بيروت-“القدس العربي”: لعل قلعة راشيا قرب بلدة راشيا الوادي في البقاع الغربي اللبناني، الأكثر شهرة في تاريخ البلاد، وتعد واحدة من أكثر المعالم الأثرية جمالاً وعراقة في لبنان، وتتمتع بأهمية رمزية كبيرة، وتعتبر من أيقوناته البارزة. تمتد القلعة على مساحة 8 آلاف متر مربع، وتعتبر معلما أثريا يشهد على حقب تاريخية مضيئة من تاريخ لبنان القديم والحديث ومن أجمل الأماكن السياحية في محافظة البقاع شرق لبنان.
راشيّا الوادي بلدة تراثية قديمة على سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية وشكّلت منذ القدم موقعًا استقطب القوافل التجارية والغزاة. وتتميز البلدة التي تبعد عن بيروت نحو 100 كيلو متر بقلعتها التاريخية التي عرفت باسم “قلعة الاستقلال” أو “حصن 22 تشرين الثاني” وهو اليوم الذي نال فيه لبنان استقلاله، وشاء التاريخ أن تكون مسرحًا للأحداث الكبيرة، وللنضال من أجل الحريّة، لذلك ارتبط تاريخ قلعة راشيا الواقعة على إحدى تلال بلدة راشيا الوادي المطلة على سهل البقاع الفسيح وعلى قمم جبل الشيخ المجيد، بفجر استقلال لبنان الذي انبثق من أقبيتها ودهاليزها. وفي السياق، أكد رئيس بلدية راشيا المهندس بسام دلال، أن “القلعة هي المهد التاريخي للاستقلال الوطني اللبناني، ولا تزال منارة ووجهة لكل الوطنيين”.
أحداث تاريخية
كثيرة هي الأحداث التي شهدتها قلعة راشيا، فدرج يتوسطها يقود إلى جزء من حكاية استقلال لبنان، وفي قسم من القلعة، احتجز الاستعمار الفرنسي عام 1943 شخصيات لبنانية لمطالبتها بالاستقلال، ودام الاحتجاز أحد عشر يوما قبل أن يطلق سراحهم في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1943 فكان استقلال لبنان.
وفي غرفة داخل القلعة اعتقل عام 1943 الرئيس اللبناني الشيخ بشارة الخوري، وفي غرفة أخرى سجن رئيس مجلس الوزراء رياض الصلح.
ورغم تلك الأحداث التاريخية، فقد اكتسبت القلعة أهميتها قبل استقلال لبنان بمئات السنين. وتقول وفاء زاكي المشرفة على القلعة “إن جميع الحضارات بنت معلما في القلعة”.
كما تؤكد وثائق وزارة السياحة اللبنانية على أن تاريخ بناء قلعة راشيا الأثرية يعود إلى العهد الروماني، حيث بنى الرومان حصناً لمراقبة القوافل التجارية، وفي العام 1099 غزا الصليبيون المنطقة واختاروا القلعة حصناً لهم نظراً إلى موقعها الإستراتيجي. ويواجه القلعة من الجهة الرابعة قمة حرمون المطلة على الأراضي السورية والفلسطينية واللبنانية. وقد سكنها الصليبيون وأضافوا إليها أبراجاً استعملت كمراكز للمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين نحو بلاد الشام ونقطة مراقبة وحماية لمواكب الحجاج والمسافرين عبر وادي التيم من دمشق إلى القدس في فلسطين.
وتنتصب قلعة راشيا في موقع استراتيجي تحيط به المنحدرات من ثلاث جهات، وتواجه الجهة الرابعة قمة حرمون في جبل الشيخ. أما مدخل القلعة فهو من جهة الجنوب ويتميز بجدرانه السميكة وبأقبية العقد التي إن دخلها الزائر في فصل الصيف الحار شعر بالبرودة لأن أشعة الشمس لا يمكن أن تخترقها. وبعد جلاء القوات الفرنسية عام 1946 تمركزت في القلعة قوات من الدرك اللبناني وبعض الإدارات الرسمية ثم تسلمها الجيش اللبناني في الأول من آب/أغسطس عام 1964 ولا تزال في عهدته.
آثار شهابية
ويشير المؤرخون على أن بناء قلعة راشيا، جاء على ثلاث مراحل، حيث توجد فيها آثار رومانية (دهليز وأبنية) وآثار صليبية (الآبار المنحوتة في الصخر والأقبية وبرج هو أعلى نقطة في القلعة) وهناك أبنية وآثار شهابية. أما السور الشرقي للقلعة، فقد بناه الفرنسيّون عندما دخلوها في العام 1920 واستخدموا في بنائه حجارة المنازل المحيطة بها بعد تهديمها، وهي تشبه بجدرانها السميكة وأقبيتها ودهاليزها المتعددة قلعة الشقيف الصليبية قرب مدينة النبطية جنوب لبنان، وبقناطرها تتماثل مع قناطر قصر بيت الدين جنوب بيروت.
وداخل حرم القلعة، أبنية وآثار شهابية تعود إلى عام 1370 حين تولى الأمير أبو بكر شهاب ولاية حاصبيا وكان يأتي برفقة زوجته وابنته إلى راشيا للصيد والقنص، فبنى له منزلا داخل القلعة، كما بنى الشهابيون مدخل القلعة والسور والقناطر من الجهة الجنوبية الغربية.
أما السور الشرقي فقد بناه الفرنسيون بعد دخولهم إلى القلعة مستخدمين حجارة المنازل المحيطة بها بعد تهديمها، وما تزال أسماء أصحاب المنازل موجودة على مدخل القسم الشمالي من القلعة وهناك معالم لكنيسة ضمن حرم القلعة.
ومن معالم قلعة راشيا النادرة أيضا، إيوان القناطر في الجهة الجنوبية الشبيه بقناطر قصر بيت الدين، إضافة إلى السراديب التي يبلغ طولها نحو 1500 متر وتقود إلى نقاط بعيدة من الأسوار كان يستخدمها الصليبيون لجلب المؤن والمياه في حال إطالة الحصار على الحصن الذي يزيد ارتفاعه على 1400 متر. وقد حوّل الجيش اللبناني بعض الأقبية والسراديب إلى معارض وقاعات استقبال.
أعلى قمة
وتتصدر قلعة راشيا الأثرية، لوحتان رخاميتان، الأولى تحمل أسماء مئة وتسعة وخمسين فرنسياً قتلوا خلال معركة 22 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1925. والثانية تحمل أسماء مئة شهيد من راشيا وجوارها سقطوا خلال تلك المعركة في مواجهة الغزاة الفرنسيين.
وخلال السيطرة العثمانية، كانت قلعة راشيا ملكاً للعائلة الشهابية التي أقامت فيها وزادت على بنيانها. وأثناء الاحتلال الفرنسي دخلتها القوات الفرنسية وشيدت سورها الشرقي إلى أن تمركز الدرك اللبناني فيها عام 1946 بعد جلاء الاستعمار.
وأعربت مديرية الآثار اللبنانية في بيانات وتقارير لها، عن أسفها البالغ بسبب ردم وانهيار أبنية وآثار صليبية وآبار منحوتة بالصخر، بإستثناء بئر واحد ما زال صالحا للاستعمال، والأقبية السفلى للقلعة فيها قاعة أثرية ومخزن من الجهة الشمالية الشرقية والبرج من الجهة الجنوبية الغربية وهو يعتبر أعلى قمة في القلعة.
في العام 1997 صنفتها وزارة السياحة اللبنانية مركزاً سياحياً، وتم ترميم جناح الاستقلال الذي تحوّل إلى مقر سياحي تاريخي نموذجي تسلمته بلدية راشيا للإفادة منه واستخدامه في أنشطة متعددة. كما أمسى أحد مدرجات القلعة بعد ترميمه مسرحاً دائماً يتسع للآلاف وتقام فيه سنوياً مهرجانات الصيف.
وتضم قلعة راشيا أيضا متحفا عسكريا للجيش اللبناني، تعرض فيه قطع حربية ومعدات عسكرية قديمة.
ورغم أهمية القلعة وما شهدته منذ العهد الروماني، تحتضن بلدة راشيا العديد من المعالم الأثرية والتاريخية التي تشهد على ما مر على هذه المنطقة منذ قرون من الزمن، وفي مقدمة هذه المعالم السوق الأثري وسط البلدة الذي يحاط بقرابة 36 بناء قديماً، وهو مرصوص بالحجارة في شكل هندسي متقن وطوله 250 متراً، ويعود تاريخه إلى القرن السابع عشر. وتم رصفه العام 1927 بإشراف السلطات الفرنسية من قبل المعلم الشويري شكري عبد الأحد. واهتمت وزارة السياحة بإعادة ترميمه وإنارته العام 1997 ويصنف من الأسواق الأثرية في العالم وهو السوق التراثي الوحيد في منطقة البقاع.
كما يظهر التراث العمراني في بلدة راشيا في البيوت القديمة المبنية بالحجر والمسقوفة بالقرميد الأحمر. فالبلدة ما زالت تحافظ على شكلها التراثي الجميل، وبيوتها القرميدية السطح تزيد على الثلاثمئة منزل لبعضها علية إضافية تدعى “طيارة” ولواجهتها الرئيسية أشكال هندسية مميزة بالقناطر الحجرية.
أما لجهة الشكل الخارجي للمنازل القرميدية فهي مربعة بصورة عامة، يعلو مدخل المنزل عند بابه “عتبة كبيرة” فوقها قنطرة نصف دائرية محاطة بدائرتين على يمين الباب الرئيسي وشماله، وهو محاط بنافذتين عن يمينه وشماله أيضاً. وتطل من المنازل شرفات معلقة على نوعين: الأولى على طريقة “المندليون” أي أن ركيزة الشرفة من الحجر، والثانية معلقة على جسر حديد سماكته 20 في 30 سم. وهذه الشرفات مزينة بدرابزين حديد واقٍ على شكل نبال تنتهي كل نبلة بزهرة اللوتس أو بقنطرة على شكل كوفي.
وفي بلدة راشيا الوادي إلى جانب القلعة والبيوت والأسواق القديمة، هناك العديد من المعالم والمواقع الأثرية التي تروي حكايات الحضارات التي مرت عليها عبر العصور.