قمة عربية أحاطها الكثير من التفاؤل لم تظهر نتائجها بعد
د. بشير موسي نافعقمة عربية أحاطها الكثير من التفاؤل لم تظهر نتائجها بعد لم يثر مؤتمر قمة عربي منذ سنوات مثل الاهتمام الذي أثاره مؤتمر الرياض. الأسباب خلف هذا الاهتمام متعددة: منها أن المؤتمر يعقد في عاصمة واحدة من الدول العربية الرئيسية، التي أظهرت خلال الشهور القليلة الأخيرة قدراً كبيراً من النشاط السياسي والدبلوماسي؛ ومنها التأزم البالغ الذي يحيط بعدد من القضايا العربية وارتفاع مستوي الترقب الجمعي العربي لما يمكن أن يقوم به قادتهم من جهد للتعامل مع هذه القضايا؛ ومنها، بالطبع، التحركات الأمريكية المتسارعة في ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بعد إهمال وتجاهل طويلين. وبالرغم من الانقسامات التي شابت الساحة السياسية العربية علي صعيد العلاقات بين الدول خلال العامين الماضيين، فقد فاجأ الزعماء العرب شعوبهم بعقد قمة خالية من الانقسامات والصدام، أللهم إن استبعدنا غياب الرئيس الليبي عن القمة، وهو الأمر الذي لم يترك صدي خاصاً علي أية حال. علي نحو من الأنحاء، أحاط بهذه القمة قدر كبير من التفاؤل، التفاؤل الذي أطلقه المضيفون ووسائل الإعلام العربية القريبة منهم، والرغبة العربية العامة في التفاؤل. وربما يمكن القول ان القمة كانت جيدة بالفعل، إن نظرنا إليها من منظار بيانها الرسمي والعلاقات المتطورة بين دول النظام العربي؛ وذلك ما عدا النص المتعلق بالعراق. ولكن النتائج الحقيقية للقمة لم تظهر بعد، ويتعين ربما الانتظار قبل أن تتضح جدية الدول العربية في تحويل التزاماتها إلي سياسات فعلية.واجهت القمة عدد من الملفات السياسية الكبري، بما في ذلك المسألة الفلسطينية، الوضع العراقي المتدهور، والأزمة اللبنانية، بينما احتلت مسألتا دارفور والاحتلال الأثيوبي للصومال موقعاً أقل بروزاً. علي أن تعامل القمة مع القضايا الثلاث الأكثر أهمية لم يأت بمستوي واحد ولا بطريقة واحدة. المسألة الفلسطينية كانت هي محور المؤتمر، سواء في الخلفية السياسية والدبلوماسية للقمة، في نص إعلان الرياض وبيان القمة التفصيلي، أو في ما أرادت القمة إرساله من رسائل للعالم. جاءت القمة بالطبع بعد النجاح السعودي في لقاء مكة المكرمة وضع نهاية، ولو مؤقتة، للصراع الذي تفجر بين حركة حماس وبعض أجنحة فتح. وقد ذهب الفلسطينيون إلي القمة، بخلاف اللبنانيين، بوفد موحد، عزز وضع حكومة الوحدة الوطنية. ولكن المفهوم، فلسطينياً وعربياً، أن مصالحة مكة وتشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية والقمة العربية تعني خطوات جادة وحقيقية نحو فك الحصار المفروض علي الشعب والسلطة منذ تسلمت حماس مقاليد الحكم مطلع العام الماضي. والحصار، كما هو معلوم، لم يكن حصاراً أمريكياً وأوروبياً، بل وعربيا كذلك. بالتغيير الذي شهدته الحكومة الفلسطينية، وبالرعاية العربية المباشرة لهذا التغيير، وبأجواء التضامن التي أطلقتها القمة، لم يعد من المبرر استمرار الحصار، بل وأصبح من الممكن للدول العربية أن تكسر الحصار، حتي إن كان هذا الموقف مخالفاً لرغبات الأصدقاء الأمريكيين والأوروبيين. بيان القمة طبعاً لم يغفل هذه المسألة، ودعا بالفعل إلي رفع الحصار، ولكن علينا الانتظار لنري ما تعنيه قرارات ومواقف القمة علي الأرض.وقد احتلت المبادرة العربية، التي أطلقت في مؤتمر بيروت قبل خمس سنوات، مركز الاهتمام العربي والعالمي بالقمة. والسبب واضح إلي حد كبير؛ فقد جاءت القمة وسط تحرك أمريكي نشط لإعادة إطلاق عملية السلام، بدافع تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير ما لإدارة تعاني من الفشل الذريع في كل ما يتعلق بسياستها الخارجية، أو بهدف تهدئة الوضع الفلسطيني للتحضير لهجوم أمريكي علي إيران. ولأن وزارة الخارجية الأمريكية اكتشفت فجأة المزايا العظيمة للمبادرة العربية ذات السنوات الخمس، وأن وزيرة الخارجية الأمريكية لامت العرب علناً لفشلهم في تسويق المبادرة (وكأن مبادرة بهذا الحجم تتعلق بقضية بهذا الحجم يتعامل معها كسلعة)، فقد ثارت ضجة كبيرة حول ما يمكن أن يعنيه تفعيل المبادرة . توقعت بعض الدوائر، وطالب الإسرائيليون صراحة، تعديل المبادرة، لاسيما البند الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين. ولكن القمة العربية ثبتت علي موقفها وأعادت إطلاق المبادرة كما هي. ما الذي سيعنيه إذن تفعيل المبادرة، ليس واضحاً علي وجه اليقين. المبادرة العربية ليست في الحقيقة مبادرة جيدة من ناحية حفاظها علي الحد الأدني من المصالح والحقوق العربية؛ وحتي صيغة البند المتعلق بحق اللاجئين في المبادرة هي صيغة عمومية، وتستبطن إمكانية التفاوض علي هذا الحق. بيد أن إعادة إطلاق المبادرة وسط هذا الاهتمام الأمريكي والعالمي أمر إيجابي؛ فقد تعهدت الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي ككل، ممثلاً بما يعرف باللجنة الرباعية، إيجاد حل للصراع علي فلسطين يستند إلي إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة. والمبادرة العربية تتضمن قبولاً عربياً شاملاً بوجود الدولة العبرية، وتعهداً بإقامة علاقات طبيعية مع الدولة العبرية حال تم التوصل إلي اتفاق سلام شامل في المنطقة. عندما أطلقت المبادرة العربية للمرة الأولي، رفضت تلقائياً ومباشرة من الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون، وما أن أطلقت ثانية حتي وجدت الموقف نفسه من حكومة أولمرت. خلف التصريحات المرحبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي وأركان حكومته، يدور الموقف الإسرائيلي حول ما طالبت به الدولة العبرية العرب دائماً: تطبيع ومفاوضات مفتوحة، بدون شروط ولا وعـــود ولا أفق أو مرجعية واضحة. في مواجهة هذا الوضــع، أي في حال لم تجد المبادرة العربية أذناً صاغية من الجانب الإسرائيلي، ولا تحركاً أمريكياً جاداً لدفع عمــلية السلام، فما هو الموقف الذي سيأخذه العرب؟ هل تصبح السياسة العربية أكثر تشدداً في مواجهة خصم لا يبدو أنه يريد حقاً التوصل إلي سلام عادل مع العرب، أو أن العرب سيعودون إلي سيرتهم السابقة ويقدمون علي تنازلات عن موقفهم المعلن في المبادرة؟النص المتعلق بالأزمة اللبنانية لم يكن نصاً هاماً، ولا يجب النظر إلي تعامل القمة مع لبنان من باب نص بيان القمة. التعامل مع لبنان تم بوسائل أخري، وبالمصالحة السورية ـ السعودية علي وجه الخصوص. الخلاف السعودي ـ السوري وانفراط عقد التحالف العربي الثلاثي (مصر، السعودية وسورية) هي مسألة المسائل في الساحة العربية السياسية. وبالرغم من أن اغتيال الرئيس الحريري، والتفاقم التدريجي للأزمة اللبنانية الذي أوصل لبنان إلي حالة من الشلل خلال الأشهر القليلة الماضية، أوصلا العلاقات السورية ـ السعودية إلي أدني مستوياتها منذ عقود، فإن انفراط عقد التحالف الثلاثي يعود إلي الخلافات الجوهرية في مواقف الدول الثلاث من الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله. بذلت القاهرة مؤخراً بعض الجهد للتوصل إلي مصالحة مع دمشق، ولكن حتي لحظة انعقاد القمة لم يكن واضحاً ما إن كان الجهد المصري منصباً علي مساعدة السعودية إنجاح القمة وحسب، أم أن هناك تصوراً مصرياً لإعادة بناء تفاهم ثلاثي صلب. ما