قمة التسلم والتسليم: من الحقبة السعودية إلي الحقبة الصهيونية؟

حجم الخط
0

قمة التسلم والتسليم: من الحقبة السعودية إلي الحقبة الصهيونية؟

مطاع صفديقمة التسلم والتسليم: من الحقبة السعودية إلي الحقبة الصهيونية؟لقد ابتكر جمال عبد الناصر مؤسسة القمة لتدارك التداعيات (القومية) الخطيرة الناجمة عن الخامس من حزيران (1967). كان ثمة أمل سياسي بانتهاض صيغة تضامن عربي في وجه الهزيمة العسكرية. ذلك ما عبرت عنه (اللاءات) الرافضة التي خرجت بها قمة الخرطوم. فلم يكن الفكر النهضوي في تلك الفترة قابلاً لاستيعاب صدمة الهزيمة بل علي العكس ربما رأي فيها حافزاً جديداً، ومن المستوي البنيوي الشامل، لشد عزيمة الأمة أكثر من أي وقت مضي، بما يدفع مجتمعاتها إلي استنهاض قوي أعمق وإمكانيات أغني لم يجر الكشف عنها بعد، ولم يتح لها أن تثبت وجودها وجداراتها من قبل. لم تقم مؤسسة القمة إذن لتثبيت ترجمة هزيمة سياسية لعقابيل هزيمة عسكرية كبري، بقدر ما كان إنشاؤها طامحاً إلي محو تلك الهزيمة من مستقبل المشروع النهضوي، والعمل الجاد قومياً لتجاوزها. ومع ذلك كانت قمة اللاءات الخمس تتضمن اعترافاً واقعياً بأن مسيرة التغيير العربية ما زالت معاقة ذاتياً بعلل كثيرة، وبما هو أدهي من التخاذل العسكري أمام العدو. إذ أن المهزوم الفعلي كان هو النظام العربي عينه، الذي لا يزال يتابع فعاليته الواقعية في مختلف البني السياسية والاجتماعية القائمة، سواء في الأقطار المحافظة، أو في هذين القطرين: مصر وسورية، المحسوبين في عداد الريادة الثورية لتلك الحقبة من ستينيات القرن الماضي. فإن كان التغيير قد أصاب رأس الدولة في القطرين، إلا أن بقية الأجهزة التابعة للحكم والإدارة العامة والدفاع كانت لا تزال طبيعتها هي عينها المنتشرة في بقية أقطار الوطن.يمكن القول أنه منذ تلك القمة الافتتاحية، الرافضة شعارياً لثقافة الهزيمة، علي الأقل كما لاح من إعلان اللاءات الشهيرة، قد تعلم الفكر النهضوي الناشئ، درساً جديداً فيما يخص أجندة التغيير ومفهومه التاريخي؛ إذ بات محتماً التنبه إلي وجهات أخري أعمق من مجرد الحراك السياسوي المباشر. وكذلك صار واضحاً أن (ثورات) القمم لا تغير شيئاً إن لم تردفها تحولات مناظرة لها، علي مختلف مستويات الهرم، المحجوبة تحت تلك القمم عينها. علي هذا الأساس دخلت إلي القاموس الشعاري مفردات أكثر حسية وواقعية تمسّ حياة الناس اليومية. هكذا راحت تطرح المسألة الاجتماعية كشرط مفصلي يسبق كل الشروط الأخري المسيطرة حينذاك، تحت توصيف الثوريات والانتفاضات الرأسية. ما يعني أنه ليس ثمة ثورة حقيقية إن لم تجد مكاناً لها في تراتبية أوسع من استراتيجية المشروع النهضوي، حسب تصوراته الأولية أواسط القرن العشرين. فالثورة، ذلك الاسم السحري للمخيال الجماعي عقوداً متتابعة، لم تعد كافية لتغطية المساحة الثقافية الشاسعة لما توحي به العبارة الأقنومية: المشروع النهضوي، كما كان يتطلع نحوها رواده وأتباعه. إنها (الجدلية النهضوية) هي الأصل في إيديولوجيا التغيير الشمولي. وقد يكون مقبولاً أن تلعب الثورة فيها دوراً أساسياً، لكن دون أن تعطل كل التكوينات الإيجابية الأخري التي تنطلق منها، ومن ثم، لتتجاوزها. وهذا ما كان يعبر عنه رواد المرحلة، بأن الجدلية النهضوية هي الأصل، والثورة (القميّة) هي إحدي وسائلها. ولكن إذا ما انقلبت هذه المعادلة، إقرأ علي طرفيها السلام، من الجدلية النهضوية إلي ثورتها المقدسة.لقد سجلت قمة اللاءات ضد إسرائيل قبل أربعين عاماً، حقيقة بدهية وهي أن جيوش النظام القديم قديمة مثله، وإن اشتعلت بعض قممه الحاكمة بالشعارات الثورية، ولفترة وجيزة كان خلالها التحرك السياسي يأخذ طابعاً سديمياً، أي متداخلاً ما بين التطلعات الطوبائية، المؤجلة بطبيعتها دائماً، وبعض الإنجازات الإيجابية، لكنها العائمة علي سطح الأشياء، دون الغوص إلي جذور المشكلات المسيطرة في كل ميدان، من تلك المرحلة، الموصوفة بالانتقالية ما بين عصريْ الاستعمار المباشر والاستقلال الوطني الهش.فلنقل الآن ان اجتماع الحكام العرب، الأول من نوعه علي الأقل، المنعقد في الخرطوم، وقبل أربعين عاماً، تلبية لدعوة جمال عبد الناصر، الخارج مختلفاً من نكسة حزيران، هذا الاجتماع، لم يمنح القمة، كما كان مأمولاً لها، صيغة المؤسسة القومية العليا التي كان ينبغي عليها أن تشكل ما هو أهم من مجرد مرجعية جماعية فحسب، وهو أن نقيم ثمة كياناً حقوقياً لتلك المشروعية التاريخية المفقودة طيلة عصر الغياب العربي عن ذاته، وعن حضوره في العالم. إنها مشروعية الكينونة الإنسانية التي ما فتئ الواقع المادي والحضاري ينحدر دونها بمسافات أخلاقية مصيرية مفزعة، ويتابع انحداره المفجع ذاك عبر كل الزمن الذي أعقب قمة الخرطوم، وصولاً إلي قمة التصفية الأخيرة الراهنة، ليس لتراث اللاءات وحدها، ولكن لمسلسل التنازلات عينه الذي لم يبقَ بعده ما يتنازل عنه النظام سوي آخر معالم استقلاله الوطني. سلن يخيف العرب خَوْضُ التنافس حربياً أو سلمياً مع إسرائيل، لكن المخيف حقاً هو أن المنافسة لم تكن عادلة، سواء في حقبة الصراع الحربي أو حقبة التنافس (السلمي) القادمة. فبينما كل إمكانيات إسرائيل مطلقة وحرة، وتستمد دعماً من جبابرة العالم، فإن العرب كما كانوا مكبلين كمجتمعات وشعوب بأنظمتهم الطاغية وممنوعين من المشاركة في قرار الحروب السابقة أو في ممارستها بكامل قواهم، كذلك لن يتاح لهم استخدام حريتهم الطبيعية في إنتاج إمكانياتهم وتنميتها بحسب دواعي مصالحهم الوطنية وحدها، خلال صراع التنافس المدني مع عدو الأمس. هذا النوع من الصراع المدني إن صح التعبير لن يكون والحالة هذه من صالح عربي، بل لن يمنحهم الأقل من فرص تحقيق الذات التي يتمتع بها الكيان الصهيوني بما لا يقاس من الفوارق نوعاً وكماً عن أحوال العرب. أما في صدد المتغيرات السياسية المنتظرة فهي لن تكون إلا من جنس مقدماتها الراهنية. فلقد تكوّن عملياً، وبعد هزيمة إسرائيل في عدوانها علي لبنان الصيف الماضي، محور إسرائيلي عربي بقيادة أمريكية مباشرة. إنه الحادث النموذجي لما سيليه من النسخ المكبرة عنه؛ بحيث ستصحو الأمة العربية ذات يوم قريب لتري أمامها أقطاب نظامها الحاكم أمسوا حلفاء طبيعيين مع إسرائيل وراء مشروعها الصهيوني، ضداً علي المشروع النهضوي العربي. حينئذ قد تتمّ تغطية إعلامية كبري لهذا التحول (التاريخي)، تحت مفردات ومصطلحات الليبرالية الجديدة، ومعها يجري افتتاح فروع اقليمية وقطرية لجماعة (المحافظين الجدد). ليس ذلك من أضغاث أحلام الغد البعيد، بل من وقائع الحاضر الكئيب؛ وانطلاقاً من عقد الاجتماع الحالي، باعتباره الدورة الأخيرة المرصودة لتصفية ما كان يسمي بمؤسسة القمة العربية؛ إذ ستولد علي أنقاضها المؤسسة الأخري للقمة الشرق أوسطية، تحت الجناح الأمريكي، وبرعاية وحراسة إسرائيل والصهيونية العالمية.لكن، ويا للعجب، يبدو أن النظام العربي لن (يربح) مشروعه الشرق أوسطي بسهولة وبديلاً عن ماضيه (القومي) الخائب. فإن رايس، في زيارتها الرابعة للمنطقة، وعبر زحمة لقاءاتها مع أقطاب الحلف العربي الممهد للحلف الأكبر مع إسرائيل، لم تستطع إقناع أولمرت بمد اليد إلي زملائه من بعض القادة العرب، إلا إذا كانت القمة الأخيرة تمهد الطريق النفسي والإجرائي، لما يعتبر بمثابة إعلان جماعي بطلب المصالحة، أي بمعني آخر اعتذار واستجداء العفو الاسرائيلي عما كان ارتكبه العرب من الإجحاف بـ (الحقوق) اليهودية، وبإنكار الدويلة العبرية، والانخراط طوعاً أو قسراً في مسلسل الحروب معها. أما الجواب علي الطلب الاسرائيلي الذي يصير ضغطاً أمريكياً كذلك مع (رايس)، فلا يبدو أن لسان حال (المعتدلين) من أقطاب القمة كان بالرفض المتلعثم بالقبول الضمني. فما دام النظام العربي، مع العديد من أعضائه الحاكمين، هو في حال تصالح واقعي (التبادل الدبلوماسي المغلف أو المكشوف، الزيارات المعلنة أو المكتوبة، التبادلات التجارية إلخ..)، ماذا سيعيقه عن إشهار صيغة الاعتذار والمصالحة، وهكذا كان، علي القمة أن تعيد طرح الصيغة في قالب المبادرة السعودية مخففة هذه المرة من بعض شروطها الأولي، التي تعطيها بعض التوازن الدبلوماسي وشيئاً من الكرامة الوطنية.إذن، إنها الحقبة السعودية التي اعتقدت أنها ورثت الحقبة الناصرية. ومن حينها استولت علي مؤسسة القمة. عملت علي (تطهيرها) تدريجياً من لاءاتها واحدة بعد الأخري؛ وصولاً إلي سقوط بغداد ـ الثاني تاريخياً ـ حيثما تسلمت المهمة بالكامل الحقبة الأمريكية. وها هي اليوم، ومع قمة التصفية، الراهنة، لبقايا رموز المشروع النهضوي، تجهد إدارتها البوشية قبل انقضائها، علي تكريس الحقبة الاسرائيلية، كتتويج لجهود الحقبتين السابقتين، إنها بانتظار التوقيع العربي الجماعي علي وثيقة التكريس النهائية.هل أدي النظام العربي مهمته.. التاريخية. صار نظاماً مفروغاً من حقيقته. أما الشعوب فهي التي لا تنوي مغادرة ساحاتها المحاصرة. فهي الشعوب التي لم ولن تصالح. هذه الممانعة هي لب الإشكاليات الأصلية التي لم تنجح الحقب الثلاث الأخيرة، السعودية فالأمريكية، فالاسرائيلية (قيد التنفيذ)، في اكتشاف أسمائها الحقيقية. وأولها هو أن ليست هناك سلطة قادرة علي جرّ شعبها إلي الحضن، أو الحضيض العبري.إذا كانت البوشية حالمة بخاتمة لفظائعها تتخطي تراثها كله، وذلك بإقطاع العالم العربي، ومن ورائه الإسلامي، للمشروع الصهيوني، فإنها ستكون كمن سيوفر الشرارات الضرورية لتفجير الحرب العالمية الثالثة. فلا سلام لإسرائيل لاحقاً إلا مع بعض النظام العربي. ولكن من يقول ان شياطين هذا النظام خالدون.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية