كثيرا ما تكون الامثال حكما يتناقلها الخلف عن السلف، ويتأصل المثل عندما يعززه الواقع، فيشعر المرء بضرورة الا يبخل به علي سامعيه اذا ما سمحت الظروف بذلك، ولا سيما ان جلسات السمر التي يتخللها الحوار والنقاش نادرة جدا في حياتنا، فقد سرق التلفاز ووسائل التكنولوجيا الاخري اوقاتنا، وقطع اوصالنا، وقد يأتي وقت علينا او علي اولادنا لا يري فيه احدنا الآخر الا في المناسبات السعيدة، ان كانت هناك مناسبات سعيدة في حياة شعبنا.
ودعوني ألج الي صلب الموضوع الذي دعاني لاختيار هذا العنوان لأكتب فيه. فقد عشت ايام الهجرة منذ عام 1948، وكنت آنذاك طفلا، ولكن ظروف حياتي اجبرتني ان اتصرف تصرف البالغين العاقلين، فخالطت الكبار في سنة مبكرة، واستمعت اليهم وسمعت منهم.
كانت وسائل الاعلام من صحافة واذاعة نادرة، وكان الرجال يجتمعون مساء بعد عودتهم من اعمالهم ليستمعوا الي احدهم، ممن يحسن القراءة، وحالفه الحظ في ذلك اليوم فقرأ الجريدة ليخبرهم بخبر يدغدغ عواطفهم، ويلامس مشاعرهم، يتحدث بطريقة او باخري عن عودة اللاجئين، ليذهب الجميع منعمين بأمل العودة، يحدثون بذلك الاهل والجيران، ولم يبق علي بعضهم سوي حزم الامتعة للعودة في اليوم التالي او الذي بعده وعشنا امل العودة، حتي عام 1967، ثم تبخر هذا الامل، وغدا الحديث يدور حول انسحاب الاحتلال من الاراضي التي احتلت عام 1967م.
وتعددت المبادرات ابتداء من مبادرة روجرز، وفي ظني ـ والله اعلم لان بعض الظن اثم ـ ان اسرائيل هي مهندسة هذه المبادرات، لالهاء الفلسطينيين بخاصة والعرب والمسلمين بعامة، وذلك من باب قليل العقل يرضيه الكلام. فكلها مبادرات ذهبت وانتهت كفقاعة في الهواء.
ورأت اسرائيل ان تعمق مفهوم هذه اللعبة وهذا المثل. بعد ان تخلي العرب والمسلمون عن تحرير الارض بالقوة. بما فيها اولي القبلتين وثالث الحرمين، ومهد السيد المسيح عليه السلام. وبعد ان اقتنعوا او اقنعوا انفسهم ان مصلحتهم تقتضي اجراء المفاوضات والمباحثات الي حين تحرير الارض، وهو الوقت الذي لن يأتي ابدا. فكان مؤتمر مدريد واتفاقية اوسلو، وخريطة الطريق، وآخرها الجولات المكوكية لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.
ومنذ اتفاقية اوسلو، تسابقت الدول المانحة، لتطبيق الشق الثاني من المثل وكبير البطن يُرضيه الطعام وبُشرنا بان بلادنا ستتحول الي سنغافورة ثانية، وعدنا بذاكرتنا الي كتب التاريخ، عندما كان يطلق عليها ارض السمن والعسل، وسمعنا ذلك من باب المثل القائل تسمع بالمعيدي خير من ان تراه، فالحمد لله اننا لم نر هذه المليارات، ولا حتي آثارها الا علي فئة قليلة جدا اتخمت من الشبع، في حين يتضور الآخرون جوعا. فلا عجب ان ظل العزف علي وتر البطون، لان الجياع يأملون ان ينالهم ما يسدون به رمقهم، حين اصبح الوطن لا يساوي في نظر البعض اكثر من لقمة العيش، يغذي هذه النظرة ابناء جلدتهم ممن امتلأت بنوك الغرب والشرق من مدخراتهم.
انسونا ما كان من قيمنا وثوابتنا: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها وعلمونا ان هذا محض هراء. انسونا ما تعلمناه صغارا، وعلمناه لطلابنا كبارا: تنبهوا واستفيقوا ايها العرب فقد طغي الهول حتي غاصت الركبلك الله ايها الشعب، فالله لا يضيع اجر من احسن عملا.
محمد القطاويبير زيت6