قمة الاملاءات والهزيمة في الرياض
د. يوسف نور عوضقمة الاملاءات والهزيمة في الرياض التركيز علي موضوعات حساسة تهم العالم العربي في قمة الرياض كان مجرد محاولة لاحياء الروح في هذا الجسد الميت، وقد ظهر موات الجسد في التقسيم الواضح في مستوي الدول المشاركة ومدي فاعلية هذه المشاركة في القمة العربية. فمن ناحية كانت هناك السعودية ومصر والأردن التي صنفت علي أنها دول الاعتدال، ومن ناحية كانت هناك ليبيا التي قررت مقاطعة القمة ورأي رئيسها الذي وصف نفسه بالقائد الأممي أن ينتقد جميع الدول العربية وان يقول انها تستجيب لاملاءات الولايات المتحدة ووجه اهانات للحكومات والشعوب العربية ولكنه تمسك في آخر الأمر بخط ثوري واصفا بلاده بأنها هي التي توجه مواردها لصالح شعبها. وهو خطاب أثار كثيرا من التساؤلات والدهشة عند المواطن العربي الذي لم يعد يصدق أي كلام يطلق اليه بعد تجارب مريرة اثبت جميع القادة العرب فيها أنهم ليسوا أهلا للقيادة وأنهم لا يحفلون اطلاقا بمصالح شعوبهم. ومن ناحية أخري كان هناك موقف واضح من حكومة لبنان التي رفضت أن تستقبل السعودية رئيسها استقبالا رسميا وسمحت لوفد آخر بان يشارك في القمة وكأن المقصود هو القول ان العالم العربي لم يعد يعترف بلبنان كدولة موحدة، وعلي الرغم من ذلك فقد قبل الرئيس اميل لحود ما وجه اليه وقرر حضور القمة التي لم يستقبله رئيسها في الرياض في مطار المدينة ولم تقدم له مقتضيات البروتوكول الواجبة في استقبال رؤساء الدول.ولا نريد أن نتوسع في الخلافات القائمة بين الدول لأن ذلك تحصيل حاصل وما نريد أن نركز عليه هو لماذا استقطبت هذه القمة اهتماما واسعا؟ هل لأنها ستلبي مطالب المجتمعات العربية أم لأن الولايات المتحدة أرادت لأسباب تخصها أن تجعل منها قمة مهمة.الاجابة يشرحها لنا التحرك الأخير للرئيس الأمريكي جورج بوش في دول أمريكا اللاتينية وهي محاولة يائسة من الرئيس لاستعادة شعبيته الضائعة من خلال التحرك في منطقة خرجت بشكل واضح عن نفوذ الولايات المتحدة وأصبحت تكن العداء بشكل واسع لسياساتها، ولكن كما أخطأت الولايات المتحدة في تحركها نحو العراق واعلانها الحرب علي الارهاب وتحريض اسرائيل بالقيام بحرب فاشلة ضد لبنان فقد أخطأت أيضا عندما رأت أن تحريكها للمبادرة العربية المنسية بعد افراغها من مضمونها من أجل تحقيق أهداف أمريكية فشلت الولايات المتحدة في تحقيقها بعد أن وضعت واشنطن كل ثقلها المادي والعسكري خلفها..ولعله لم يكن من المنطقي أن تتحرك وزيرة الخارجية الأمريكية وسط دول تعرف تاريخيا بولائها للولايات المتحدة وذلك قبل انعقاد القمة وتحاول بعض هذه الدول أن تروج أن تحرك كوندوليزا رايس كان من أجل تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط، فمتي كانت الولايات المتحدة مهتمة بعملية السلام في هذه المنطقة؟ الم تساعد الولايات المتحدة علي صياغة خريطة الطريق ثم نسيتها بعد أن رفضت اسرائيل قبولها أو الالتزام بها، أولم ترفض الولايات المتحدة واسرائيل مبادرة السلام العربية التي قدمتها المملكة العربية السعودية وحاصرت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقره حتي انتهي الحصار بموته ؟ ألم تقم الولايات المتحدة بشن حرب مدمرة علي شعب عربي وقتل رئيسه وأعوانه من أجل تحقيق ما تعتبره أمنا لاسرائيل؟ ألم تحرض الولايات المتحدة اسرائيل للدخول في لبنان وعندما هزمت اسرائيل هناك وتوالت الانتقادات علي الرئيس الامريكي في داخل بلاده بدأ يفكر في استراتيجيات جديدة لا تغير الواقع السياسي في العالم العربي بل تحقق الأهداف القديمة بأساليب دبلوماسية بدل استخدام القوة والوسائل العسكرية؟ ألم يأت التشجيع للرئيس الامريكي من بعض الدول العربية التي شعرت أنها بدأت تفقد حظوتها عند واشنطن بل وشعرت بالتهديد وهي تري أن الحرب في العراق قد بدأت تتخذ شكلا طائفيا يهدد السلام في المنطقة كلها، ولكن هذه الأخطار لم تدق ناقوس الخطر في داخل الولايات المتحدة التي اتجهت نحو تجيير التطورات لصالح اسرائيل وبدأت تثير الخوف بان هناك مرحلة قلق تهدد المنطقة بتطور الصراع بين السنة والشيعة وبالتالي أطلقت الولايات المتحدة علي الدول السنية ـ في المنطقة ـ اسم الدول المعتدلة التي أرادت أن يترجم اعتدالها في موقف موحد ضد ايران وبالتالي الوقوف في صف ايران علي أساس أن البرنامج النووي الايراني موجه في الأصل ضد اسرائيل وبالتالي فان هناك مصلحة مشتركة بين اسرائيل وما تسمي بالدول المعتدلة في التحالف من أجل مواجهة الخطرالايراني وهذا هو أقرب طريق لتحقيق الأهداف الاسرائيلية دون الانشغال بالقضية الفلسطينية.وعلي الرغم من أن وزيرة الخارجية قالت انها لا تريد أن تتدخل من أجل أي تعديل يجري علي المبادرة العربية وستترك الأمر لقرار الجامعة العربية فان هذا الموقف يتسم بغير قليل من النفاق لان ما صرحت به وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبني ليفني غير ذلك فهي قالت انها تقبل المبادرة العربية بشرط أن تحذف منها القضايا الرئيسية ومنها بالطبع قضية القدس وعودة اللاجئين واعادة الأراضي المحتلة في عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، وهي القضايا التي تشكل جوهر الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فماذا تريد اسرائيل اذن اذا أسقطت الدول العربية هذه القضايا جميعها من المبادرة العربية؟ ما تريده اسرائيل هو أن تعترف الدول العربية بها قبل أن تنتظر عملية السلام مع الجانب الفلسطيني وهذا هو مربط الفرس لان القضية بين الفلسطينيين وبين اسرائيل ليست هي قضية السلام بكون الفلسطينيين لا يبحثون عن السلام والتي تبحث عن السلام هي اسرائيل، وهو سلام ليس المقصود به الجانب الفلسطيني أو العربي لأنه سلام يتحقق لاسرائيل وحدها علي حساب الحقوق العربية وهو أيضا سلام ظلت اسرائيل تخوض الحروب من أجل أن تحققه لنفسها ولكنها فشلت في ذلك، وعلي الرغم من الخلاف مع توجهات القذافي فلا شك أن رؤيته كانت صحيحة عندما انتقد نظرية اسرائيل في الدولة والسلام وتخطيء اسرائيل اذا اعتقدت أنها قادرة علي تحقيق الوجود الآمن لها وهي محاطة ببحر عربي من البشر يتزايد اتساعه وقادر علي أن يكتسب القوة في أي وقت بينما تتراجع قوي الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تركن الي نفوذ دول تقوم بدور العمالة لها لان السيل قد بلغ الزبي وأن معظم الشعوب العربية بدأت تدرك أنها أصبحت بحاجة الي تغيير حقيقي في واقعها وليس مجرد تغيير شكلي، ولعل من أولي الدول التي تموج بالحركة في هذه المرحلة مصر التي كشف الاستفتاء الأخير عدم شعبية حكومتها التي تريد أن تمرر تعديلات دستورية بأغلبية حصلت عليها من أقلية لا تتجاوز خمسة في المئة من عدد المصوتين في الاستفتاء.ومن الغريب أنه في الوقت الذي تدفع فيه البلاد العربية دفعا من أجل اتخاذ موقف موحد لصالح اسرائيل في القمة العربية فان الولايات المتحدة تدفع في اتجاه عدم الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية، حتي لكأن القمة العربية أصبحت مؤسسة لخدمة مصالح اسرائيل وليس الأمة العربية ومن المؤسف حقا أن نري المواقف في داخل القمة تعكس المواقف نفسها التي تتخذها الولايات المتحدة من بعض الدول العربية ذلك أننا لا نستطيع أن نفسر موقف المملكة العربية السعودية من لبنان علي أنه انعكاس للموقف السعودي التقليدي الذي كان مؤيدا لحكومة الرئيس الحريري والتفسير الوحيد هو أنه ما دامت الولايات المتحدة تتخذ موقفا من الرئيس اللبناني فلا بد أن يهمش وتقوم بعض الدول العربية في تحقيق هذا التهميش رغما عن ارادتها.ومؤدي قولنا هو أنه بصرف النظر عما صدر ويصدر من القمة فان مجرد انعقادها في هذه الظروف وبهذه المواصفات هو في حقيقته دليل علي أن مرحلة الانحطاط السياسي في العالم العربي قد بلغت منتهاها.9