قمة بوتين في طهران تحد للعزلة الغربية وتأكيد بقاء شراكاته حتى مع حلفاء أمريكا

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

أثناء رحلته إلى إيران في 19 تموز/يوليو، عمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ترسيخ التحالف الإيراني-الروسي الذي ظهر كثقل موازن كبير للجهود التي تقودها الولايات المتحدة لاحتواء خصوم الغرب.
التقى مع آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، الذي أصدر إعلانا لدعم حرب بوتين في أوكرانيا من النوع الذي لم تصله حتى البلدان الأخرى القريبة من روسيا حتى الآن. كما عقد بوتين لقاء قمة ثلاثيا مع الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، ونظيره التركي، الرئيس رجب طيب اردوغان، الذي كان موجودا أيضا في العاصمة الإيرانية، طهران. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (19/7/2022) أن زيارة بوتين بلورت تصميمه على صد محاولات معاقبة وعزل روسيا، والانخراط مع زملائه أعداء أمريكا مثل إيران ومع دول أخرى مثل تركيا – العضو في الناتو – التي تعتبر تحالفاتها أكثر تشابكا. وذهب دعم المرشد الأعلى أبعد من الدعم الحذر الذي قدمته الصين للكرملين، فقد تبنى خامنئي مزاعم بوتين بأن الغرب لم يترك له أي مجال سوى التحرك العسكري. وكانت تصريحات الإيرانيين وزيارة بوتين هي صورة عن إمكانية تحول العلاقة المشحونة بين البلدين والقائمة على الشك إلى شراكة حقيقية. وقال علي فائز، مدير القسم المختص بإيران في مجموعة الأزمات الدولية: «لا تزال روسيا وإيران لا تثقان ببعضهما البعض، لكنهما الآن بحاجة إلى بعضهما البعض أكثر من أي وقت مضى. لم تعد هذه شراكة اختيار، بل تحالف بدافع الضرورة». ولسنوات، كانت روسيا حريصة على عدم الاقتراب أكثر من اللازم من إيران، حتى مع وجود علاقة عدائية للبلدين مع الولايات المتحدة وتعاونهما عسكريا بعد تدخل روسيا في الحرب الأهلية في سوريا. بالنسبة لبوتين، حالت محاولاته لبناء علاقات مع إسرائيل والدول العربية دون إقامة تحالف كامل مع طهران.

أوكرانيا غيرت كل شيء

لكن الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير غير المعادلة. وبدأت العلاقة الودية بين البلدين حتى قبل بدء الحرب، حيث كانت التوترات الروسية مع الغرب تتصاعد. في كانون الثاني/يناير، ذهب الرئيس الإيراني إلى موسكو. ثم التقى الرجلان الشهر الماضي مرة أخرى في قمة إقليمية في تركمنستان، حيث سعى الزعيم الروسي إلى تعزيز الدعم من الدول المطلة على بحر قزوين. ومن السابق لأوانه معرفة مدى قدرة إيران حقا على مساعدة روسيا في الحفاظ على اقتصادها طافيا وسط الثقل الساحق للعقوبات الغربية – أو ما إذا كانت المنافسة في سوق الطاقة العالمية أو المصالح السياسية المتباينة قد تعرقل شراكتهما. وفي الوقت الحالي فهناك الكثير ما يربط بين إيران وروسيا، فحسب صحيفة «التايمز» (19/7/2022) يحكم كلا البلدين رجال يتمتعون بسلطات شبه غير محدودة – وينظر كلاهما إلى الغرب على أنه قوة شريرة ومفسدة، كما وتتمتع الدولتان بعلاقات وثيقة منذ سنوات عديدة. وحسب أندريه كورتونوف، رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي، الذي يقدم المشورة لوزارة الخارجية: «هذه زيارة مهمة لبوتين شخصيا. الكرملين لا يريد أن يسمح لنفسه بالعزلة دوليا». فقد أغلقت ما يقرب من 900 شركة غربية عملياتها في روسيا منذ بداية الحرب وأدى حظر الطيران الدولي إلى عزل البلاد. ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، وصف العقوبات الاقتصادية بأنها التكلفة الحتمية لما وصفه برفض الخضوع للغرب. وقال لوسائل إعلام إيرانية «هذا هو الثمن الذي تدفعه بلادنا وإيران مقابل استقلالهما وسيادتهما». وأضاف معيدا صياغة مقولة للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «لدينا قول مأثور في روسيا: ما لا يقتلنا، يجعلنا أقوى’». كما ويتم الترويج للزيارة في روسيا على أنها إنشاء ائتلاف جديد مناهض للغرب. وقال يفغيني بوبوف، مذيع التلفزيون الحكومي، إن الدولتين ستشكلان «محور الخير». إشارة ساخرة إلى وصف الرئيس جورج بوش الابن في عام 2002 لإيران والعراق وكوريا الشمالية بـ «محور الشر». ولطالما روجت الأصوات الموالية لإيران في الشرق الأوسط لفكرة أن «تحالف الاستقرار» – البلدان التي تركز على الاستقرار الداخلي على حساب حقوق الإنسان أو الحريات الشخصية – سيصبح مهيمنا مع انهيار الغرب لا محالة. وسيضم هذا التحالف روسيا وإيران وحلفاء إيران مثل حزب الله في لبنان. وستهيمن عليه الصين، وهو الأمر الذي يقول العديد من هؤلاء الأيديولوجيين إنهم يفضلونه على الهيمنة الأمريكية. وتقدمت إيران مؤخرا بطلب للانضمام إلى مجموعة بريكس التجارية للبرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. تم تقديم هذه الخطوة في موسكو كدليل على فشل المحاولات الغربية لعزل روسيا، حيث يمثل الأعضاء الحاليون أكثر من 40 في المئة من سكان العالم وحوالي 25 في المئة من الاقتصاد العالمي. قال كورتونوف: «إذا تعاونت جميع الدول المعزولة فلن تكون معزولة».

