قمع النشطاء والإعلاميين والمفكرين سلاح الأحزاب العراقية المفضل لإسكات المعارضة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: تتصاعد هذه الأيام حملة قمع واسعة لإسكات الأصوات الحرة الرافضة لتدهور الأوضاع في العراق، من قبل جماعات مسلحة، تتحدى الحكومة وتفرض واقع اللا دولة، وسط تفشي أجواء القلق والمخاوف بين أوساط الناشطين والمفكرين، في وقت تقف فيه حكومة بغداد عاجزة عن حمايتهم.

ولم تمر سوى أيام على اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي أمام بيته في بغداد، حتى اقدمت مجموعة مسلحة على خطف ناشطة ثقافية ألمانية تقيم في العاصمة العراقية منذ سنوات، إضافة إلى استمرار الملاحقات لناشطي التظاهرات والإعلاميين والباحثين، في أبشع استغلال لضعف الدولة من قبل قوى القمع الظلامية الفاسدة، بهدف إطفاء أي شعاع خير وأمل في العراق.

الخاطف معروف

ففي وسط العاصمة العراقية، وقعت قبل أيام عملية اختطاف مسلح للألمانية، هيلا ميوس، مديرة القسم الثقافي في معهد غوتا الألماني، في العراق، المعني بالفعاليات الثقافية والفنية. وميوس مقيمة في بغداد منذ سنوات، وتواصلت مع الشباب المشاركين في التظاهرات المطالبة بالإصلاحات، كما عبرت عن حزنها أثناء مشاركتها في تشييع الشهيد هشام الهاشمي. وتداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، فلما سجلته إحدى كاميرات المراقبة في شارع في منطقة الكرادة وسط بغداد، عن قيام مسلحين تقلهم سيارتين باعتراض الناشطة الألمانية التي كانت تستقل دراجة هوائية وأجبروها على الصعود معهم إلى السيارة. وقد جرت عملية الخطف على مرأى من رجال الشرطة الذين لم يتدخلوا لإنقاذ الناشطة، حسب إذاعة صوت ألمانيا، مما يدل على أن الخاطفين معروفون لديهم ومتنفذون لذا لم يجرأوا على اعتراضهم.

وقد أثارت عملية الخطف الجديدة، استنكارا واسعا من الرأي العام ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وقلقا جديا لدى الناشطين جراء تزايد عمليات قمع الرأي الحر التي تعصف بالعراق منذ سنوات من دون رادع، في وقت ما زال الكثير من زملائهم مخطوفين أو مهددين إضافة إلى الذين تم اغتيالهم على يد الجماعات المسلحة. ورغم إعلان السلطات الأمنية لاحقا، تمكنها من الإفراج عن الناشطة الألمانية، إلا أنها لم تحدد الجهة الخاطفة أو الإجراءات المتخذة بحقها. وتفيد المصادر أن الكثير من الناشطين ورجال الإعلام والفكر، قد تلقوا تهديدات من ميليشيات، لذا عمدوا إلى تغيير عناوين سكنهم أو عزفوا عن إجراء اللقاءات مع وسائل الإعلام أو انتقلوا إلى اقليم كردستان أو خارج العراق، وذلك لقناعتهم بعجز الحكومة عن حمايتهم أو ردع الجناة.

لجنة حقوق الإنسان النيابية، استنكرت اختطاف الناشطة الألمانية هيلا ميفيس، معربة عن أملها بنزع السلاح من الجماعات الخارجة عن القانون، داعية إلى إرساء دعائم القانون وبسط الأمن ونزع السلاح. وقال بيان اللجنة “نتفاجأ بالمزيد من عمليات خطف وقتل وتهديد واستهداف الناشطين في مجال الإعلام والصحافة والمدونين في وسائل التواصل الاجتماعي والباحثين الذين لا يملكون غير الكلمة الحرة” مؤكدة  ان “استمرار مسلسل القتل والخطف من دون كشف الجناة، أدى إلى انعدام ثقة الجمهور بالأجهزة الأمنية، واضعاف مكانة العراق أمام المجتمع الدولي” داعية الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة.

كما حاولت بعض القوى السياسية استغلال العملية للظهور الإعلامي، ومنها قيام وفد من تحالف سائرون، الذي يقوده التيار الصدري، بزيارة السفارة الألمانية في بغداد، مبديا “استعداد التحالف للمساعدة اللازمة من أجل الإفراج عن المختطفة الألمانية” من دون ان يبين طريقة المساعدة رغم علاقاتهم الوثيقة بالفصائل المسلحة. ويبدو أن أهداف الخاطفين هذه المرة، ليست إسكات الأصوات المعارضة للاستبداد والقمع وضياع الحقوق فحسب، وإنما تحدي حكومة مصطفى الكاظمي وابتزازها وإحراجها بعد ان تعهدت بفرض سلطة القانون ونزع السلاح المنفلت عند تشكيلها قبل أشهر.

وكانت أوساط الناشطين اصيبت بصدمة بعد استهداف الباحث الاستراتيجي هشام الهاشمي، أحد أبرز الخبراء الأمنيين في العراق، المتخصص بقضايا الإرهاب والجماعات المسلحة ووسائل مواجهتها، حيث تعرض لعملية اغتيال من مسلحين يستقلون دراجات نارية أمام بيته، ولم يتم الكشف عن هويات الفاعلين حتى الآن رغم تعهد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بملاحقة الأجهزة الأمنية لهم. وتفيد المصادر المقربة من الشهيد انه كان مطلعا على أسرار الفصائل المسلحة المنفلتة ويقوم بكشفها أمام السلطات والرأي العام ووسائل الإعلام، ونبه إلى خطورتها، داعيا إلى لجمها والسيطرة على سلاحها، مما اعتبرته تجاوز لخطوطها الحمراء فقامت باغتياله.

رفض قمع الحريات

وجاء استمرار عملية الاغتيال والخطف وملاحقة الناشطين والإعلاميين وقمع التظاهرات، لتثير موجة واسعة من الاستنكار والمخاوف بين أوساط الناشطين والجمهور، حيث أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن كريم الكعبي، “أن استهداف التظاهرات السلمية هو أمر غير مقبول ويطلق رصاصة الرحمة على أحقية التظاهر الذي كفله الدستور”. وقد أدان الكعبي الاعتداءات التي تعرض لها المتظاهرين السلميين وهم يمارسون حقهم الدستوري والقانوني عند إحدى بوابات المنطقة الخضراء، مطالبا الحكومة “بتشكيل لجنة تحقيقية للوقوف بجدية بشأن تكرار عملية استخدام العنف المفرط ضد المدنيين المطالبين بحقوقهم المشروعة، وتشخيص الأفراد المعتدين ومحاسبتهم”.

وبدورها، انتقدت النائبة الكردية السابقة سروة عبد الواحد، ازدواجية الأحزاب في نضالها ضد البعث ورفضها لصوت المعارضة. وذكرت عبد الواحد في تغريدة بـ”تويتر” أن “قسما كبيرا من الأحزاب التي حكمت العراق بعد 2003 كانت ضد الدكتاتورية ونضالهم ضد نظام البعث لأنه كان حزب واحد ولون واحد، إذا لماذا اليوم يرفضون صوت المعارض الذي ينتقد أدائهم؟ لا أحد لديه مشكلة شخصية مع الحاكم والأحزاب الحاكمة، المشكلة في الأداء والفشل الإداري، صححوا أخطائكم بدل التكميم” حسب قولها.

أما زعيم ائتلاف الوطنية، أياد علاوي، فغنه دعا السفير البريطاني في العراق ستيفان هايكي، للتواصل مع المتظاهرين المطالبين بالإصلاحات ودعم إحالة ملف محاكمة المعتدين عليهم، إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد عجز السلطات العراقية عن ردع الجناة.

تواصل الاغتيالات والخطف

وبالرغم من انخفاض مستوى التظاهرات بسبب جائحة كورونا، فقد شهد النصف الأول من العام الحالي، عمليات اغتيالات للناشطين أبرزهم هشام الهاشمي، وعلي مزهر، وصفاء غالي، وحسن مهلهل، ود. محمد حسين، وجنان الشحماني، ومجتبى احمد، ونزار ذنون، وكرار عادل، وعبد القدوس الحلفي، إضافة إلى عشرات محاولات الاغتيال الفاشلة التي نجا منها ناشطون وإعلاميون، في وقت “ما زال هناك نحو 50 مختطفا ، موزعين بين ناشط مدني وإعلامي ومتظاهرا، مصيرهم مجهول” حسب مفوضية حقوق الإنسان. وكان الصحافي والشاعر والإعلامي العراقي علي وجيه، وجه رسالة إلى الرئاسات الثلاث، حول تعرضه ومجموعة من الصحافيين والمدونين إلى تحريض بالقتل من قبل جهات تؤكد أنها قريبة من القوى المتنفذة في البلاد، ومنها الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. كما كشف الكثير من الناشطين انهم تعرضوا إلى تهديدات علنية بالقتل من ميليشيات منفلتة تتمتع بحماية قوى سياسية متنفذة، بدليل ان جميع التحقيقات الرسمية حول عمليات الاغتيالات أو الخطف، لم تعلن نتائجها.

ولأن مأساة العراقيين واحدة في أنحاء البلد، فإن النائب الكردي هوشيار عبدالله، ذكر في تغريدة نشرها في موقع تويتر، أن: “اغتيال هشام الهاشمي يشبه اغتيال كاوة كرمياني وسوران مامة حمة وسردشت عثمان من حيث تهديدهم وقتلهم بسبب آرائهم”. وأضاف عبدالله : “أما القتلة والسلاح المنفلت فلا يختلف هنا (في الإقليم)عن هناك (في بغداد) وكذلك العقلية المتسلطة التي تخشى الكلمة الحرة متشابهة”.

الملاحقة القانونية للناشطين

ولم تقتصر محاولات إسكات الأصوات المعارضة على الاغتيال والخطف، بل أخذ بعضها صيغة إقامة دعاوى قضائية، حيث أقامت السلطات دعاوى قضائية ضد ناشطي التظاهرات أمثال، باسم خشان ويزيد حسون وايهاب الوزني وقاسم مشذوب وفدوان الوزني وغيرهم. وسبب الدعوى هو المشاركة أو الدعوة إلى التظاهرات المطالبة بالإصلاحات، بحجة انهم  “محرضون ومكدرون للأمن وفق المادة 212 من قانون العقوبات”. ورغم أن القضاء أطلق سراح المئات من الناشطين والمتظاهرين المعتقلين لدى الجهات الأمنية لعدم وجود أدلة على ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون، إلا ان مطاردات الناشطين لم تتوقف.

ويذكر ان منظمة “مراسلون بلا حدود” عدت إن البيئة الصحافية في العراق “ما زالت تُمثل خطراً على الصحافيين”. وتعتبر المنظمة “الصحافيين في العراق، ضحايا للهجمات المسلحة والإيقافات والاعتقالات أو التخويف من طرف ميليشيات مقربة من النظام وحتى من قوات نظامية، ويظل قتل الصحافيين بلا عقاب، وتبقى التحقيقات بدون نتائج”. وقد قتل أكثر من 460 صحافياً في العراق منذ عام 2003 وحتى الآن، بحسب نقابة الصحافيين العراقيين.

وهكذا فان ظاهرة الاغتيالات والخطف والملاحقة للناشطين والإعلاميين والمفكرين، ما زالت هي الأسلوب المفضل لدى بعض أحزاب السلطة والفصائل المسلحة التابعة لها في العراق، لإسكات الأصوات المعارضة لعمليات الفساد والسلاح المنفلت وتردي الأوضاع في البلد وفقدان الاستقلالية، وسط عجز السلطات عن كشف الجناة أو ردعهم ، بسبب تمتعهم بحماية القوى السياسية المتنفذة، إلا ان تجارب نضال الشعوب ضد قمع الديكتاتوريات بمختلف أشكالها ومسمياتها، تؤكد أن جميع محاولات قمع الفكر الحر المعارض، تبوء بالفشل أمام إرادة الشعوب المظلومة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية