احمد عبد الحقاثارت الاحداث الامنية التي اعقبت تظاهرة السلفية الجهادية في مدينة الزرقاء الاردنية مؤخرا علامات استفهام كبيرة حول تعامل الحكومة الاردنية مع مظاهر الاحتجاج الشعبي الذي تمر به البلاد. ففي حين لجأت حكومة البخيت الى ملاحقة ناشطي 24 آذار/مارس واحالتهم الى المحاكم الامنية، على خلفية اعتصامهم السلمي على دوار الداخلية، فانها في الوقت نفسه فتحت الباب على مصراعيه لحركة السلفيين الجهاديين يتحركون في طول البلاد وعرضها بحرية غير مسبوقة، ولم تكـــتف بالتغاضي عن نشاطاتهم غير المرخصة ولا بتجاهل عدائهم المعلن لنظام الحكم في الاردن، بل رضخت لمطالبهم بالافراج عن بعض ناشطي الحركة ورموزها. ولعل من اللافت ان السلطة في الاردن اتخذت هذا الموقف وهي تدرك ان كبح جماح هذه الفئة من السلفيين وتحجيمـــهم لم يكن ليواجه بمعارضة تذكر في الشارع الاردني، الذي ترى غالبيته ان طروحاتهم المستهجنة قد تــجاوزها الزمن ولم يعد لها مكان في منطق العصر ولغة الحاضر. هذا التباين في التعاطي الحكومي مع اطراف المعارضة يثير العديد من التساؤلات، وقد يشير الى نهج جديد تختطه قوى الشد العكسي التي فشلت، عبر بلطجة دوار الداخلية، في التصدي للحراك الاصلاحي الذي بدأ يستعيد زخمه اثر التراجع النسبي الذي اعقب احداث الدوار. وقد يتمثل هذا النهج في ايجاد ذريعة جديدة تسمح لهذه القوى بالانقضاض على التحرك السلمي المنادي بالاصلاح، من خلال اطلاق يد الاجهزة الامنية للعودة الى زمن الملاحقات والاعتقالات وعهد التعسف والظلام. لقد وجدت القوى المناهضة للاصلاح في متطرفي السلفية ضالتها المنشودة، فتركت لهم الحبل على الغارب، ثم اختارت اللحظة المناسبة لتنقض عليهم ولتنقض، بذريعتهم، على قوى الاصلاح السلمي الديمقراطي. وفي الوقت الذي ذكرت فيه الحكومة مواطنيها انها التزمت ضبط النفس طوال ثمانية عشر اسبوعا من التظاهرات والاعتصامات، وانها ستستمر في السماح بالتظاهر السلمي، فانها جندت جيشا من اعلامييها لشن حملة شعواء على ما سمته مظاهر الفوضى في الشارع الاردني، وللتحذير، بلغة لا تخطئها الاذن، من ان الحكومة لن تسمح بالمساس بهيبة الدولة واكدت عزمها الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الوطن، على حد تعبيرها، وهذا كلام عام قد يشير الى ان السلطة مصممة على العودة الى احكام قبضتها الامنية ليس على السلفيين فقط، بل وهذا بيت القصيد، على كل حراك شعبي يهدف الى تسريع عجلة الاصلاح وتوسيع مبدأ المشاركة الشعبية في الحكم. الا انه يبدو ان القبضة الامنية هذه لن تطال الفلتان السلبي الذي يصاحب مسيرات الولاء التي تميزت بخروج حملة السكاكين والخناجر الى شوارع العاصمة وحواريها يبرقون ويرعدون مهددين الاصلاحيين بالويل والثبور وعظائم الامور. يدرك طرفا المعادلة في الاردن، الحكم والمعارضة، ان الاصلاح لم يعد مطلبا شعبيا فقط وانما استحقاق تفرضه حركة التاريخ وحقائق الجغرافيا التي حولت العالم الى قرية كبيرة، اذا اشتكى طرفها تداعت له باقي الاطراف تضامنا واحتجاجا. فالاردنيون الذين عانوا من سنوات طويلة من تفشي الفساد والمحسوبية وغياب العدالة الاجتماعية وتردي الوضع الاقتصادي، وجدوا الكثير مما يجمعهم مع التونسيين والمصريين فبدأوا تحركا سلميا يستلهم روح التغيير ويجاري رياح الاصلاح. كما يدرك الطرفان ان حكومات الدول المانحة تلتزم امام ناخبيها، قبل كل شيء، بربط مساعداتها للدول المستفيدة بحزمة من الاصلاحات الاقتصادية والسياسية الهادفة الى الحد من تفريخ الارهاب الذي لا يترعرع الا في حضن الظلم والفساد والديكتاتورية. ان الخوف من ان الربيع العربي يشارف على الانقضاء ليس له ما يبرره، وان رهانات الانظمة الحاكمة على القبضة الحديدية والامن الخشن ستخسر امام قوة التكنولوجيا وسيطرة الاعلام المفتوح. رياح التغيير لن تستثني احدا، وما كان غير قابل للتخيل قبل ستة اشهر اصــــبح الآن حقيقة واقعة. ويبقى السؤال المطروح هو ما اذا كانت دوائر صنع القرار في الاردن قادرة على استيعاب التحول التاريخي الذي تتنفسه المنطقة العربية الآن، او انها تأبى الا ان تدفن رأسها في رمال القول بانها متفردة في تكوينها وظرفها وانها خارج هذا العالم.’ كاتب اردني