في الاسبوعين الماضيين عزل الملك السعودي اثنين من كبار المسؤولين، في إثر حادثة «الدالوة» بمنطقة الاحساء، هما وزير الاعلام عبد العزيز خوجة ونائب امير المنطقة الشرقية، جلوي بن عبد العزيز بن مساعد آل سعود. ثم عين الامير المذكور في منصب آخر. وسواء ارتبط ذلك التغيير بما جرى ليلة العاشر من المحرم عندما اطلق عدد من العناصر المتطرفة النار وقتل ستة من المشاركين في مراسم عاشوراء بالمنطقة المذكورة ام بتغير اولويات السياسة السعودية الداخلية، فان له مدلولاته غير القليلة. مثل هذه الحوادث لا يتكرر كثيرا في الجزيرة العربية، برغم انتشار ظاهرة الارهاب في البلدان المجاورة خصوصا العراق وسوريا واليمن. فماذا يعني ذلك؟ ما مدلولاته؟ وما هو سيناريو المتغيرات في داخل المملكة وكذلك في دول مجلس التعاون الخليجي؟ يمكن القول ان كلا من السعودية والبحرين هما الاكثر اضطرابا من بين الدول الست في المنظومة الخليجية. وفي الاعوام الاربعة الاخيرة دخلت السعودية في صراعات محلية واقليمية ودولية بهدف الحفاظ على النظام السياسي الذي اسسه الملك عبد العزيز بن سعود بشكل رسمي في 1932، والذي غير التوازن الاقليمي بشكل كبير. في السابق لم يكن من عادة الحكم السعودي الاقدام على خطوات سريعة كهذه، ولكن الواضح ان ما حدث بالاحساء كان خارجا عن التوقعات والخطط الرسمية. وبرغم اتهام الرياض بان لها دورا في تأجيج الصراع الطائفي في المنطقة الا انها ليست مستعدة لانتقال هذا الصراع إلى اراضيها. فهي تعلم ان اشعال النيران الطائفية لن يتوقف عند خطوط التماس بين المكونات المذهبية في الجزيرة العربية، بل قد يؤدي لاحتقانات سياسية لا توفر الاسرة الحاكمة نفسها. يضاف إلى ذلك ان الرياض استشعرت وجود اخطار كامنة تهدد النظام السياسي بشكل مشابه لما يجري في العراق او سوريا، وان توسع ذلك سيعرض نظام الحكم لمخاطر حقيقية من جهة، وقد يؤدي إلى تشطير الكيان السياسي الذي اقامه الملك المؤسس من حهة اخرى. فلكل من الاقاليم التي تشكل الكيان الملكي دوافعه للانتفاض ضد الحكم المركزي. فالمواطنون من المسلمين الشيعة في المنطقة الشرقية لهم اسبابهم الخاصة للتمرد بين الحين والآخر بسبب شعورهم بالتهميش وغياب خطط التنمية في منطقتهم التي تنتج غالبية النفط السعودي، بالاضافة لشعورهم بالتمييز الممنهج بسبب انتمائهم المذهبي المختلف عن المذهب الرسمي الذي يستند لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وللمنطقة الجنوبية التي تضم اقاليم نجران وعسير احساس بالغبن لاسباب مماثلة. اما الحجازيون فيشعرون كذلك بالتهميش ايضا، وباستهداف منظم لتراثهم الديني وآثارهم الإسلامية. ووفقا للتقارير فقد تم القضاء على اكثر من 90 بالمائة من ذلك التراث.
للاسباب المذكورة تعيش الجزيرة العربية هواجس الانفلات الأمني في اية لحظة، وجاءت حادثة الاحساء لتجعل ذلك القلق حقيقيا، ولتوقظ الساسة السعوديين، ربما للمرة الاولى منذ سنوات، على حقائق الواقع الذي لم يكونوا بمعزل عن خلقه. ومنذ اكثر من ثلاثين عاما، كانت المنطقة الشرقية مهدا للاضطراب السياسي. ففي الثمانينات حدثت فيها احتجاجات كثيرة قتل فيها العديد من المتظاهرين، وذلك على خلفية الثورة الإسلامية في ايران. وحين انطلقت الثورات العربية في 2011 شاركت المنطقة الشرقية باحتجاجات واسعة. وبرزت عناصر مؤثرة في ذلك الحراك، من بينها الشيخ نمر النمر الذي حكم القضاء السعودي عليه بالاعدام، وما يزال مصيره خاضعا للحسابات السياسية الدقيقة. وفي زيارته الاخيرة للرياض، طلب الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، من الملك السعودي عدم تنفيذ ذلك الحكم، ولم ترشح تفصيلات دقيقة حول الرد السعودي. وتعلم الرياض ان قضية النمر تحولت إلى عنوان آخر للتوتر السياسي الاقليمي نظرا للبعد المذهبي فيها، وان التنفيذ قد يؤدي إلى عاصفة سياسية وامنية اخرى تزيد الوضع السعودي تعقيدا. وجاءت حادثة الاحساء لتضفي ابعادا اخرى للاخطار الأمنية في البلد النفطي الاكبر في الشرق الاوسط.
وفي الاسبوع الماضي حدثت تطورات متسارعة على صعيد مجلس التعاون ادت إلى حلحلة توتر العلاقات في ما بينها. فبعد تأجيل الاجتماع الوزاي ، عقدت قمة عاجلة بالعاصمة السعودية ادت إلى تجميد الخلافات مع قطر، واعادة سفراء السعودية والامارات والبحرين إلى الدوحة، وهي خطة كانت تبدو مستعصية. وقد ادركت السعودية ان عدم انعقاد قمة الرياض الشهر المقبل سيؤدي إلى تصدع المجلس، الامر الذي سيفسر انه فشل كبير للدبلوماسية السعودية. ومن اهم اسباب توتر العلاقات الخليجية علاقة قطر بجماعة الاخوان المسلمين. وبرغم الجهود التي بذلها الشيخ صباح الاحمد، امير دولة الكويت، لرأب الصدع، الا ان حالة الاستقطاب تعمقت داخل مجلس التعاون الخليجي. وسبق انعقاد القمة المذكورة اعلان البحرين انسحابها من بطولة العالم لكرة اليد التي ستقام في قطر مطلع العام، فيما ردت قطر بالانسحاب من بطولة هواوي الأولمبية لكرة القدم المقرر أن تقام في البحرين. وكانت الكويت قد انسحبت هي الاخرى من تلك البطولة. يضاف إلى ذلك ان السعودية تواجه تمردا من داخل دول المجلس ازاء العلاقات مع كل من ايران والعراق. ومع تصاعد احتمالات التوصل لاتفاق ايراني – غربي حول المشروع النووي، واصلاح العلاقات بين الجانبين، فان السعودية مطالبة، هي الاخرى، بعدم تضخيم مخاطر المشروع النووي الايراني. وكان لافتا للنظر غياب سلطنة عمان عن قمة الرياض، الامر الذي يستدعي التوقف والاستفادة من السياسة العمانية التي تحرص على تحقيق التعاون مع الحفاظ على السيادة لكل من دول المجلس.
وفيما يطرح المثقفون السعوديون رؤاهم حول الاستراتيجيات السعودية المناسبة لمواجهة التحديات التي تواجهها، فان القليلين منهم يشير إلى ضرورة الاصلاح السياسي من قبل نظام الحكم. يروج هؤلاء لما يسميه «القبضة الأمنية» الشديدة لمواجهة استحقاقات جريمة الاحساء الاخيرة (خالد ابراهيم الحجي: السعودية في مواجهة التحديات الراهنة (الجزيرة، 11 نوفمبر). الواضح ان هناك قلقا محليا وغربيا مما سيؤول اليه الوضع السعودي في ضوء التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة. ويتعمق القلق بسبب التغاضي عن التغيير المطلوب على صعدان ثلاثة: الاصلاح الداخلي والتصدي لمصادر التطرف والعنف ورفض التناغم مع تطلعات الدول الاقليمية الاخرى نحو الديمقراطية والتصدي للاحتلال. فامن السعودية لن يتحقق الا بالتعاطي مع هذه القضايا. وهذا يتطلب ممن يهمهم امن السعودية ان يعملوا لتحقيق ما يلي: تحقيق امن الدول الاقليمية كافة، فلا يمكن ان تكون هناك دول مضطربة واخرى مستقرة، لان الحريق لا يعرف الحدود، بل يقفز عليها دائما، ثانيا: إلزام الرياض باصلاح نظامها الذي لم يعرف التطور منذ نشوء الدولة السعودية قبل اكثر من ثمانين عاما، ثالثا: وقف التدخل السعودي في شؤون الدول المجاورة ، ووقف استهدافها شقيقاتها بمجلس التعاون بسبب التباين في السياسات الخارجية، رابعا: اصلاح المؤسسات الدينية ، خامسا: الاعتراف بان امن المنطقة واحد لا يتجزأ وان الدول المجاورة تستحق شعوبها الاستمتاع باوضاع آمنة من الارهاب المدعوم بالاموال النفطية، سادسها: التناغم مع طموحات الشعوب العربية خصوصا بتحقيق قدر من الشراكة السياسية والتمتع بالحريات العامة ورفض الاحتلال والتوزيع العادل للثروة، واخيرا: فمن الضرورة بمكان، ان تسود روح التعاون الحقيقي اجواء المنطقة، خصوصا عبر ضفتي الخليج، وفي عموم الجزيرة العربية، من اليمن إلى عمان وقطر، إلى سوريا والعراق. وبدون ذلك سيظل الأمن مفقودا ليس في دمشق وبغداد والمنامة فحسب، بل في الرياض ايضا.
٭ كاتب وصحفي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي