.

وتستفيد ناقلات النفط التي يتم تحميلها حاليا من وجود مخزون من النفط الخام في صهاريج التخزين الموجودة في الموانئ النفطية. ولكن بمجرد استنفاد كميات المخزون، فإن عمليات التحميل سوف تتوقف ما لم يستمر تدفق النفط من الحقول إلى صهاريج التخزين. وتحتاج حقول النفط الليبية لفترة من أعمال الإصلاح والصيانة أو إعادة التأهيل، حتى تعود إلى مستويات إنتاجها السابقة. وتتراوح المدة الزمنية المطلوبة لتحقيق ذلك، في ظروف آمنة، بين ثلاثة إلى أربعة أشهر. خلال هذه الفترة فإن حقول النفط ستعمل على الأرجح بطاقة إنتاجية تتراوح بين 10 إلى 20 في المئة فقط، ترتفع تدريجيا حتى تعود إلى المستويات التي كانت عليها سابقا.

باختصار شديد يمكن القول إن جوهر الصراع على ليبيا ينقسم إلى شقين، الأول جيوستراتيجي بسبب موقعها وصراعات القوى في شرق المتوسط، والثاني نفطي بسبب ثروتها من النفط والغاز، وارتفاع جودة خاماتها، وانخفاض تكاليف التنقيب والإنتاج، وقربها من سوق الاستهلاك الرئيسية في شمال البحر المتوسط. ولذلك فإن أي اتفاق مستدام يحافظ على المصالح النفطية للأطراف، من شأنه أن يضمن استقرار الأوضاع في ليبيا بشكل عام، حيث أثبتت تجربة المواجهات العسكرية منذ نيسان/أبريل من العام الماضي أن القوى الرئيسية الدولية والإقليمية المتورطة في ليبيا، لن تسمح بهزيمة مطلقة أو انتصار مطلق لأي من الطرفين المحليين المتنازعين على السلطة هناك. والحل الامثل هو التوصل إلى اتفاق متوازن لاستغلال الثروة النفطية وتشغيل البلاد بشكل عام على أسس التوزيع العادل للايرادات مع العمل على إيجاد الصيغة السياسية الموازية. إذا فشل هذا الخيار فإن البديل سيسير في اتجاه تقسيم هذه الثروة، والفصل بين شرق ليبيا وغربها، وهو ما لن يتحقق بين يوم وليلة. إن تحقيق أي من الخيارين الاقتصاديين يحتاج عملية سياسية وعسكرية طويلة المدى، ما تزال مقوماتها الاقتصادية وغير الاقتصادية بعيدة عن طور النضج حتى الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية