باريس ـ «القدس العربي»:لا يمكن الحديث عن زخم في النقاش والمناظرات عاشه الشارع الفرنسي قبل الانتخابات الأوروبية، رغم محاولات الأحزاب والمنابر الإعلامية إثارة اهتمام الشارع، خوفاً من ارتفاع نسبة الممتنعين عن التصويت التي تتوقع استطلاعات الرأي أن تبلغ الستين في المئة. رقم قياسي يفسره المحللون مرة بالتعقيد الذي تتصف به آليات وهياكل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومرة بعدم وضوح التأثير المباشر لنتائج هذه الانتخابات على الناخب الفرنسي، إضافة إلى تراجع الثقة بالطبقة السياسية وتدني اكتراث المواطنين بالعملية الانتخابية، وهو ما ظهر بوضوح قبل أسابيع في الانتخابات البلدية الفرنسية.
أوروبا أمريكية.. أم أمريكا أوروبية؟
كحال جميع الانتخابات في أوروبا، غلب الطابع الاقتصادي على القضايا التي تمحورت حولها انتخابات البرلمان الأوروبي. قضايا تتعلق بتخفيف ضوابط الميزانية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء، ومساهمة البنك المركزي الأوروبي في خلق الوظائف وتحفيز النمو، بينما برزت أخيراً قضية اتفاقية منطقة التجارة الحرة عبر الأطلسي التي سميت اختصاراً TAFTA (Transatlantic Free Trade Area). مشروع الاتفاقية بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية سرعان ما تحول إلى قضية إشكالية مع تزايد المعترضين عليها من أقصى اليسار (حزب الخضر وجبهة اليسار) إلى اليمين المتطرف (الجبهة الوطنية)، وصولاً إلى داخل الحزب الاشتراكي الحاكم، رغم دعم الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند لها. ولعل أكثر ما يدعم موقف الرافضين للاتفاقية والمشككين بها، هو عدم وضوح تفاصيل مفاوضاتها التي توصف بالسرية، خاصة وأن نص مشروع الاتفاقية لم ينشر رسمياً حتى الآن في أيّ من دول الاتحاد الأوروبي.
رافضو الاتفاقية يخشون أن تؤدي إلى فرض معايير الاقتصاد الأمريكي على الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر الأكثر اشتراطاً وتقييداً لمواصفات الجودة، وهو ما سيترك أثره مباشرة على المواطن الأوروبي. خشية تظهر عبر تهكمات الرافضين للاتفاقية بالحديث عن عودة الدجاج الأمريكي المطعم بالكلور إلى الأراضي الأوروبية!
بالمقابل يؤكد المدافعون عن المشروع أنه لن يؤدي إلى تغيير جذري، إنما إلى إعادة تنظيم العلاقات التجارية بين الجانبين. وهي علاقات غالباً ما كانت الإدارة الأمريكية تفرض عليها سياستها الاقتصادية الحمائمية، ما يعني أن تنظيم العلاقات سيفتح فرصة أكبر للمنتجات الأوروبية لدخول السوق الأمريكية. ويطمئن المدافعون عن TAFTA الأوروبيين بتذكيرهم أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكبر من الاقتصاد الأمريكي، فلا خوف إذن من أن يبتلع الأخير القارة العجوز. مقارنة يرفضها معارضو الاتفاقية، فالاقتصاد الأوروبي لن يكون موحداً في المدى المنظور، وبالتالي يجب أن تكون المقارنة بين الاقتصاد الأمريكي العملاق وبين اقتصاد كل دولة أوروبية بمفردها، ما يعني أن التوغل الاقتصادي الأمريكي سيكون ساحقاً، وهو ما سينتج في المحصلة «أوروبا أمريكية» حسب تعبير زعيم جبهة اليسار جان ـ لوك ميلانشو.
الهوية الوطنية والخوف من الغول المهاجر
قضية المهاجرين والحد من الهجرة تأخذ بطبيعة الحال مكانها الثابت في النقاش، لكن أيضاً في سياق مبررات اقتصادية، ورغم أن الدراسات الاقتصادية لم تتوقف عن تأكيد حاجة أوروبا لليد العاملة المهاجرة، إلا أن اعتبار المهاجرين بوابة استنزاف للاقتصاد الوطني يبقى هو السائد شعبياً، وهو محور القول لدى اليمين الشعبوي في ترويجه للخوف من المهاجر الذي يستولي على وظيفة «ابن البلد»، ويسرق ضرائبه، وفوق كل ذلك يهدد الهوية الوطنية.
هذه المقولات تشكل أساس خطاب مارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية التي تَعِدُها استطلاعات الرأي بالنسبة الأكبر من الأصوات (23.5%)، متفوقة بذلك على أكبر حزبين في فرنسا؛ الحزب الاشتراكي الحاكم (17%) وحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية UMP (21%). أرقام تعكس مفارقة الانتخابات الأوروبية التي يبدو أن أكثر المتحمسين للتصويت فيها هم «أعداء أوروبا». فالجبهة الوطنية التي ترفع حملتها شعار «لا لبروكسل نعم لفرنسا» لا تخفي موقفها الرافض للمشروع الأوروبي بشكله الذي ولد وكبر فيه. برنامجها الانتخابي يركز على منع تدخل المؤسسات الأوروبية في القرار الوطني الاقتصادي منه والسياسي والاجتماعي وحتى الحقوقي، وعلى فرض المزيد من إجراءات الحماية الوطنية، ورفض اليورو والعودة إلى عملة الفرنك الفرنسي، وقبل أي شيء التحكم بالحدود، وإعادة التفاوض على اتفاقية تشنغين بهدف تقييد حركة المهاجرين إلى أوروبا وعبر الدول الأوروبية.
هذا النصر المنتظر للجبهة الوطنية سرعان ما سرق أضواء الانتخابات الأوروبية، وبات الشغل الشغل للحزبين الكبيرين، وكأن الأحزاب الكبيرة فقدت القدرة على إقناع الناخبين ببرامجها، فلم تجد سوى إثارة مشاعر الفرنسيين بتحذيرهم من الأثر السلبي الذي ستتركه نتيجة كهذه على صورة فرنسا في أوروبا والعالم. ورغم أن هذه التوقعات تُظهر التراجع الحاد لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية مقارنة بالانتخابات الأوروبية السابقة (تراجع يزيد عن ست نقاط)، إلا أن تصدر قوائم الجبهة الوطنية سيؤدي إلى هزة سياسية تقع نتائجها أساساً على عاتق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، ورئيس الوزراء مانويل فالس، وعلى الحزب الاشتراكي بشكل عام، ففي عهدهم كان لليمين المتطرف أن يتصدر المشهد السياسي لأول مرة في تاريخه.
من جديد، تشير أجواء هذه الانتخابات الأوروبية، إلى تعدد وعمق الأزمات التي تعيشها أوروبا، سواء اقتصادياً حيث يسيطر الخوف من الركود والبطالة وثقل اليورو، وثقافياً مع انتشار التعصب للهويات الوطنية والعداء للآخر، وأيضاً سياسياً مع تراجع أعداد المؤمنين بالحلم الأوروبي، وتناقص نسبة المكترثين بالانتخابات الوحيدة المرتبطة بالاتحاد الأوروبي. أزمات شكلت بوابات مشرعة لدخول يمين متطرف لا يؤمن بحلم أوروبا ونموذجها الحقوقي والثقافي. يمين يبدو أقرب من أي وقت مضى لاستعادة المبادرة، وفرض قواعده، فأوروبا التي تنتخب اليوم، تنتظر أن يعلن ألد أعدئها انتصارهم غداً.
صادق أبوحامد