قل الحليب وقلت قيمة الراعي

حجم الخط
0

في كتاب ‘البذور والجذور والتمر’ للمفكر المتخصص في تاريخ اليهود عبد الوهاب المسيري، قال: سيدة امريكية اخبرته عندما زارته في منزله ان لحم الدجاج يعد من اقل انواع اللحوم جودة، ولذلك هو ارخص اللحوم، واضاف المسيري: لقد اصبح مذاق الدجاج رخيصاً في فمي انا الذي كنت اجده لذيذا للغاية.ونظرية (المذاق الذي اصبح رخيصاً) قد نصنع منها عالماً من الافكار والطموحات التي سقطت وتهاوت، بعد ان كانت زاخرة بالاحلام التي توصل الى حقيقة الواقع، الذي خذل وما زال يخذل، في صورة اقفاص نحن اشبه بالدجاج الرخيص، ولحمنا ارخص.في مشهد له مذاق الملح وعمق التجاهل وتراكم الغبار، لا يسهل ان نفاوض الصمت ونسكت على استرخاء الخوف واللامبالاة.اعلنت مؤسسة ‘ياسر عرفات’ الخيرية عند موت ياسرعرفات، انها ستقوم بانتاج فيلم سينمائي وتوثيقي طويل عن حياة ومسيرة القائد، خبر عادي وطبيعي في ظل هيمنة ‘الفن السابع’ السينما، والقدرة على التأثير وعلى حفظ قيمة ووجود الشخص وتمرير افكاره التي كان يؤمن بها.ارادت مؤسسة ‘ياسر عرفات’ عبر الفيلم حفظ الذاكرة من الذوبان، لأن تاريخ ياسر عرفات هو تاريخ مرحلة مهمة ومفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، اضافة الى ان الفيلم يوثق ذاكرة ما زالت حية وتعيش على حافة الصور والصفحات، وتعتبر هذه الامور من اساسيات المواجهة مع الصهيونية التي تحاول شطب التاريخ وقلع الذاكرة من جذور الماضي، الذي يشكل تهديداً حقيقياً للدولة الاسرائيلية.ان انتاج واخراج فيلم عن حياة عرفات يضع غيابه وابتعاده عن سلطة القرار في حالة وجود، ولو عن طريق خيال في شريط سينمائي يحاول مد اصابعه نحو الواقع المؤلم.ان انتاج افلام عن حياة الزعماء والقادة مهمة وطنية عند الشعوب التي تشعر بفضل هؤلاء الاشخاص، تسعى لترسخ صورهم في ذاكرة الاجيال، حفاظاً على المستقبل، والشعب الذي يحترم الماضي ويكن الوفاء لقادته يشعر بان مستقبله سيكون مشرقاً، فالتربة صالحة لزراعة التاريخ الواثق من مقدرة اهله. مع ان السينما العربية معروفة بتجاهلها المرير للقادة والزعماء، واذا كانت هناك محاولات، او طفرات فنية كانت تدخل اما في مجال التجارة او في مجال الطعن وتفريغ الحقد، وغالباً ما يستغل الانتاج الفني اسماء قادة قدماء حتى لا تكبر دائرة الاتهام وتبقى محصورة في فانتازيا تاريخية مسلية.لقد تحولت السينما اليوم الى جهة توثيقية، لا يستطيع احد انكارها وتجاهل قدراتها وتأثيرها، لذلك سعت مؤسسة ‘ياسرعرفات’ الخيرية، الى الاعلان ان انتاج فيلم عن حياة عرفات هو مهمة فلسطينية يجب ان تلقى الترحيب والدعم، لكن المفاجأة كانت، ان لا احد يريد دعم الانتاج، وبعد طرق الابواب الى حد التسول توقف المشروع ورفعت الايدي.المؤسسة اعلنت بصراحة ووضوح انها لن تقوم باخراج الفيلم بسبب ضعف التمويل المالي، انتاج الفيلم يكلف خمسة ملايين دولار او اكثر.رئيس المؤسسة حاول جمع المبلغ من عدة جهات عربية وفلسطينية، لكن لم يتجاوب معه احد، لقد توجه الى سهى زوجة ياسر عرفات، التي تعيش في جزيرة مالطة على حساب القضية الفلسطينية، ولا يعرف احد كم هي ثروتها؟ وكم ترك لها من اموال؟ مع العلم ان الشعب الفلسطيني يعرف ان تركها الوطن وانعزالها وابتعادها عن معاناة الشعب الفلسطيني لا يليق بزوجة قائد وزعيم، حتى انها لم ترد على صاحب المؤسسة ولم تحاول مناقشة فكرة الفيلم، وهذا التصرف يزيد من عزلتها ويدين اختيارها كزوجة قائد، اذا ما قورنت مع الزوجات اللواتي يسعين لتخليد ذكرى ازواجهن. ايضاً اعتذرت السلطة الفلسطينية عن التمويل المالي، ولم ترحب بالمشروع السينمائي، لقد كانت خيبة امل مؤسسة ‘ياسر عرفات’ كبيرة لدرجة طي المشروع ووضعه على الرف.اكتفت المؤسسة في توزيع جوائز ثقافية ونضالية على مستوى العالم العربي وتفعيل ذكرى رحيله سنوياً في ظل تجاهل سلفه محمود عباس.قديماً قالوا (قل الحليب وقلت قيمة الراعي) وحليب الثورة جف لذلك لم يعد قيمة للراعي.لكن هناك قيمة للماعز، في الوقت الذي يرفض فيه انتاج فيلم عن حياة عرفات تقام في السعودية مسابقة (لأجمل عنزة واجمل تيس) الصور التي بثت عبر الفضائيات تبين مئات الرجال وهم في حالة انبهار بالماعز التي تلف وتدور امامهم، تظهر جمال شكلها وعيونها وشعرها ولونها، ثم يتم الانتخاب، وتفوز احدى العنزات بلقب ملكة، ثم يليها اجمل التيوس بقرنيه. وتصاب بالدهشة حين ترى انبساط الحضور وفرح الوجوه ورقص الشوارب وكبرياء الشماغ الحطات – الذي يزين الرؤوس التي اقسمت ان تحقق الجمال في عالم الحيوان. ولا تجد الا ان تخرس فأنت في زمن القرون والثغاء.شوقية عروق منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية