حسين جلعاد
الغرقي لا يعودون.. والآن ماذا!
الايدي عاطلة عن الامنيات. الطريق ذاته سأمشيه اليّ، حين لا تنبت الرسائل علي شجر العيد. الرجل العجوز بلحيته البيضاء كف عن الطيران. لم تعد حكاية المدخنة تجلب الحظ السعيد بعد أن مات فيها كلب الجيران. الطريق الي السماء مغلقة بالسخام والجثث الباردة. تحدثنا بالأمر قبل عشر سنوات وسوف نفعل بعد عشر أخري او بعد الف عام، وما زلتَ ترمي نرد الكلام: (ايها الضّال عُد! .. سأرعي حصانكَ الخشبي ودفتر الرسم، وسوف أخفي الشيبَ كي لا تعرفَ كم كبرتَ يا بني، فعد). الغرقي لا يعودون يا أبتي، لا تعود سوي قمصانهم، فتُعَلّق قرب صورة الجدّ في صدر البيت. الامهات فقط ما يجعل البحّارة يُنشِدون للأرض القديمة، أما المدائن فليست تُحمَل في جواز السفر. وإلا كيف تظن أن عيوننا تصبح محض كرات زجاجية إذن، فلا تدمع من حب ولا ترمش من خوف. القلوب رواية أخري عن الصّوان. ألستُ ابنكَ البار يا أبتي!
سكّر قليلهل تلمسين قمر نيويورك من الطابق العاشر!
انا ما زلتُ أغرف الماء بكفي، أبحث في النهر عن عيون أصدقائي وأغفل عن الرسائل التي فاض حبرها وهي تسقط من جيبي العلوي.
فزتُ بما تركه الدُبّ من عسل الغابة، تقولين، فصرتُ أنام في الضوء دون أحلام. لم تعد يدي دونكَ تعبأ بالتلويح والرسائل. صرتُ لا أتوقع أحدا في الزحام فلا ارفع ناظري اذا سرتُ، وأعرف الوجوه من رائحة الشوارع والذكريات. كأننا نعتاد العالم حين نمرّ أمام المرآة ولا نلحظ ارواحنا وهي تذوي في الممرّات. صحيح. لم تعد رُكَبُنا ترجف من مرور الضوء علي صفحة الظهر العاري، صرنا نرتبك أمام الدرج. الاشجار التي تسلقناها خلسة في الصغر سافرتْ الي الغابات بعد أن تهدّلتْ أيدينا، والاعشاش تحتضن حصي لا تلمع أو حتي تسقط، فيضحك من حولنا الهواء.
المدن الكبري خديعة الاحلام، تقولين، فاحذر أفراحكَ الصغيرة. تأكد من جروحكَ، فالاقمار هنا باردة. ولا تذهبْ كل ذلك الذهاب. اليست عتبات البيت أبهج من الرقص مع الغرباء. فاشرب قهوتي بسكّركَ القليل كما اعتدنا، أو ضع رأسكَ علي ركبتي كل مساء كي أتنفّس وجهك.
هنا لن تجد سجادة صغيرة تخفي تحتها مفتاح الجنة، أو بابا تكتب علي اطاره: أحبّكِ مرتين.
أجل.
صورنا القديمة ليست لأحد، فنحن لم نعد في الاطار، ولن ننمو مجددا اذا مسحتْ يدٌ ترابَ الرّدم عن ضحكتنا الغائرة. النهر يجري الي فيضانه، والارض قمر مؤنث في أصل الحكاية، لكننا نقفز كل يوم من العالم ولا نتكرر مرتين.
سعيدون بما لا يُري، تقولين، بانخطافنا الي آخر الدنيا. لكننا لن نصل الي أنفسنا في المرايا أخيرا، كأننا نقيس بعد الخطوتين. أمامنا أمسنا وخلفنا بكاء الطفل في المستقبل الغارب. مرة واحدة فقط نمرّ بالحقيقة، فنبكي في الولادة بيد تصفعنا كي نتنفس. الارض واسعة: مرحبا بالحياة.
لم اولد في السرير ذاته بعد مقتل أخيل لأخشي الكمال وأصقل سيفي كل يوم مرتين. لي قميص واحد أخلعه قبل النوم، وأنساه بعد الحب معلقا علي سرير الحبيبة، فيلعنني الخطباء في الأسواق، وتشهق من خلف الشبابيك نساء لأجل فتي جنّ قبل الأوان.
الاغنية أخف من مناديل العرس، تقولين، والأضواء في صالة العرض كفيلة بإنهاء الفيلم، قف واصرخ باسمك لتكون بطل الحكاية، واخرج متوجا بالدخان. اليست أسماؤنا فقط ما يدوم من اللحن، ولا يكترث أحد بعدنا بالنهايات.
النوافذ استعارة البيوت للسماء، والضوء كسرة الخبز كي تحط أرواحنا خارج عتمتها. لا اذكر الحب مرتين، فأنا أخطئ في العد بعد الالف، وأحمل الباب معي كلما رحلتُ، كي أدخل إليّ. لا جغرافيا خارج أكتافي، والمفاتيح خدعة الأساطير، كي لا ننام مطمئنين.
تعبثُ كثيرا، تقولين، فقد جرّحتْكَ المرايا أنتَ أيضا، وتضحكين: الاسرار لا تقال، فكيف تسرد سفر التكوين مثل قصص النوم او ذكري قديمة. لم تكن بين آدم ونفسه لتعرف البكاء بين يديّ، ولم أكن في ثوب الأفعي لأذوق الغواية وأهيم كل قمر قرب البحر بعينين حمراوتين. رسائلكَ الاولي قلبي الذي نسيتُه في اللغة القديمة، وأعرف الحبّ من ذكري ازرار قميصكَ تضكّ زغبي علي عجل في المصاعد ومقاعد الحدائق والركض بين المحطات. الاسرار تقال كل يوم لكننا لا نسمعها، فمن يراكِ في القلب سواي، وألف يد تلوح قربكِ في النهار. العالم شأن شخصي إذن لو تريدين، والنشيد باليد يهز ظلال النفس، ويلقي بالجني للجني، كي تنبت القدمان في نشيد جديد. لا أذكر روحي تطفو علي ماء السماء، تقولين، وأكتفي بجناحين ينبتان اذا احتضنتكَ، ويضمران اذا غضبتُ وصفقتُ الباب خلفك. فاترك لي في الهامش حرفين لتعرف أني أحبكَ حين أحبك. ولا تلطم جبينكَ أمامي كلما تأخرتَ وتسحب الاعذار خلفك. يداك هما يداك، ولي قبلك قبلٌ، ولي نية بعدك. ولي أنك تطالع العالم بعينين، وتطل عليّ بقلبك. فاذهب بخفة المجانين خلف انبيائك، ولا تكسر مهابتهم، فتصرخَ باسمي كلما اشتقتَ أن تقبلّني. أو: مرّ بي كي تعود الي سمائك وارتبك ما شئتَ خارج القداسة، فلن يراكَ أحدٌ سواي. تعالَ فأعطيكَ كل أسراري في حقيبة اليد الصغيرة. أتَذْكُر!
شاعر من الاردن