حسين مجدوبي
مدريد ـ ‘القدس العربي’ من حسين مجدوبي: بدأ يتراجع الفرح بالرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولند في هزمه للرئيس المؤقت نيكولا ساركوزي بسبب بزوغ واقع سياسي مقلق للغاية بل لا يتردد البعض في وصفه بالخطير هو احتمال انكماش اليمين التقليدي المحافظ أمام اليمين القومي المتطرف بزعامة ماري لوبين التي قد تصبح زعيمة المعارضة في هذا البلد الأوروبي، الأمر الذي سيشكل سابقة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
وأعربت شرائح مهمة من الرأي العام الفرنسي والدولي عن ارتياحها لرحيل نيكولا ساركوزي بسبب سياسته الغامضة في معالجة الملفات الفرنسية مثل الهجرة والتعليم والعمل وكذلك في الملفات الدولية لفرنسا، الأمر الذي أثر كثيرا على دبلوماسية باريس. لكن هذا الارتياح الناتج عن عودة الحزب الاشتراكي بزعامة فرانسوا هولند الى رئاسة البلاد بدأ يتلاشى، وانطلق القلق هو ارتفاع الأصوات الانتخابية للجبهة الوطنية التي تمثل اليمين القومي المتطرف بزعامة ماري لوبين التي حصدت 18′ من الأصوات بحوالي ستة ملايين و600 ألف. وزاد القلق أكثر خلال الأسبوع الجاري بعدما بدأ يتبين أن الجبهة الوطنية قد تصبح المرجع الرئيسي للمعارضة في البلاد بسبب تقدمها المتواصل مقابل تراجع اليمين الكلاسيكي.
فقد كشف استطلاع جديد نشرته إذاعة أوروبا 1 أمس الجمعة أن اليسار بكل أطيافه سيحصل على 44′ في الانتخابات التشريعية المقبلة، وسيحصل اليمين المعتدل بكل أطيافه على 32′ بينما ستحصل حركة الجبهة الوطنية لوحدها على 18′ ومرشحة لمزيد من الأصوات. والمثير أن استطلاعا للرأي نشرته منذ أيام جريدة لوفيغارو المحافظة أبرز أن الفرنسيين يعتبرون أحسن زعيم للمعارضة هو جان فرانسوا كوبي عن اتحاد الحركات الشعبية الذي يمثل اليمين المعتدل ب 35′ متبوعا بزعيمة الجبهة الوطنية المتطرفة ماري لوبين ب 34’، أي فارق نقطة واضحة. وترى الجريدة نفسها أن ماري لوبين قادرة على تجاوز هذا المعطى لتصبح الزعيمة المفضلة عند الفرنسيين لتزعم المعارضة.
وكانت جريدة لوموند الفرنسية قد نشرت مؤخرا أن هناك سيناريو مقلق تنفذه ماري لوبين يقضي بتوجيه ضربات سياسية قوية ضد اليمين المعتدل لتصبح في ظرف وجيز هي المتزعمة للمعارضة في فرنسا، الأمر الذي سيأهلها لكي تصل للرئاسة مستقبلا سواء في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو التي بعدها في ظرف ثمان سنوات.
واستراتيجية ماري لوبين تتجلى في رفضها أي تنسيق مع اليمين المعتدل ومن ضمنها التصويت بالأبيض في الدولة الثانية للانتخابات الرئاسية الأحد الماضي عندما رفضت منح صوتها لنيكولا ساركوزي، ثم التغلغل في ضواحي المدن والطبقة المتوسطة لاكتساب الدعم. وتقوم استراتيجيتها أساسا على مواجهة المهاجرين العرب والجالية المسلمة، وهو ما سيؤدي الى مزيد من توظيف هذه المواضيع في الممارسة والخطاب السياسي.
والمثير أنه إذا نجحت ماري لوبين في تزعم المعارضة، وسيكون ذلك سابقة في دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وانهزام اليمين القومي المتعصب مثل النازية والفاشية. وتوجد قوى يمينية متطرفة في البرلمانات الأوروبية بل وفي ائتلافات حكومية لكنها لم تكتسب نهائيا القوة التي لدى الجبهة الفرنسية اليوم، حيث بدأت تتبلور كبديل في السلطة خلال السنوات المقبلة وكذلك بسبب وزن فرنسا في أوروبا.