«قمع استباقي» في مصر: أحكام قضائية ضد نشطاء ومنع التظاهر واعتقالات

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «قمع استباقي» عنوان اختارته مؤسسة «حرية الفكر والتعبير» وهي منظمة حقوقية مصرية مستقلة، لتقرير أصدرته الإثنين، ورصدت فيه الانتهاكات التي مارستها السلطات المصرية بحق حرية التعبير خلال الربع الثاني من عام 2021.
ورغم انخفاض معدل الانتهاكات التي شهدتها الفترة من أبريل/ نيسان، حتى يونيو/ حزيران الماضي، إلا أن انتهاكات هذه الفترة اتسمت بجسامتها وخطورتها على واقع حرية التعبير بشكل عام، حسب التقرير.

11 حكما قضائيا

ورصدت المؤسسة صدور11 حكما قضائيّا، في خمس قضايا، بعضها نهائي تجاه عدد من المواطنين والمواطنات بسبب ممارستهم حقهم في التعبير باستخدام صور مختلفة. معظم هذه القضايا تعلق بحرية التعبير الرقمي، وتحديدا عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. وأبرزها، كان الحكم النهائي بالسجن أربع سنوات، الذي أصدرته محكمة أمن الدولة العليا على الباحث وطالب الماجستير في الجامعة الأوروبية المركزية في النمسا، أحمد سمير سنطاوي، وكذلك الحكم على ثمانية من مستخدمات وموظفي تطبيق لايكي وتيك توك.

«الانتهاك الجسيم»

والحكم على سنطاوي، بيّن، وفق التقرير «الانتهاكَ الجسيم الذي أحدثته التعديلات الأخيرة على قانون الطوارئ بما يجعل الأحكام التي تصدر عن محكمة أمن الدولة العليا، نهائية وباتة، ولا يجوز الاستئناف عليها أو نقضها، فقط هناك التماس يمكن للمحكوم عليه تقديمه إلى رئيس الجمهورية، بهدف الحصول على عفو عن باقي المدة أو عدم التصديق على الحكم».
تلك التعديلات «تنتهك ضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين، خاصة في القضايا السياسية. كما تؤكد على تصميم السلطات المصرية على استهداف السلطات المصرية للباحثين المصريين في الخارج واستخدام المحاكم الاستثنائية للتنكيل بهم» تبعاً للمصدر.

توجه وصائي

ولفت التقرير إلى أن «الأحكام الأخيرة، والصادرة تحديدا عن المحكمة الاقتصادية، ومحكمة جنايات القاهرة، على خمسٍ من الفتيات، جميعهن من صانعات المحتوى عبر عدد من تطبيقات التواصل الاجتماعي، وثلاثة من موظفي تطبيق لايكي، أبرزت التوجهَ الوصائي الذي تتبناه النيابة العامة تجاه سلوك المواطنين، والسيدات تحديدا، عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة. وتصدرها لحماية ما أطلقت عليه في أحد بياناتها: (حدود مصر السيبرانية) بما يضمن الحفاظ على القيم والمبادئ الأسرية للمجتمع المصري، كما تصفها النيابة العامة».
وأشار إلى «الموافقة على مشروع قانون تعديل بعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1973 بشأن الفصل بغير الطريق التأديبي» إذ أن التعديلات الجديدة، حسب التقرير «تعطي الحق لرئيس الجمهورية أو من يفوضه فصل الموظف بالجهاز الإداري للدولة بغير الطريق التأديبي إذا أخلَّ بواجباته الوظيفية بما من شأنه الإضرار الجسيم بمرفق عام بالدولة أو بمصالحها الاقتصادية، أو إذا قامت بشأنه قرائن جدية على ارتكابه ما يمس الأمن القومي للبلاد وسلامتها. وتعتبر التعديلات إدراج العامل ضمن قوائم الإرهاب من القرائن الجدية».
وعليه، فإن «التعديلات تسمح باستهداف الأفراد على خلفية تعبيرهم عن رأيهم أو انتقادهم لسياسات الحكومة المصرية أو أيٍّ من المسؤولين الرسميين، حيث حملت التعديلات الكلمات العمومية نفسها التي تعطي جهة التنفيذ سلطة كبيرة في تأويلها، مثل: الإضرار بمصالح مصر الاقتصادية أو ارتكاب ما يمس الأمن القومي، وجميعها مصطلحات فضفاضة لم تأتِ التعديلات بتحديد ماهيتها. كما يمكن أن تستخدم تلك التعديلات من قبل المديرين للتنكيل بمرؤوسيهم» طبقا للمصدر.

نوايا السلطات

كذلك تبرز «التعديلات نوايا السلطات المصرية من خلف تلك التعديلات بشكل صريح، إذا ما تتبعنا السياق الذي أعيد فيه فتح المناقشة حول تعديلات تعطي للمسؤولين في الجهاز الإداري بالدولة سلطة فصل الموظفين المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو الحديث الذي برز تحديدًا بعد حادث قطار طوخ في محافظة القليوبية، الذي راح ضحيته 11 مواطنًا. وهو الخطأ الذي أرجعه وزير النقل الحالي، اللواء كامل الوزير، إلى تعمد عناصر تنتمي إلى تنظيمات إرهابية داخل الجهاز الإداري للدولة إحداث أزمات تثير الرأي العام على النظام، كما دعا الوزير خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس النواب مطلعَ مايو(أيار) الماضي، مجلس النواب، إلى سن قانون يقضي بمحاسبة المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين من الموظفين في الدولة. وأضاف أن وزارته فيها نحو 162 موظفا ينتمون إلى جماعة الإخوان الإرهابية يعملون في قطاع السكة الحديد».
من هنا، استنتجت المؤسسة أن «السلطات المصرية ليست فقط عازمة على استمرار نَسْب كل الأخطاء التي تحدث في مصر إلى تورط عناصر إرهابية وتخريبية في حدوثها، بل فتحت المجال عبر تلك التعديلات لاستخدام الفصل بغير الطرق التأديبية للتنكيل بالأفراد وليس فقط أعضاء جماعة الإخوان على خلفية مناهضة للسلطات المصرية أو أيٍّ من سياساتها، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي والذي يعد آخر منافذ التعبير المتاحة أمام المصريين» وهو الأمر الذي رفضته «حرية الفكر والتعبير» واعتبرته «شكلامن أشكال القمع الاستباقي» داعية مجلس النواب إلى «إلغاء تلك التعديلات».

جلسات المحاكم

تعديلات أخرى على القوانين تناولها التقرير تمثلت في موافقة مجلس النواب على تعديل قانون العقوبات، بهدف تجريم نقل وقائع جلسات أي محاكمة جنائية دون الحصول على تصريح مسبق من رئيس الجلسة.
والتعديل المعني «فضلا عن كونه انتهاكا لعدةَ حقوق أساسية للمواطنين محمية بقوة الدستور، فإنه ينذر بخطورة كبيرة بشأن توجه السلطات المصرية، نحو مزيد من انتهاك حقوق المتهمين، وتحديدا في القضايا السياسية وقضايا حرية التعبير».

منظمة حقوقية رصدت انتهاكات بينها قوانين لفصل المعارضين من وظائفهم

كما يكشف عن «مدى الرغبة في التعتيم الكامل على كل ما يجري داخل قاعات المحاكم، وعلى مستوى سير الجلسات، بالإضافة إلى عدد آخر من المخاطر التي أشار إليها بيان مشترك وقَّع عليه عدد من المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية، المعنية بحرية التعبير، من بينها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، رفضا للتعديلات وتحذيرا من آثارها، ومطالبة بإلغائها».

استقالة وزير الإعلام

ووفق التقرير «شهد كذلك الربع الثاني من عام 2021 استقالة وزير الدولة لشؤون الإعلام، أسامة هيكل، بعد 16 شهرا فقط من توليه مهام منصبه الجديد، الذي استحدثه التغيير الوزاري في نهاية عام 2019 بعد ست سنوات على إلغاء وزارة الإعلام تطبيقا لنصوص الدستور المصري 2014».
وجاءت استقالة هيكل كـ»فعل استباقي قبل أن يلجأ البرلمان إلى إجراءات سحب الثقة منه، خصوصا بعد رفض لجنة الإعلام والآثار والثقافة في البرلمان برئاسة درية شرف الدين، بيانَ الوزير أمام البرلمان، فضلا عن توجيه تقرير اللجنة العديد من الاتهامات إلى هيكل، كان أبرزها شبهات الفساد المتعلقة بجمعه بين منصبين تنفيذيين في الوقت نفسه، فضلا عن اتهامات تتعلق بمخالفات مالية وإدارية، وفقا لتقرير اللجنة».

منع التظاهر

منع التظاهر من قبل الأجهزة الأمنية، كان أحد الانتهاكات التي رصدها التقرير «بحق المواطنين أفرادا وجماعات في ممارسة حقهم في التظاهر والتجمع السلمي تنديدا بالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على القدس وقطاع غزة».
وزاد التقرير: «رغم تبني السلطات المصرية موقفا متناغما بدرجة ما مع مطالبات الرأي العام، فإن ذلك لم يغير من السياسة الأمنية شديدة القمع تجاه أي محاولات لتنظيم أي فعل احتجاجي، أيّا كان موضوعه».
وتابع: «فعلى الرغم من إشادة عدد من المراقبين بالموقف المصري الرسمي تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين سواء في القدس أو قطاع غزة، فإن السلطات المصرية عملت على منع أي تظاهرات من الممكن أن تنطلق لدعم السياسة نفسها التي تنتهجها الحكومة تجاه تلك الاعتداءات، ما يعبر عن عداء واضح لحق المصريين في التظاهر والتجمع السلمي».

3 وقائع

وتناول التقرير 3 وقائع تمثلت في القبض على الناشط علي أحمد مناع علي، بعد إحراق العلم الإسرائيلي عقب صلاة العيد في محافظة الجيزة، بالإضافة إلى إلقاء القبض على 5 آخرين في اليوم نفسه على خلفية الواقعة نفسها، قبل إطلاق سراحهم بكفالة.
وفي السياق نفسه احتجزت قوات الأمن في ميدان التحرير 3 نشطاء في واقعتين مختلفتين، هم مصطفى أحمد الذي تعرض للاعتداء والاحتجاز غير القانوني بعد هتافه وحيدا دعما للقضية الفلسطينية، قبل أن يطلق سراحه بعد عدة ساعات. كما احتجزت قوات الأمن الناشطة نور الهدى زكي، وصديقتها، بعد وقوفهما في ميدان التحرير رافعتين شعارات داعمة للقضية الفلسطينية ومنددة بالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي الفلسطينية، قبل أن يطلق سراحهما بعد عدة ساعات أيضا.

مظاهرات الإسكندرية

وفي سياق الانتهاكات الأمنية في حق المواطنين في التجمع السلمي، ذكرت المؤسسة أن «قوات الأمن فضَّت في محافظة الإسكندرية في 4 يونيو/ حزيران الماضي تظاهرة لأهالي منطقة نادي الصيد في الإسكندرية، اعتراضا على قيام مسؤولين من المحافظة بعمل لجان حصر للمنازل تمهيدا لتهجيرهم خارج المنطقة وإزالتها دون سابق إنذار، بالرغم من رصد مبلغ 90 مليون جنيه لتطوير المنطقة في عام 2019 وبالفعل بدأت خطة التطوير إلا أنها توقفت فجأة في يناير/ تشرين الثاني الماضي».
وحسب التقرير «ألقت قوات الأمن القبض على ما يقارب الثلاثين شخصا من أهالي المنطقة بعد فض المظاهرة، وأطلقت سراح عدد منهم بعد أن حررت محضرا لثلاثة عشر شخصا آخرين حمل رقم 4675 لسنة 2021 إداري محرم بك، وجهت إليهم النيابة اتهامات من بينها: التحريض على التجمهر والتظاهر، رشق قوات الأمن بالحجارة وإحداث إصابات بعدد منهم. وفي 17 يونيو(حزيران) الماضي قررت نيابة محرم بك الجزئية بالإسكندرية إخلاء سبيل الثلاثة عشر المحبوسين على ذمة التحقيقات في القضية».

6 حالات اعتقال

كذلك رصدت مؤسسة «حرية الفكر والتعبير» خلال الربع الثاني من عام 2021 «ست حالات قبض على مواطنين مصريين على خلفية نشرهم أخبارا أو آراء ناقدة أو معارضة للسياسات الحكومية في مصر. والتحقيق مع أغلب المقبوض عليهم جاء على خلفية تعبيرهم عن آرائهم إلكترونيّا، وانتقاد سياسات الحكومة المصرية في التعامل مع الملفات المختلفة، ومن بين أبرزها أزمة سد النهضة وأزمة تفشي جائحة كورونا».
وتناول التقرير «إلقاء جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية القبض على هدى عبد الحميد محمد أحمد، 55 سنة، ربة منزل، يوم 27 إبريل/ نيسان من منزلها في محافظة القاهرة، بصحبة زوجها وابنتها».
ويعود سبب القبض على عبد الحميد، حسب التقرير، إلى «نشرها فيديوهات تتحدث فيها عن انتهاكات مُورِست على نجلها عبد الرحمن جمال متولي الشويخ، المحبوس احتياطيّا في سجن المنيا شديد الحراسة. وكان أبرز تلك الانتهاكات، حسب عبد الحميد، تعرض عبد الرحمن للتعذيب والاعتداء الجنسي، وهي الانتهاكات التي قدمت هدى بخصوصها شكوى إلى نيابة المنيا الجزئية تختصم فيها إدارة سجن المنيا لتورطها في تعذيب نجلها».
كذلك تناول التقرير «واقعة القبض على الدبلوماسي السابق في السفارة المصرية في فنزويلا، يحيى زكريا عثمان نجم، 52 سنة، من منزله بواسطة شخصين، أحدهما يرتدي زيّا مدنيّا وآخر ميري، حيث قاموا بالاستيلاء على جهاز الكومبيوتر المحمول الخاص به، بالإضافة إلى هاتفه المحمول، ومبلغ مالي قدره مئتا دولار أمريكي وسبعمئة جنيه مصري. ثم تم اقتياده إلى أحد مقرات الأمن الوطني في منطقة السلام، حيث قام رجال الأمن الوطني باستجوابه بشكل غير قانوني حول منشوراته على صفحته الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعي الـ«فيسبوك».
وخلصت المنظمة الحقوقية في نهاية تقريرها بالتأكيد على أن «السلطات المصرية مستمرة في استهداف حق المواطنين في المعرفة والتعبير بطرق مختلفة، عبر استحداث قوانين ومواد تساعد على فرض مزيد من القيود على حرية التعبير، وأن الأجهزة الأمنية والتنفيذية مستمرة في تعقُّب الأفراد على خلفية تعبيرهم عن آرائهم الناقدة للسياسات الحكومية على مختلف الملفات، خاصة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي».
كما أن السلطات المصرية «تحاول فرض مزيد من القيود على التدوين عليها باعتبارها آخر المنافذ المتاحة أمام المصريين للتعبير عن آرائهم».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية