يرى مراقبون أن صداما بين مجموعات المقاومة والسلطة الفلسطينية سيقع لو نفذت الخطة الأمريكية، وهو ما لا يتوقعه بعض المحللين السياسيين الفلسطينيين لأن السلطة لن تقدم على انتحار سياسي.
رام الله ـ «القدس العربي»: يتبادل الفلسطينيون أحاديث هامسة حول إجراءات فلسطينية بحق مجموعات مقاومة مسلحة غير معلنة من الطرف الفلسطيني وفق متطلبات والتزامات لقاء شرم الشيخ الأخير، في حين لا يقدم الخطاب الرسمي الفلسطيني أي تفاصيل في هذا السياق، وينفي بعض المسؤولين بطريقة غير مباشرة وجود هذه التفاهمات الأمنية التي أعلنت وسائل إعلامية عبرية عن قبول السلطة المبدئي بها وفق خطة الجنرال الأمريكي مايك فنزل.
ففي حين يتم الحديث بشكل مباشر عن إجراءات متبادلة لخفض التصعيد، تنبري السلطة في الحديث عما طلبته وقدمته للإسرائيليين من دون أن تتحدث عن الردود الإسرائيلية وما يترتب على الفلسطينيين تنفيذه عمليا وميدانيا في أرض الواقع بما يضمن خفض التصعيد الذي يبدو مصلحة فلسطينية أيضا.
وأمام مشهد مشاركة مجموعة «عرين الأسود» المواطنين أجواء رمضان في منطقة باب الساحة في مدينة نابلس قبل يومين حمل بيان المجموعة (الخميس الماضي) ما يمكن تسميته بإنه هجوم حاد واتهام لأطراف فلسطينية من دون أن تسمى بشكل محدد وهو ما يعكس حالة من الغليان التي يشعر بها الشارع الفلسطيني ويتابع بترقب حذر.
وجاء بيان العرين بعد أن اغتال الاحتلال من وصف بإنه الشهيد الأول في شهر رمضان، والشهيد الأول بعد لقاء شرم الشيخ الأمني، وهو المقاوم أمير أبو خديجة القائد الميداني لمجموعة «الرد السريع» في مدينة طولكرم.
وتضمن البيان لغة جديدة عن خطاب المجموعة المعتاد، وهي لربما للمرة الثانية التي يحدث فيها ذلك بعد أكثر من عام على ظهورها، حيث تعهدت «بمحاسبة من خطط أو تآمر أو دل على مقاومين».
وأضاف البيان: «تتعهد مجموعات عَرينَ الأُسود بمحاسبة من خَطط ومَن تآمر ومن أعطى أي معلومة أودت إلى إيذاء شهيد سواء كانت سببًا باستشهاده أو أي أذى وَقعَ عليه في حياته».
وجاء في البيان الذي يغيب عن وسائل الإعلام الفلسطينية الرسمية فيما ينتشر بين المواطنين بكثرة على المنصات الاجتماعية أنها «ستُحاسِبْ مَنّْ تلسَّن على شهيد، فهي لا تنسى أبدًا آلام قادَتِه وجُنودِه وجُنود المُقاوَمة في أيّْ مكان كان». وأضاف البيان: «واهمٌ ثم واهمٌ من يعتقد أن مجموعاتنا لا تعلم من تآمر على الشهداء بالاسم وبالتفصيل، من تآمر على قادة العرين وجنوده، من تآمر على المقاومة».
وختم البيان: «في كل مكان لنا عيون ولنا آذان ولكن، لنا عقلٌ رشيد ونرتب الأولويات: أولويتنا الأولى والأخيرة الاحتلال ولكننا لا ننسى أبدًا وفي جعبتنا الكثير، وعلى العاقل أن يفهم وأن يقرأ بين السطور».
فمن هو العاقل المقصود بالجملة التي اختتمت المجموعة بيانها؟ فيما يبدو السؤال الأهم فلسطينيا: هل تستمر ذات الأولوية في القادم من الأيام لهذه المجموعات مع دخول عوامل جديدة تؤثر على أنشطتها وتضمين بياناتها اتهامات وتحذيرات جديدة؟
تلا الموقف السابق بيان مجموعة «كتيبة طولكرم – الرد السريع» الذي نعت فيه مؤسسها أبو خديجة، حيث جاء فيه: «كما نقول لمن عادانا وسبنا في حياتنا لا نريد منكم أن تزفونا في مماتنا، فالشرفاء في مدينتنا يكفون وهم أهلٌ لها فنحن خصمائكم إلى يوم الدين وعند الله تلتقي الخصوم ونحتسبكم عند الله وهو كفيلٌ بعباده».
ومن ثم تابع البيان القصير نسبيا: «أما أنتم أيها العملاء يا من بعتم أبناء جلدتكم ودينكم يا من تخليتم عن شرفكم ووطنيتكم تالله لنحاسبنكم، ولا تظنون أننا عنكم غافلون ولدينا بعض الأسماء ولم يبق سوى القليل حتى يتم تأكيد المعلومات لدينا ومن ثم ستجدوننا أمامكم ورصاصنا هو من سيتكلم وسيكون قتلكم علينا هينا».
وتبدو اللغة المستخدمة في البيانين والمواقف التي يحملانها تشيران إلى جهة فلسطينية واحدة أو أكثر، وإلى غضب واتهام وتآمر تتهمان به.
فيما يرى مراقبون أن صداما بين مجموعات المقاومة الفلسطينية في شمال الضفة والسلطة الفلسطينية سيقع لا محالة حتى لو تأخر قليلا فيما لو نفذت السلطة الفلسطينية الخطة الأمريكية المعلنة منذ ما قبل مؤتمر العقبة، وهو ما لا يتوقعه بعض المحللين السياسيين الفلسطينيين بالاستناد إلى غياب الأفق السياسي الذي يمكن أن تقدمه الحكومة اليمينية المتطرفة، وهم يؤكدون أن السلطة لن تقدم على «انتحار سياسي» عبر القيام بمواجهة مع المجموعات المسلحة.
الأمر بالنسبة لعموم الفلسطينيين الذين يؤيدون حالة المقاومة الفلسطينية حسب اخر الاستطلاعات هو بمثابة قلق كبير ومخاوف لا تنتهي وسط إشاعات وتكهنات وتوقعات وانتظار لحظة المواجهة، وهو الأمر الذي لا يتمناه أحد.
لقد أظهر الاستطلاع الذي نفذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك في الفترة ما بين 8-11 آذار (مارس) 2023 نتائج مثيرة للاهتمام، فإلى جانب معارضة الغالبية العظمى للقاءات السياسية والأمنية مع الاحتلال عكست النتائج انخفاض الثقة في السلطة الفلسطينية، وزيادة نسبة المطالبة باستقالة الرئيس عباس، واعتبار حل السلطة أو انهيارها مصلحة الشعب الفلسطيني.
والأهم أن النتائج عكست أن هناك شبه إجماع بين الجمهور على معارضة قيام أجهزة الأمن الفلسطينية باعتقال أو نزع سلاح أفراد هذه المجموعات. والأخطر هو ما أشار فيه الاستطلاع من توقع أغلبية تفوق 60 في المئة من سكان الضفة الغربية أنه لو حاولت قوى الأمن القيام بذلك، فإن أعضاء هذه المجموعات سيقاومون السلطة بالسلاح.
دعوات أقرب للأحلام
ففي مقابل هذه المخاوف المستحقة تبدو دعوة والد الشهيدين رعد وعبد الرحمن خازم التي يطالب الفلسطينيين بالوحدة والتكاتف والالتحام حديثا أقرب للأحلام في ظل أن تلك الوحدة لم تتجل حتى مع أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفا وإقرارا بمحو الفلسطيني وسحقه.
حيث طالب والد الشهيدين في بيان صحافي ما وصفه «تفويت الفرصة على الاحتلال».
وجاء في بيانه الذي يستند فيه على رمزية خاصة مصدرها مخيم جنين وكونه والد الشهيدين: «جاء شهر الخير في ظروف قاسية على شعبنا وفي ظل هجمة شرسة هدفها استئصالنا من أرضنا، هذه الهجمة لن نتمكن من صدها والصمود في وجهها إلا من خلال تكاتفنا وتكافلنا ومن خلال وحدتنا الشعبية الميدانية».
ويأتي بيان أبو رعد بعد أن كان أحد القائمين على مؤتمر وطني نظمته مؤسسات وفعاليات مخيم جنين وفصائل العمل الوطني والإسلامي في المحافظة دعا إلى ضرورة العمل على تجسيد الوحدة الوطنية على الأرض عبر إطلاق وثيقة لتحقيق الوحدة الفلسطينية حملت اسم «وثيقة جنين».
ولا تتوفر معلومات حول عدد الموقعين على الوثيقة التي نُشر نصّها للتوقيع عليها من أكبر عدد من المواطنين والنشطاء والقيادات، فيما يحدو القائمون عليها آمل الوصول إلى نصف مليون توقيع لتشكيل أكبر حالة من الضغط على الأحزاب الفلسطينية والسياسيين للتحرك الجدي نحو المصالحة، حسب القائمين عليها.
وتضمّنت الوثيقة التي قاطع مؤتمر إطلاقها كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مطالب أبرزها إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بميثاقها الوطني وبصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والدعوة لعقد لقاء للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، وتفعيل قيادة سياسية موحدة لكل الفصائل والقوى في الميدان، وترسيخ مفهوم الوحدة السياسية والجغرافية والشعبية، ورفع شعار «الشعب والسلطة والمقاومة في خندق واحد» وإعلان «حالة الاشتباك السياسي والقانوني مع المشروع الصهيوني العنصري ونظام التفريغ العنصري» في كل الساحات الوطنية والمحافل الدولية والجهات القانونية. والدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ومساندة قطاع غزة للصمود في وجه الحصار المفروض عليه، من خلال إطلاق مبادرة التكافل الاجتماعي والوطني والاقتصادي.
ويأمل القائمون على الوثيقة أن تكون بمثابة صمام أمان وحالة من الحشد لتعزيز الوحدة بما يفضي إلى مواجهة الحكومة الإسرائيلية عبر «الوحدة الشعبية الميدانية» التي فيما يبدو أنها لا تقنع كثيرين بجدوى المطالبة بها في ظل القلق العميق من نتائج ومخرجات لقائي العقبة وشرم الشيخ الأخيرين، وهو ما تعزز مع لغة البيانين الصادرين عن «عرين الأسود» و»كتيبة طولكرم».