القاهرة- “القدس العربي”: سعت القاهرة لإخراج زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون التي بدأت الأحد وتمتد لثلاث أيام، وهي الأولى لماكرون منذ توليه منصبه عام 2017، بطريقة تبعث برسائل سياسية عديدة، بدءا من استقبال طائرات الرافال له مع دخوله الأجواء المصرية، وصولا إلى تجوله بصحبة نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في منطقة خان الخليلي في القاهرة التاريخية التي يعود إليها مسقط رأس الرئيس المصري.
ورافقت مجموعة من طائرات “رافال” الفرنسية ماكرون لحظة الوصول، في استعراض جوي أعاد تسليط الضوء على واحدة من أقوى المقاتلات في العالم، والتي دخلت الخدمة ضمن القوات الجوية المصرية في السنوات الأخيرة.
وكانت مصر أول دولة في العالم تحصل على مقاتلات الرافال من فرنسا خارج القوات الفرنسية نفسها، ما يعكس مستوى التعاون بين الجانبين، وأهمية مصر كحليف استراتيجي لباريس في المنطقة.
وعززت الخطوة من القدرات القتالية للقوات الجوية المصرية، وفتحت الباب أمام شراكات جديدة في مجالات التسليح والتكنولوجيا العسكرية.
ويرى مراقبون أن استقبال الرافال للرئيس الفرنسي بجانب ما حملته من رسائل تعاون بين البلدين في مجال التسليح، فإن مصر بعثت من خلالها برسالة أخرى عن تنوع سلاحها وسط تصاعد التوتر في المنطقة على خلفية العدوان الإسرائيلي في قطاع غزة، ورفض مصر مخطط تهجير أهالي القطاع الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكانت مصر تعتمد على التسليح الأمريكي منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 والمعروفة إعلاميا بمعاهدة كامب ديفيد، والتي حصلت بعدها مصر وإسرائيل، على معونة اقتصادية وأخرى عسكرية سنوية، تحولت منذ عام 1982 إلى منح لا ترد بواقع 3 مليارات دولار لإسرائيل، و2.1 مليار دولار لمصر، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية.
وأفاد حساب متخصص في الصناعات العسكرية الجوية على منصة “أكس” يدعى “هورين” بأن مصر تسلمت مطلع الشهر الجاري الدفعة الأولى من مقاتلات السيادة الجوية الصينية “جيه-10 سي إي” (J-10CE)، المزودة بصواريخ جو-جو بعيدة المدى من طراز PL-15 القادرة على التعامل مع أهداف تصل إلى 300 كيلومتر خارج المدى البصري، وهي تضاهي الطراز الحديث من مقاتلات “أف-16” الأمريكية.
ولم يصدر حتى الان إعلان مصري رسمي لنفي أو تأكيد الصفقة.
ومنذ تولي السيسي منصبه عام 2014، سعت مصر للتنويع من مشترياتها العسكرية، فبين عامي 2015 و2019 أصبحت مصر ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم، وثاني أكبر مستورد للأسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد السعودية.
وتراجعت واردات مصر من السلاح الأمريكي إلى 23 في المئة من إجمال وارداتها من السلاح خلال العقد الماضي، مقارنة بـ75 في المئة خلال العقد الأول من القرن الـ21.
وبعيدا عن التسليح، حرص السيسي خلال زيارة ماكرون على محاولة تحسين صورته العالمية، باعتباره رئيسا يحظى بالتفاف شعبي، من خلال اصطحاب نظيره الفرنسي في جولة في منطقة الحسين وخان الخليلي في القاهرة التاريخية.
وتجوّل السيسي وماكرون بين الأزقة المزدحمة بالمواطنين، وتبادلا الأحاديث الودية مع الباعة والزوار، قبل أن يتشاركا العشاء في أحد مطاعم المنطقة.
ووجه ماكرون كلمات شكر وتقدير لنظيره المصري وللشعب على حفاوة الاستقبال وروعة الضيافة.
وقال ماكرون، في تدوينة عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”: “شكرا للرئيس السيسي وللشعب المصري على هذا الاستقبال الحار”.
وأضاف ماكرون، في التدوينة التي نشرها باللغتين العربية والفرنسية: هذه الحماسة، وهذه الأعلام، وهذه الطاقة التي تليق بخان الخليلي: تحية نابضة للصداقة التي تجمع بين مصر وفرنسا.
وقال السيسي، لنظيره الفرنسي خلال الجولة إنه ولد في هذه المنطقة، قائلا: “أنا حضرت اليهود والإنكليز والغريك، والأرمن في المنطقة”.
ووفق برنامج الزيارة المعلن، يزور ماكرون جامعة القاهرة، اليوم الإثنين، لحضور فعاليات ملتقى الجامعات المصرية الفرنسية، الذي يستهدف توقيع اتفاقيات أكاديمية وبحثية جديدة تخدم مسارات التبادل الطلابي وتطوير البرامج المشتركة.
ويرافق الرئيس الفرنسي وفد رفيع المستوى على رأسه وزير التعليم الفرنسي، وعدد من مسؤولي الجامعات الفرنسية، لاستعراض الفرص المتاحة للتعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية المصرية.
ويشهد الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، اليوم، فعاليات المؤتمر المصري الفرنسي للتعليم العالي والبحث العلمي، بحضور نظيره الفرنسي فيليب بابتيست وزير التعليم العالي الفرنسي، وعدد من رؤساء الجامعات المصرية والفرنسية وقيادات التعليم العالي في البلدين، ورؤساء المراكز والمعاهد البحثية، وعدد من الشركات الفرنسية العاملة في مصر.
وأصدرت جامعة القاهرة تعميما للكليات بتعليق الدراسة وامتحانات منتصف الفصل الدراسي، على أن يتم تعويض وعقد امتحانات ومحاضرات هذا اليوم في يوم لاحق.
ومن المقرر أن يعقد السيسى وماكرون اليوم، جلسة مباحثات ثنائية تتناول العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيزها.
كما سيتم التباحث بشأن أهم موضوعات التعاون المطروحة خلال الزيارة، وآفاق تعزيزها بما يتفق مع مصالح البلدين الصديقين، وعلى رأسها تطورات الأوضاع فى قطاع غزة واستعراض الجهود المصرية المبذولة لوقف إطلاق النار وإنفاذ المساعدات، فضلا عن بحث تطورات الأوضاع فى المنطقة.
وكانت الرئاسة المصرية أعلنت أن القاهرة ستستضيف اليوم، قمة ثلاثية بشأن غزة تجمع الرئيسين السيسي وماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وذلك على وقع تصاعد وحشية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وقال الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون العربية في مجلس النواب المصري، إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة وعقد قمة ثلاثية مرتقبة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، تمثل نقلة نوعية في مسار التحركات السياسية والدبلوماسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتعكس في الوقت ذاته حجم الثقة الدولية في الدور المصري كضامن للاستقرار في المنطقة.
وقال محسب، في بيان له، إن توقيت الزيارة بالغ الحساسية، حيث تأتي في ظل تصاعد الأوضاع في قطاع غزة، واستمرار العدوان على المدنيين، وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق، لافتا إلى أن القاهرة تتحرك على أكثر من صعيد لوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات إلى القطاع، وضمان التهدئة، وهو ما يحظي بدعم وتقدير دوليين، خاصة من دول الاتحاد الأوروبي.
وأضاف عضو مجلس النواب، أن السيسي نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانة مصر كفاعل إقليمي رئيسي، قادر على التفاوض والتواصل مع كافة الأطراف المعنية، موضحا أن استضافة القاهرة لقمة ثلاثية تجمع مصر وفرنسا والأردن يؤكد التنسيق العميق بين هذه الدول الثلاث في الرؤية تجاه مستقبل القضية الفلسطينية، ويعزز من إمكانية الدفع نحو مبادرة سياسية جديدة تستند إلى مبدأ حل الدولتين.
ولفت محسب، إلى أن مشاركة الرئيس الفرنسي في هذه القمة تؤكد رغبة باريس في لعب دور أكثر فاعلية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل غياب واضح للقوى الدولية تجاه ما يحدث في غزة، موضحا أن مصر والأردن يمتلكان علاقات مباشرة ومفتوحة مع الفلسطينيين، وهو ما يجعل من هذه القمة منصة مؤثرة لصياغة رؤية عملية تضع حدا للأزمة الممتدة.
وأكد محسب أن القمة الثلاثية ستكون لها انعكاسات مهمة، سواء في تحريك المياه الراكدة دبلوماسيا، أو في حشد الجهود الدولية لدعم المبادئ الأساسية التي تتبناها مصر وعلى رأسها وقف إطلاق النار فورا، ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، وإطلاق عملية سياسية شاملة قائمة على احترام قرارات الشرعية الدولية.
وشدد وكيل لجنة الشئون العربية، على أن العلاقات المصرية الفرنسية تشهد تطورا كبيرا على مختلف الأصعدة، سواء في مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار، أو في التنسيق السياسي حول قضايا المنطقة، لافتا إلى أن اللقاء المرتقب بين السيسي وماكرون سيشمل أيضا بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية، ودعم المصالح المشتركة في إطار من التفاهم والاحترام المتبادل.