شهدته القمة كان ملفتاً؛ فقد عقد الرئيس الأسد والملك عبد الله لقاء طويلاً قبل بدء جلسات القمة، ثم تواصل اللقاء بين الأسد ووزير الخارجية السعودي، وبين وزيري خارجية البلدين؛ إضافة إلي لقاء بين الأسد والرئيس مبارك. الانطباع الذي خرج به الجانب السوري كان إيجابياً، ولكن أحداً لم يسمع كثيراً من الجانبين السعودي والمصري، سوي عزم العواصم الثلاث علي استئناف التشاور. المسألة الهامة أن محاولة بناء مركز ثقل عربي من مصر والسعودية والأردن قد أخفقت، كما أن محاولة سورية تأمين دورها العربي ببناء تحالف وثيق مع إيران أخفقت هي الأخري. الخلافات المصرية والسعودية مع سورية أصابت الوضع العربي الرسمي بالشلل، وفجرت أزمات خطرة، تأتي الأزمة اللبنانية في مقدمتها، إضافة إلي عجز عربي واضح في التعامل مع دول الجوار العربي الرئيسية. ما شهدته القمة علي صعيد ترميم العلاقات بين الدول الثلاث هو هام بلا شك، ولكن المهم هو ما سيحدث بعد القمة. هل يستمر السعي لتصفية الخلافات بين دمشق والرياض والقاهرة، وبالتالي إيجاد مخرج عربي وكريم للأزمة اللبنانية، أم أن الوضع اللبناني سيبقي أسير التدخلات الدولية؟ وهل أدركت العواصم الثلاث ضرورة علاقاتها التحالفية الوثيقة لمجمل الوضع العربي، أم أن الخلاف بين الدول الثلاث أصبح أسيراً لعلاقات كل منها مع الخارج غير العربي، ولمخططات وسياسات هذا الخارج في المنطقة العربية؟القضية الثالثة هي بالطبع قضية الوضع العراقي المتفاقم. وكان العاهل السعودي فاجأ العرب والأمريكيين علي السواء بقوله ان العراق يخضع لاحتلال غير شرعي. وبالنظر إلي العلاقات السعودية ـ الأمريكية الوثيقة، وإلي الموقف السعودي (وموقف دول عربية أخري بالتأكيد) المؤيد للغزو الأمريكي للعراق، فإن اللغة التي استخدمها الملك عبد الله في ما يتعلق بالعراق تشي بإدراك سعودي متزايد بالإخفاق الأمريكي ورغبة الرياض في وضع مسافة بينها وبين إدارة أمريكية تمضي الآن نحو الأفول، علي الأقل بخصوص العراق. ولكن الجزء الخاص بالعراق في بيان القمة جاء ضعيفاً وعمومياً، وكأن هناك من يريد تجنب الخوض في حقائق وأسس القضية العراقية. طوال السنوات الأربع الماضية، ترك النظام العربي العراق لمصيره وللقرار الأمريكي، والعالم كله يري الآن حجم الكارثة التي أوقعها الغزو وسياسة الاحتلال بالعراق وشعبه. مشكلة العراق، كما يعترف الآن حتي بعض السياسيين العراقيين المتعاونين مع الاحتلال، هي في الاحتلال أولاً وفي أسس دولة ما بعد الغزو ثانياً. وإن كان العرب يستشعرون الخطر الذي يمثله الوضع العراقي المتفاقم علي وضعهم ككل، بما في ذلك تصاعد المسألة الطائفية، وعلي أمنهم كأمة ومجال جغرافي، فعليهم التعامل مع جذر المشكلة العراقية. خلال السنة الأخيرة، علي الأقل، أعربت أكثر من دولة عربية عن قلقها تجاه السياسة الأمريكية في العراق، سواء في ما يتعلق بالحفاظ علي وحدة العراق أرضاً وشعباً أو ما يتعلق بتدخلات إيرانية في الشأن العراقي، وسعت هذه الدول بالفعل لدور أكبر في المساعدة علي إخراج العراق من الهــوة التي أوصله الاحتلال إليها. ولكن الطريقة التي حددت فيها القمة موقفها من الشأن العراقي لا تشي بعزم العرب مواجهة مسؤولياتهم في العراق بجدية كافية.لهذه الأسباب مجتمعة، ينبغي التريث في الحكم علي القمة العربية. ليس فقط لأن سجل النظام العربي لا يوحي دائماً بالتفاؤل، بل أيضاً لأن قضايا المنطقة العربية الرئيسة وصلت إلي حد من التدهور لم يعد يسمح بحسن النية تجاه النظام العربي الرسمي، أو بإعطائه المزيد من الفرص.ہ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9