توترات

لكن هذا التجمع الجديد لا يخلو من التوترات. ويقال إن المتشددين الدينيين في إيران يعارضون الاقتراب الشديد من روسيا، وهي دولة علمانية تزداد فيها قوة الكنيسة الأرثوذكسية. على الجانب الآخر، فإن الطموح الجيوسياسي الرئيسي لإيران، تدمير إسرائيل، لا تشاركه فيه روسيا والصين، بشكل علني على الأقل. والأهم من ذلك، يعتقد أن إيران تتضرر اقتصاديا بعد أن تخلت الصين والهند عن نفطها لصالح الصادرات الروسية المخفضة الأسعار. كما أبرز انفصال بوتين الحاسم عن الغرب أوجه تشابه أخرى بين روسيا وإيران، حيث يصور قادتهما بلديهما على أنهما يخوضان صراعا بطوليا لمقاومة الهيمنة الأمريكية. كتب مايكل يونغ، خبير الشرق الأوسط في مركز أبحاث كارنيغي: «بالنسبة لقادة إيران، فإن النصر لا يتعلق فقط بهزيمة الطرف الآخر، إنه يتعلق بالمثابرة على المسار الأيديولوجي. والأمر نفسه ينطبق على روسيا في مواجهة عالم غربي أقوى».

سوريا

وجاءت المحادثات في طهران في إطار اجتماعات منتظمة بين روسيا وإيران وتركيا لبحث الحرب في سوريا، فقد جاء اردوغان ولديه طلب من الروس والإيرانيين بدعم عملية عسكرية في شمال سوريا ضد المقاتلين الأكراد الذين تراهم أنقرة تهديدا لأمنها. وقال المحلل الروسي فلاديمير سوتنيكوف لوكالة «فرانس برس» ان «توقيت هذه القمة ليس صدفة. تريد تركيا إجراء عملية خاصة في سوريا مثلما تنفذ روسيا عملية خاصة في أوكرانيا». ولم يحصل اردوغان على دعم موسكو وطهران ولكنه عاد باتفاق وافقت فيه روسيا على رفع الحصار عن الموانئ الأوكرانية في البحر الأسود وتسهيل عملية تصدير الحبوب الأوكرانية والروسية لتخفيف أزمة الغذاء العالمية التي تحمل أمريكا وأوروبا بوتين مسؤوليتها بسبب غزوه لأوكرانيا. وهذا لا يعني تخليه عن خطته للعملية العسكرية التي يراها ضرورية لمحاربة الإرهابيين وإنشاء مناطق آمنة لعودة اللاجئين السوريين، في محاولة منه لتخفيف حدة التوتر الداخلي بسبب استخدام المعارضة ورقة اللاجئين السوريين وفي ظل حملات انتخابية وأوضاع اقتصادية غير مواتية له وتهدد حظوظه في الرئاسة العام المقبل.

ما بين بايدن وبوتين

واللافت أن زيارة بوتين للمنطقة جاءت مباشرة بعد زيارة الرئيس جو بايدن وتعهد فيها بعدم تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها التقليديين، ولم تكن زيارة بايدن للسعودية بالتحديد وبوتين لطهران لتحدث لولا حرب أوكراينا، فالأول جاء بحثا عن طرق لتخفيف أسعار النفط وتخفيف الضغوط عليه، وبهذا تحولت الرحلة إلى نكسة كبيرة للمصالح الأمريكية، ما يؤكد ما كان يشتبه فيه الكثيرون منذ فترة طويلة: يمكن للحلفاء المفترضين عدم احترام الولايات المتحدة وإحراجها وتقويضها متى شاءوا، كما ناقش الزميل بمعهد بروكينغز وأستاذ الأبحاث المساعد في الدراسات الإسلامية في جامعة فولر الدينية، شادي حميد في مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتك» (22/7/2022). وبالنسبة لبوتين فقد جاء ليظهر انه ليس معزولا والكشف عن فشل الجهود الأمريكية لعزله. وأعلن السفير الروسي في طهران قبل فترة أن البلدين أصبحا الآن «قلعة واحدة». وتزعم الولايات المتحدة أن إيران تخطط لإرسال مئات من الطائرات المسيرة إلى روسيا واستخدامها في الحملة العسكرية في أوكرانيا، فيما وقعت شركة النفط الروسية غازبروم اتفاقية مع شركة النفط الحكومية.
ورأت صحيفة «الغارديان»(19/7/2022) أن إيران وروسيا تشعران ان اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة يتراجع رغم إعلان بايدن أن بلاده لن تغادر المنطقة وتتركها للصين وروسيا والهند، وفي الفراغ أعاد بوتين تأثير بلاده فيها. ومع ذلك فهناك من فرق بين زيارة بايدن وبوتين، فالأخير جاء ليشهد تراجع تأثير بلاده بالمنطقة حسب بوبي غوش في موقع «بلومبيرغ»(19/7/2022). وقال إن بوتين عليه ألا يظل واهما من أن زياراته هي على قدر أهمية زيارات بايدن وخاصة عندما يزور إيران. وإذا كان هناك شيء، فقد أدت الحرب في أوكرانيا لتراجع وضعية بلاده في المنطقة، بدلا من تقديمها حلولا جيوسياسية واقتصادية وأمنية للمشاكل التي خلفتها الولايات المتحدة من خلال فكها الإرتباط بالمنطقة. و«أصبحت روسيا الآن مصدر أزمات جديدة». وإن كان محرجا للرئيس بايدن أن يضرب قبضته بقبضة ولي العهد السعودي الذي تعهد يوما أن يجعله منبوذا فمن المحرج أكثر لبوتين أن يطلب أسلحة (طائرات مسيرة) من دولة منبوذة على مستوى العالم. وأضاف أن هدف بوتين متواضع، فهو يريد أن يحافظ على توازن القوة في سوريا التي تدعم فيها القوات الروسية والإيرانية والتركية الأطراف المتصارعة. في ظل المتطلبات التي تواجه جيشه في أوكرانيا، فبوتين ليس بحاجة إلى مشاكل تقلب الميزان في سوريا وتتطلب منه إرسال مزيد من القوات إلى هناك، في إشارة إلى تهديدات اردوغان بحملة عسكرية جديدة. ومن جهة أخرى، رأت صحيفة «ديلي تلغراف»(20/7/2022) أن قمة طهران هي بمثابة مواجهة متعمدة لزيارة بايدن الأخيرة إلى إسرائيل والسعودية، وهما خصمان رئيسيان لطهران في المنطقة. وأكدت على تداعيات العلاقة الجديدة وتأثيرها على دول أوروبا التي تتلقى الغاز والنفط الروسي. ورأى كون كوفلين في «تلغراف» (21/7/2022) أن عزلة موسكو الدولية بدت في الدعم الضئيل الذي اجتذبته في تصويت الأمم المتحدة في آذار/مارس لإدانة الغزو الأوكراني. ولم تنضم إلى روسيا سوى أربعة أنظمة استبدادية أخرى هي كوريا الشمالية وإريتريا وسوريا وبيلاروسيا، ولهذا فبوتين بحاجة ماسة إلى حلفاء جدد. ولا شك أن هذا هو الهدف الأساسي من زيارته إلى طهران. والغرض الحقيقي من قمة طهران هو استكشاف ما إذا كان من الممكن لهذه القوى المتنافسة أن تضع خلافاتها جانبا وتتحد في القضية المشتركة المتمثلة في مقاومة الضغط الغربي. وخلافا لصورة الضعف والعزلة التي اتسمت بها تحليلات المعلقين الغربيين رآى أخرون أن أمريكا هي المتراجعة، كما تحليلات بايدن كما ورد في مقال لجوش روغين في صحيفة «واشنطن بوست»(20/7/2022) قال فيه إن زيارة الرئيس بايدن الشرق الأوسط أزالت أي مظهر للقيادة الأمريكية وأنها تحاول معالجة الأزمة في سوريا. محذرا أن سياسة الإهمال هذه تضر بالمصالح الأمريكية والإقليمية وتهدد بوضع مسؤولية الأمن الإقليمي في عهدة كل من روسيا وإيران. ولاحظ الكاتب أن بايدن لم يذكر سوريا ولا مرة واحدة أثناء رحلته التي استمرت أربعة أيام في المنطقة، مع أن الزيارة قدمت باعتبارها صورة عن تواصل الإدارة مع المنطقة والتي حققت فيها قوى مثل إيران وروسيا تأثيرا واسعا.

لا يزال لبوتين شركاء

وناقش كل من ستيفن كوك وبيث سانز في مجلة «فورين بوليسي» (20/7/2022) أن واشنطن كانت تنظر إلى الرئيس بوتين، قبل الغزو لأوكرانيا على أنه أصبح سيد اللعبة الجيوسياسية. إلا أن الحرب كشفت عن روسيا ضعيفة، الأمر الذي سيقوض حتما نفوذ بوتين العالمي. ومع ذلك، على الرغم من كل أوجه القصور العسكرية الروسية والجهود الغربية لجعل موسكو منبوذة دوليا، فإن بوتين لا يظل لاعبا قادرا في الشرق الأوسط فحسب، بل لديه أيضا شركاء راغبون هناك. وزيارته لطهران دليل على هذا. وإذا كانت زيارة بايدن الأخيرة إلى السعودية تهدف جزئيا إلى تعزيز هذا النظام في عصر تنافس القوى العظمى، فلا يبدو أنه حقق كل هذا القدر. هذا لأن قلة في الشرق الأوسط يريدون الاختيار بين واشنطن وموسكو – أو واشنطن وبيجين. وفي هذه اللحظة، تتلاقى مصالح السعوديين مع الروس بكثير من مصالحهم مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأمن الإقليمي. وخارج الخليج، يرفض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أيضا عزل موسكو. بين عامي 2017 و 2021 كانت روسيا أكبر مورد للأسلحة لمصر تليها فرنسا وإيطاليا. كما تعاونت مصر وروسيا، إلى جانب الإمارات، في ليبيا، حيث قاتل جيش موسكو الخاص، مجموعة فاغنر، إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر. وبشكل عام، لا يريد قادة مصر – مثل قادة الخليج – أن يضطروا إلى الاختيار بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. في بعض النواحي، يعود هذا إلى «الحياد الإيجابي» للرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، حيث سعى إلى استغلال الخلاف بين القوى العظمى للحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدة. ويعلق الكاتبان أنه بالرغم من كل ما حدث في أوكرانيا، فالشرق الأوسط لا يبدو مختلفا تماما عما كان عليه قبل أن تبدأ الدبابات الروسية في الدخول للأراضي الأوكرانية. وهذا لا يبرز ضعف الولايات المتحدة كثيرا بل بالأحرى حقيقة أن موسكو تشترك في مجموعة منفصلة من الأهداف المشتركة مع جميع شركاء واشنطن تقريبا في المنطقة، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب. هذا يختلف تماما عن عودة الحرب الباردة التي يستنتجها بعض المحللين. إنها بدلا من ذلك بيئة فوضوية وأكثر تحديا لصانعي السياسة الأمريكيين الذين ما زالوا متناقضين بشأن الشرق الأوسط. فمن منظور كل من السعوديين والمصريين والإماراتيين والأتراك والإسرائيليين وغيرهم، تعتبر روسيا لاعبا شرعيا بطرق لا يرجح أن تغير فيها الزيارة الرئاسية الأمريكية السريعة من الحال وفي أي وقت قريب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية