بيروت-“القدس العربي”: ذكر مؤرخون في تقارير وزعتها مديرية الآثار ووزارة السياحة اللبنانية أن “قلعة الشقيف” قرب مدينة النبطية جنوب لبنان، هي من أروع القلاع التي بناها الصليبيون في عهد “الملك فولك” ملك القدس، في أعلى منحدر صخري شاهق يقع على علو كيلومترين من مجرى نهر الليطاني، ويشرف على سهل مرجعيون ومنطقة النبطية.
وقد أطلق عليها الرحالة العرب اسم “شقيف أرنون” نسبة لبلدة أرنون اللبنانية التي تقع في أسفلها الشمالي الغربي، لكن هندستها التي تلتوي مع الجبل، وجدرانها المشيدة بالصخور المحلية، تجعلها تبدو كأنها “مخبأة” بين حنايا الصخور.
ترتفع “قلعة الشقيف” سبعمئة متر عن سطح البحر شامخة تتحدى الغزاة منذ فجر التاريخ.
ودارت في القلعة حرب الحضارات قديما، بنيت ودمرت مرات عدة، لكن فيها عظمة مميزة يبدو على حصونها المهدمة وكأن أسود العالم قد حفرت بأنيابها تاريخها منذ الشعوب الأولى، حيث استخدمت كحصن لسد الثغرات من ناحية البحر كما هو معروف عبر التاريخ.
شهدت “قلعة الشقيف” أهم الحقب التاريخية، وتميزت بدقة وعظمة الفن المعماري الذي اشتهرت به أكبر حضارات العالم القديم، وما زالت صامدة منذ آلاف السنين رغم التعديات وعمليات التدمير والتخريب الذي شهدته خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي.
بناها الرومان
يرى البعض أن تاريخ بناء “قلعة الشقيف” يعود إلى ما قبل العام 1125م، فيما يرى مؤرخون آخرون أنها تعود إلى ما قبل الحروب الصليبية بسنوات عديدة، أي بناها الرومان وزاد الصليبيون أبنيتها، وتم ترميم القلعة وتوسيعها في أكثر من عصر وتاريخ، والأمير فخرالدين المعني الثاني جعل منها حصناً منيعاً أثناء حروبه مع الأتراك واتخذها مركزاً لخزينته، وتوالت عليها السنوات ودخول الجيوش إلى أن أصبحت شبه مدمرة بعد الاعتداءات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفتها خلال العقود الثلاثة من القرن العشرين.
للقلعة مدخل واحد من الجهة الجنوبية، وشكلها مثلث الزوايا، وقياسها 160 مترا طولا و100 متر عرضا، تحيط بها من بقية جهاتها آبار منقورة في الصخر، ويحميها من الجهة الشرقية مجرى نهر الليطاني تسيل مياهه في واد عميق، وفي الجنوب خارجا يوجد حوض في الصخر، وفي الغرب صهاريج فيها أحواض جمة منقورة في الصخر الصلد مسقوفة بعقود حجرية. وفي الشمال حوض قسم منه منقور في الصخر، وقسم يقوم عليه بناء، وجدرانها المحيطة بها منحدرة، وفي داخل القلعة أحواض كثيرة كان يجتمع فيها من المياه ما يسد حاجة المحاصرين فيها مدة الحصار.
القلعة محاطة من الجنوب ومن الغرب بهوة عميقة محفورة في الصخر عمقها 15 إلى 36 مترا. أما من الجنوب فقد تتصل القلعة بذروة الجبل ومدخلها الى الجنوب الشرقي وطولها 120 مترا وعمقها 35 مترا، ومن طرفها الشمالي بناء ناتئ طوله 21 مترا يتجه إلى الشرق. وفناؤها في الجهة الشرقية منها عمقه نحو 16 مترا، ومثلها الأبنية الخارجية ولها انحدار يختلف من ستة إلى تسعة أمتار. وقد قام على الحائط الجنوبي برجان على شكل نصف دائرة أما القلعة من حيث البناء فهي مستطيلة وضيقة جدا حسب الأرض التي بنيت عليها ولا يوجد تناسب هندسي بين طولها وعرضها، وأما حجارتها فكلها مربعة الزوايا، إلا انها ليست كبيرة كالحجارة في القدس وبعلبك ولا مُحْكَمَة النحت، ومن جهة الوسط الحجر نافر وغير منحوت.
الجامع في أعالي القلعة
كانت الشّقيف عبارة عن قلعتين متجاورتين فجمع بيبرس وهو أحد قادة المماليك، بينهما وبنى بداخلها جامعًا وحمّامًا ودار نيابةٍ عام 1268 م. أمّا الجامع فما يزال قائمًا في أعالي القلعة حتّى اليوم. وأمّا الحمّام فيظنّ بعضهم أنّه كان في حضيض الجبل القائمة عليه.
“قلعة الشقيف” القلعة التي أسس لبنائها سكان لبنان القدماء الفينيقيون، وشهدت مرور الحضارات اليونانية، الرومانية، العربية والاحتلال الصليبي، ثم تحولت بعد العام 1969 إلى موقع عسكري للمقاومة الفلسطينية حتى العام 1982 قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي أفقدها الكثير من تراثها الثقافي نتيجة للقصف الإسرائيلي الدائم، وللغارات الجوية التي تعرضت لها، ما أدّى إلى انهيار أجزاء كبيرة منها غيرت معالمها بعض الشيء لكنها بقيت “وكراً للنسور” كما أطلق عليها.
بعد سنوات على تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، باتت قلعة الشقيف أسيرة الردم والتدمير الذي خلفته الغارات الإسرائيلية، وأسيرة الإهمال إلى أن حظيت باهتمام الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، بعد زيارة السفير الكويتي للقلعة في العام 2007 ووضع حجر الأساس، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية ومجلس الإنماء والإعمار، لترميمها وتأهيلها حتى تنعم باستقطاب السياح إليها ليشهدوا تاريخها العريق، ولتكون معلماً ثقافياً وسياحياً، ورمزاً للصمود والتحرير. كما تمت المحافظة على التحصينات التي أقامها جيش الاحتلال الإسرائيلي، لتكون شاهداً تاريخياً على هذه الحقبة العدوانية ضد لبنان وعلى تضحيات اللبنانيين في التحرير ودحر الاحتلال.
القصف الإسرائيلي
وكانت المديرية العامة للآثار اللبنانية قد أعدت دراسة في العام 2000 بشأن ترميم القلعة ووضعت خلال العام 2003 الخرائط التنفيذية للمشروع، وأعدّت دفتر الشروط المكونة لملف التلزيم التي تقسم إلى جزءين: الأول متعلق بالقلعة نفسها، ويقوم على تدعيم الإنشاءات المتصدعة من جراء الزمن والطقس والقصف المدفعي، الذي تعرضت له قبل الاحتلال الإسرائيلي وخلاله، حيث استخدمت مراراً كثكنة عسكرية. ثم حماية السطوح ومنع تسرب مياه الأمطار إلى داخل الجدران والقاعات لحمايتها. ومن الناحية الأثرية سيتم فتح الخندق الذي كان يعتبر للصليبيين من أهم أساليب الحماية في القلعة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي على رأس الجبل واستحالة الوصول إليها من ثلاث جهات ما دفع بهم لحفره.
وساعدت الوثائق والصور الجوية التي تمتلكها المديرية العامة للآثار، والعائدة إلى سنة 1932 أي فترة الانتداب الفرنسي، في إعادة بناء وترميم أجزاء من القلعة.
يؤكد سكان المناطق المجاورة للقلعة لـ”القدس العربي” أن في القلعة نفقا مثقوبا في الجبل القائمة عليه ينتهي عند مجرى نهر الليطاني وأن حاميتها كانت تستقي من مياهه أيام الحصار. ويزعم بعضهم أن من آبائهم من شاهد بأم عينيه مدخل ذلك النفق ومشى فيه مسافة عدة من الأمتار ولم يبلغ منتهاه لحيلولة الروم دونه ودون مبتغاه.
وبعد، فإن ما وصفت به مباني القلعة لم يتناول الا القائم منها والسالم من فتك الدهر والحروب، وأما المطمور تحت الأنقاض وخصوصا الذي كان في القسم الجنوبي منها لم تزل صفحة التنقيب عنه محجوبة عن الباحثين، وربما لعب الاحتلال الإسرائيلي لها خلال احتلالها واتخاذها مقرا عسكريا لمدة 16 عاما متواصلة، وما سبقه من استخدامها كموقع عسكري لقوى فلسطينية ولبنانية دورا مانعاً في هذا إلا أن ذلك لا يخفي ما خلفه القصف الإسرائيلي الذي تواصل عليها منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 من تدمير منهجي في جدرانها وأبراجها وقسمها العلوي، فهي كانت هدفاً لعشرات الغارات من الطيران الحربي والمروحي وللقصف المدفعي الثقيل والعنيف في كثير من الأحيان حيث انصبت عليها حمم القذائف الإسرائيلية من كل حدب وصوب ودمرت ما دمرته ثم جاء الاحتلال المباشر منذ عام 1982 ليزيد عبث العدوان في أجزائها البارزة ومحيطها وأزالت وغيرت في معالمها التاريخية.
بعد سنوات من الترميم والتأهيل، تتألق “قلعة الشقيف” مجدّدًا لتنفض عن حجارتها غبار الاحتلال الإسرائيلي وتعود معلمًا سياحيًا يحتضن الزائرين بعد طول غياب فرضه الاحتلال وتدميرها الممنهج من قبل الجنود الإسرائيليين الذين انسحبوا من القلعة فجر 24 أيار/مايو من عام 2000 ثم لتعود إسرائيل وتشن عليها المزيد من الغارات الجوية في عدوانها على لبنان في تموز/يوليو من عام 2006 في قصف عنيف دمر القلعة التي بقيت هيكلا من دون حجارة إلى أن تضافرت الجهود لترميمها وتأهيلها مجددا في 20 آب/أغسطس عام 2010.