العالم ليس في حاجة لصدمة اقتصادية جديدة لأنه يتعرض منذ عام 2020 إلى ما يكفي من صدمات من صنع البشر والبيئة وما بينهما، ما يزال يحاول التخلص من تداعياتها. وبينما تجتمع قيادات مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في هيروشيما في اليابان، المكان الذي يعيد للعالم الذكرى المؤلمة لاستخدام القنابل النووية في نهاية الحرب العالمية الثانية بواسطة الولايات المتحدة، فإن هذا البلد الذي يقود كبرى الدول الصناعية، يواجه أزمة مالية حادة، تهدد العالم كله بصدمة اقتصادية جديدة هي أزمة سقف الدين الأمريكي المشتعلة بين البيت الأبيض والكونغرس. الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن يشارك في القمة، وهو أضعف ما يكون، بعد فشل اجتماعه مع رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي للوصول إلى حل وسط، يضمن موافقة الكونغرس على رفع سقف الدين، لتجنب تعثر الحكومة الأمريكية في سداد الديون المستحقة عليها والالتزامات المالية اليومية للإدارة، ومنها رواتب الموظفين، ومعاشات المتقاعدين، ومستحقات الموردين كاملة وفي موعدها، اعتبارا من أول الشهر المقبل. أزمة سقف الدين الأمريكي، في حال استمرارها بدون حل، ستؤدي أيضا إلى تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، وتعقيد أزمة الديون الفيدرالية، إذ سترتفع أسعار الفائدة أكثر مما هي عليه الآن، وستنهار أسعار سندات الخزانة الأمريكية، وستتعرض سوق الأسهم لضغوط شديدة.
الرئيس الأمريكي يعلم أن الاقتصاد العالمي يعاني من تداعيات صدمات متعددة في وقت واحد، منها صدمات صنعتها السياسة الأمريكية، سواء بواسطة البيت الأبيض مثل حرب أوكرانيا والحرب التجارية والتكنولوجية ضد الصين، أو بواسطة السلطات النقدية، مثل رفع أسعار الفائدة وتدهور الرقابة على النظام المصرفي الأمريكي. وفي هذا السياق، فإن القمة تناقش ضرورة اليقظة للمخاطر المتعددة التي تهدد الاقتصاد العالمي، وتدعو البنوك المركزية إلى وضع التضخم تحت السيطرة، واتخاذ الإجراءات الضرورية لتخفيضه. كما تعتزم الدول السبع إطلاق نظام جديد يربط بين حلقات سلاسل القيمة العالمية فيما بينها، بهدف حصار الصين اقتصاديا، وخلق نظام عالمي جديد لسلاسل الإمدادات العالمية بدونها. ومن المرجح أن يبدأ هذا النظام بصناعات الرقائق الإلكترونية. كذلك فإن مناقشات القمة تضمنت تشديد الحصار على روسيا. ومع أن وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية للدول السبع كانوا قد ناقشوا موضوع أزمة الدين الحكومي الأمريكي، فإن بيانهم الختامي خلا من ذكر الأزمة، انتظارا لاحتمال نجاح الرئيس في حلها.
مصدر لعدم الاستقرار
ويمثل الدين الحكومي واحدا من أكبر المشاكل التي تهدد استقرار النظام الاقتصادي العالمي. وقد حذر ديفيد مالباس رئيس البنك الدولي من خطورة تأثير ديون الدول الصناعية المتقدمة، التي وصلت إلى معدلات مرتفعة من الناتج المحلي لم يشهدها العالم من قبل. ومن ثم، فإن أزمة ديون الدول النامية تتضاءل أمام أزمة سقف الدين الأمريكي. جانيت يلين وزيرة الخزانة الأمريكية قالت إن الحكومة قد تتعثر في خدمة الدين المستحق عليها للمرة الأولى منذ عام 1789. وقد وصل حجم الدين الفيدرالي الأمريكي حتى الآن إلى 31 تريليون دولار، بما يعادل 131 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وفي الأيام الأخيرة من الشهر الحالي، يقتصر التمويل المتاح للحكومة على ما يتراوح بين 300 إلى 400 مليار دولار كحد أقصى حتى نهاية ايلول/سبتمبر، بعده تخلو تماما الخزانة الفيدرالية من النقود، وتتوقف الحكومة عن إصدار شيكات لسداد التزاماتها. ويمثل التعثر في سداد الدين الفيدرالي تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي. ولذلك فإن وزير الدفاع لويد أوستن حذر من استمرار الأزمة الراهنة، وناشد أعضاء الكونغرس تجنب توقف إصدار شيكات رواتب العاملين المدنيين والعسكريين ومعاشات المتقاعدين، ومستحقات الموردين المقرر تحويلها إليهم في النصف الأول من الشهر المقبل، التي تبلغ 28 مليار دولار تقريبا.
لعبة اللوم المتبادل
ويدافع جوزيف بايدن عن نفسه باتهام الجمهوريين بأنهم وراء زيادة الدين الفيدرالي بنسبة 40 في المئة خلال فترة الإدارة الأخيرة فقط، بما في ذلك إقرار برنامج للإنفاق على إجراءات مواجهة جائحة كورونا بقيمة 2.2 تريليون دولار بواسطة الرئيس السابق. وعلى هذا الأساس رفض بايدن، لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، إجراء أي مفاوضات مع الجمهوريين بشأن شروطهم للموافقة على رفع سقف الدين. وتتضمن هذه الشروط فرض تخفيضات إجبارية على برامج الإنفاق الاجتماعي مثل الرعاية الصحية، والاقتصادي مثل برامج تخفيض التضخم ودعم الشركات الصناعية الأمريكية خصوصا شركات إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وبرامج تمويل رصف الطرق. ويعتبر بايدن أن تقييد تنفيذ هذه البرامج من شأنه الإضرار بالأمن القومي الأمريكي وإضعاف مكانة أمريكا التنافسية في العالم. ولكن بايدن تراجع عن رفض المفاوضات بعد الموقف المتشدد لمجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون. وقد طرح خلال لقائه الأخير مع كيفن مكارثي يوم الثلاثاء الماضي حلولا للأزمة تتضمن وضع قيود على الميزانية السنوية للعام المالي المقبل، لكنه رفض أي تنازل في طلبه رفع سقف الدين الحكومي، ويسانده في ذلك مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، الذي يطالب بإلغاء سقف الديون الفيدرالية تماما. ويقول الديمقراطيون أنه حتى إذا التزم الجمهوريون في الكونغرس بعدم إدخال أي تخفيضات على الإنفاق الدفاعي في الميزانية، فإن نسبة التخفيضات في القطاعات الأخرى ستصل إلى 22 في المئة.
تهديد المكانة العالمية لأمريكا
تضيف أزمة سقف الدين الفيدرالي الأمريكي سببا جديدا إلى أسباب إضعاف المكانة العالمية للولايات المتحدة. ففي الوقت الذي تتزايد فيه الجهود المنظمة لتخفيض الاعتماد على الدولار عالميا، من جانب روسيا والصين ودول مجموعة بريكس والدول النامية التي تعاني من الآثار السلبية لسياسة «الدولار القوي» التي تستعين برفع أسعار الفائدة بدعوى مكافحة التضخم، فإن تعثر الولايات في سداد ديونها بسبب سقف الدين الفيدرالي، من شأنه أن يضرب الثقة في النظام المالي الأمريكي، الذي يمثل حتى الآن أهم ركائز القوة الاقتصادية الأمريكية، أكثر من الدولار. ويعتبر انهيار الثقة في النظام المالي أخطر من انهيار الثقة في الدولار. ورغم وجود الكثير من الحلول الوسط التي يمكن أن تساعد على تجنب توقف الحكومة الأمريكية عن سداد التزاماتها بأكملها وفي توقيتها المحدد اعتبارا من أول الشهر المقبل، إلا أن اللعبة السياسية بين الحزبين الكبيرين، مع اقتراب عام الانتخابات الرئاسية، ترجح استمرار الصراع بينهما على ضفتي أزمة سقف الدين حتى الساعات الأخيرة من اليوم الأخير من الشهر الحالي. بل إن هناك احتمالات استخدام بعض الحلول الجزئية مؤقتا مع دخول الشهر المقبل، مثل إتاحة مبلغ يقدر بحوالي 30 مليار دولار، لم يتم إنفاقه من صندوق مواجهة جائحة كورونا، وتمكين الإدارة من إنفاقه في سداد التزامات أخرى عاجلة كليا أو جزئيا. كما يمكن للكونغرس أيضا أن يقترح برنامجا مؤقتا للتمويل حسب أهمية الأولويات.
رجل العالم المريض
ولذلك فإن موقف الرئيس الأمريكي في قمة الدول الصناعية ليس موقفا قويا، ولا يساعد على دعم سياسته المطروحة رسميا ضد كل من روسيا والصين في القمة، فقد أصبحت الولايات المتحدة أشبه ما يكون بـ «رجل العالم المريض» الذي يعاني من أمراض شيخوخة القوة، وغلبة تأثير الصراعات السياسية الداخلية على احتياجات دورها العالمي، وزيادة حاجتها للعالم عن حاجة العالم إليها، وهو ما تترجمه صراحة حاجتها للاستدانة من العالم للإنفاق على مظاهر قوتها، من تسيير حاملات الطائرات في المياه الزرقاء إلى رصف الطرق الداخلية بالأسفلت الأسود.
ومن المعروف تاريخيا، على الأقل منذ انهيار الدولة العثمانية حتى الآن، أن انهيار القوى العظمى يترافق مع انكشافها على سوق الاقراض العالمي؛ فهكذا كانت حاجة الدولة العثمانية للإستدانة من بيوت المال الأوروبية أحد أهم عوامل تفكيكها وإسقاطها. وكانت ديون أوروبا المستحقة للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، أحد أهم أسباب نهاية نفوذ القوى الكبرى الأوروبية في العالم، مثل بريطانيا وفرنسا، وصعود القوة الأمريكية إلى مقعد القيادة. الآن وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة مدينة للعالم كله تقريبا، فمن الطبيعي أن تصبح مكانتها العالمية محلا للتساؤل، وهو ما يفسر اتجاه بعض دول العالم إلى تقليل انكشافها على أدوات تمويل الدين الفيدرالي الأمريكي. وإذا حصلت إدارة بايدن على موافقة من الكونغرس بإلغاء سقف الدين تماما أو رفعه إلى أعلى، فإن الولايات المتحدة ستواجه للمرة الأولى في تاريخها صعوبة في توفير التمويل اللازم بتكلفة قليلة كما كان يحدث من قبل، إلا إذا قررت دول الخليج النفطية الغنية تقديم يد العون. وستكون هذه نقطة انقلاب جديدة في تدهور منحنى القوة الأمريكية.