صبحي حديدي
بالأمس عثرت هيلين كوبر، من صحيفة الـ واشنطن بوست الأمريكية، علي ما ظنّت أنها مقاربة متباعدة حول غرض واحد هو كراهية الولايات المتحدة، تجمع الرئيسين الإيراني محمود أحمدي نجاد والفنزويلي هوغو شافيز، في خطابيهما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: الأخير تذكرة خروتشوفية لم يكن ينقصها سوي الخبط بالحذاء علي الطاولة (كما فعل نيكيتا خروتشوف، الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي السوفييتي سنة 1960، في القاعة ذاتها)، وأمّا الأوّل الإيراني فقد كان سقراطيّ المزاج وهو يحلّل صورة الشيطان الأكبر كما تمثّله أمريكا، ويثير السؤال الفلسفي تلو الآخر حول استكبار لبقوّة العظمي.
ما فات كوبر أن تلاحظه، أو تضعه في خلفية المقارنة، أنّ الرئيسين الفنزويلي والإيراني كانا قادمين لتوّهما من المؤتمر الـ 14 لدول عدم الإنحياز في هافانا، من جهة أولي؛ وأنّ أعضاء الوفود الحاضرة في قاعة الأمم المتحدة صفقت طويلاً بعد انتهاء شافيز من إلقاء كلمته، بل إن التصفيق تواصل ولم يتوقف إلا حين تدخّل موظفو الهيئة الدولية وطلبوا من الحضور إفساح المجال امام الكلمة التالية. هذه، في عبارة أخري، وسواء أكان العداء لأمريكا خروتشوفياً أم سقراطياً، إعادة إنتاج لمناخات الحرب الباردة… مع فارق أنها لا تجري بين واشنطن وموسكو، بل بين واشنطن وأكثر من 100 عاصمة جنوبية في آسيا وأفريقيا وامريكا اللاتينية.
وليست روح النكتة وحدها هي التي جعلت ممثّلي هذه العواصم يطربون لتلك النبرة اللاذعة غير المالوفة في حديث شافيز عن بوش (الشيطان الذي ما تزال رائحته، الكبريت الأصفر، تفوح في المكان!)، لأنّ ما في القلوب من مرارة ضدّ الولايات المتحدة ـ لكي لا نتحدّث عن حقد دفين، عتيق، مستديم ـ كان ينبثق من اعتبارات أكثر جدّية من أيّ تنكيت ومقارنات ساخرة، وأشدّ خطورة وأذي وعواقب بعيدة. والأرجح أنّ عدم اكتراث كوبر بخلفية قمّة هافانا لم يكن ناجماً عن تقليلها الشديد من أهمية ما أسفرت عنه فحسب، بل كذلك لأنّ الصحافة الامريكية تميل عموماً إلي ترجيح النكتة، أو النادرة أو الطرفة، علي سواها من معايير انتقاء الخبر!
بيد أنّ علي المرء أن لا يعتب كثيراً إزاء هذا التجاهل لمؤتمر عدم الإنحياز، وبالأحري: عدم الاكتراث بوجود هذه الأنظمة، حتي إذا كانت كوبر صحافية أفريقية من ليبيريا، وليست أمريكية. ثمة سبب أوّل جوهري نابع من التسليم الواقعي بأنّ القمّة قادمة من عصور أخري عابرة، وهي تبشّر بأخلاقيات طواها الدهر الراهن الذي تسود فيه العولمة أساساً (وهذه هي الصيغة المهذّبة)، وحيث الهيمنة الغربية الأمريكية ـ الأوروبية علي مقدّرات العالم السياسية والإقتصادية والتكنولوجية (وهذه هي الصيغة الأقلّ تهذيباً، والأكثر أمانة لواقع الحال). السبب الثاني المتفرّع عن هذا السبب الجوهري يشير إلي أنّ هؤلاء الزعماء الذين شاؤوا المجيء إلي هافانا (والله يعلم أنهم قادمون من كلّ فجّ عميق، بمشارب متضاربة وسياسات متباينة وأنظمة دكتاتورية وديمقراطية وعشائرية وطائفية وعائلية)، مثل الذين غابوا لأسباب شتي دون أن تغيب أنظمتهم، لا ينوون إعلان حملة صليبية ضدّ العولمة، لأنهم أصلاً لا يملكون أيّ حول أو طول لمواجهة العولمة. ورغم الخطاب الناريّ اللاهب ضدّ أمريكا، ومعظم الغرب ضمناً أو استطراداً، فإنّ جلّ ما يريده هؤلاء لا يتجاوز المطالبة بحقّ بسيط: بعض المساواة في المحاصصة الدولية لثروات العالم وثمار التسارع التكنولوجي الهائل… بعض المساواة وليس كلّ المساواة!
وإذا كان الرئيس الكوبي فيديل كاسترو قد غاب عن القمّة، أو حضر من خلال شقيقه راؤول كاسترو أو تلميذه النجيب هوغو شافيز، فإنّ فلسفته بصدد علاقات الشمال والجنوب لم تغب البتة عن جلسات القمّة، خصوصاً خطبته الافتتاحية الشهيرة أمام قمّة الفقراء، في هافانا ذاتها، مطلع الألفية: لم يسبق للبشرية أن شهدت مثل هذا الإمكان العلمي والتكنولوجي، وهذه القدرة الفريدة علي إنتاج الثروات والرفاه. ولكن لم يسبق أن كانت اللامساواة واللاتكافؤ علي هذه الدرجة من العمق في العالم. وإذا كانت الأعاجيب التكنولوجية قد قلّصت الكرة الأرضية علي مستوي الإتصالات والمسافات، فإنّ هذه الأعاجيب تتعايش اليوم مع الهوّة المتزايدة التي تفصل بين الثروة والفقر، وبين التطوّر والتخلّف.
وأمّا العولمة فإنها حقيقة موضوعية تضع أبناء البشرية في مركب واحد، ولكنها لا تساوي بينهم في اعتبارات الغذاء السليم والماء النقيّ والرعاية الصحية واستخدام العلوم، هذه التي تحتكرها نسبة 15% فقط من راكبي المركب الواحد ذاته. وهكذا فإنّ المركب إياه مبنيّ علي قدر من المظالم أكبر بكثير من أن يسمح له بالطواف ومواصلة هذا الدرب اللاعقلاني وصولاً إلي مرفأ آمن. هذه العولمة لا تشيع فلسفة أخري سوي الليبرالية الجديدة في طبعتها الوحشية، ولا تُعَوْلم التنمية بقدر ما تعولم الفقر، و لا تحترم سيادة الأمم بقدر ما تنتهكها يومياً. وليس أدلّ علي اختلال التوازن في علاقات أبناء المركب الواحد من حقيقة أنّ النموّ الدولي خلال الربع الأخير من عمر الألفية الثانية لا يرقي إلي نصف ما كان عليه بين أعوام 1945 و1975. وثمة، أيضاً، تسليم بواحد من أشهر بنود غسيل الدماغ الطوعي في العصور الحديثة، أي ذاك الذي يقول إنّ الخطاب الخاصّ بانقسام العالم إلي 85% من الفقراء و15% من الأغنياء هو خطاب فائت وعتيق ومنقرض، وهو ينتهي إلي معاندة عبثية أو عبث يتوهم المقاومة. ولكن إذا كانت مفردات الخطاب قد انقرضت علي مستوي اللغة القابلة للتبدّلات الدلالية والإنقلابات المفهومية، ألا يلوح وكأنّ المحتوي المادّي لهذا الخطاب ما يزال قائماً ماثلاً للعيان، بل أشدّ وطأة بما لا يُقاس بأطوار سابقة؟ ألا تقول الأرقام إنّ إسهام الدول النامية في الصادرات الدولية كان أواخر القرن العشرين أقلّ بكثير مما كان عليه في العام 1935؟ وأنّ البرازيل (بمساحة 3,2 مليون ميل مربع، وعدد سكان يبلغ 168 مليون نسمة، وصادرات بقيمة 15,1 مليار دولار) صدّرت في العام 1998 بضائع أقلّ مما صدّرت هولندا (بمساحة 21,978 ميل مربع، وعدد سكان لا يتجاوز 15,7مليون، وصادرات بقيمة 198,7 مليار دولار)؟ وغسيل الدماغ الطوعي هذا يصبّ الماء في طاحونة بعض المفكرين الغربيين الليبراليين الجدد، الذين يوحّدون العناد والعبث والمقاومة في مسمّي ذرائعي واحد هو الواقعية، ليس دون تبشير مشبوب بضرورة خضوع الإنسانية جمعاء إلي القِيَم الليبرالية الجديدة، التي تحمل تسمية أخري أوضح هي الثقافة الأمريكية. وكان طيّب الذكر دافيد روثكوف، مؤسس ورئيس المجموعــــة الإستخبارية Intellibridge، والمدير التنفيذي السابق لمجموعـــــة كيسنجر وشركاه ومساعد وزير التجارة الأمريكي الأسبق، قد اختصر فضائل حال الخضوع، كما يلي: ـ تكنولوجيا المعلوماتية، وبالأحري انفجار تكنولوجيا المعلومات، هو أبرز مظاهر العولمة الراهنة التي يشهدها العالم بأسره. والولايات المتحدة هي سيّدة هذه الثورة وصاحبة الباع الأطول في تطويرها وتصديرها. إنها تسيطر تماماً علي أوتوستراد المعلومات، وأكثر من أي بلد آخر علي الإطلاق. العالم يصغي إلي الموسيقي الأمريكية، ويشاهد التلفزات الأمريكية، ويستخدم البرامج الكومبيوترية الأمريكية، ويأكل الأطعمة الأمريكية، ويلبس الثياب الأمريكية. الأمريكيون يتحكمون في سمع وبصر وذوق ومعدة وعقل العالم.
لا مناص، إذاً، من أن يتأمرك العالم: بقوة وثبات اضطراد، شاءت الإنسانية أم أبت. ـ ثقافات العالم الأخري لا تستطيع مقاومة هذا الغزو الأمريكي الشرعي، وحالها أشبه بحال الملك كانوت (أحد ملوك الفايكنغ في القرون الوسطي)، حين نصب عرشه أمام البحر وأمر الأمواج بالإنحسار. مطلوب بالتالي أن تستغل مختلف إدارات البيت الأبيض هذا الوضع الاستثنائي، فتترجم شعار الولايات المتحدة بلد لا غني عنه إلي واقع فعلي، سياسي واقتصادي وعسكري وثقافي… ـ لا ديمقراطية، ولا أوهام ليبرالية أيضاً، حول ضرورة إفساح المجال أمام الثقافات الوطنية لكي تترعرع وتحتفظ بهوياتها الوطنية. ولا مجال أيضاً أمام فكرة التعددية الثقافية، الرومانتيكية في الجوهر، المنتمية إلي عصور القوميات في الجوهر وفي الشكل، المعرقلة للمزيد من نشر وانتشار العولمة الشاملة. ـ البديل الوحيد المتاح، بل المطلوب بإلحاح شديد، هو تعميم الثقافة الأمريكية، وحدها وحصراً. ويقول روثكوف حرفياً: قد يجادل الكثير من المراقبين بأنه من غير المستحبّ انتهاز الفرص التي تخلقها الثورة المعلوماتية العالمية من أجل فرض الثقافة الأمريكية علي الآخرين. ولكنني أجادل بأن هذا النوع من النسبوية خطير بقدر ما هو خاطيء. ذلك لأن الثقافة الأمريكية مختلفة جوهرياً عن جميع الثقافات الأصيلة في العالم، وهي جماع متجانس من المؤثرات والمقاربات الكونية، وهي منصهرة في خلاصة خاصة تتيح تطوّر الحريات الفردية والثقافات الفردية علي حدّ سواء. ـ تأسيساً علي هذه المحاججة، يتابع روثكوف: ينبغي أن لا يعفّ الأمريكيون عن القيام بما هو في صلب مصالحهم الإقتصادية والسياسية والأمنية، التي ليست في نهاية الأمر سوي مصالح العالم علي اختلاف جغرافياته وثقافاته. وينبغي علي الولايات المتحدة أن لا تتردد برهة واحدة في تعميم قيمها وأخلاقياتها. وينبغي علي الأمريكيين أن لا ينسوا لحظة واحدة أن ثقافتهم، وحدها دون ثقافات جميع الأمم علي امتداد تاريخ العالم، هي الأكثر عدلاً، والأكثر تسامحاً، والأكثر استعداداً لإعادة تقييم وإعادة تطوير عناصرها، والنموذج الأفضل من أجل مستقبل الإنسانية.
وهكذا، أو بعد رؤية كهذه، مَن يلوم هيلين كوبر إذا تجاهلت عجيج قمّة هافانا، لصالح نكتة شافيز أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة؟ وباديء ذي بدء، ألا يحقّ لسائل أن يسأل عمّا إذا كان مصطلح عدم الإنحياز يملك اليوم أيّ معني ملموس؟ عدم انحياز بين مَنْ ومَنْ؟ ولصالح مَنْ بالضبط (إذْ ينبغي أن يكون هنالك ذلك الفريق الثالث الذي يصبّ موقف عدم الإنحياز لصالحه)، وأين؟ الخطوة الآمنة الأولي في التعامل مع هذا التساؤل المشروع قد تتمثّل في حصر المصطلح بين مزدوجات، بحيث تكون له مساحة دلالية مفتوحة بعض الشيء، سواء لجهة التأويل أو لجهـــة الإلتباس. إنه مصطلح مثله مثل سواه من المصطلحات التي فقدت الكثير من مخزونها الدلالي هذه الأيام، دون أن تنقرض أو تُسحب تماماً من التداول: يسار، يمين، حركة تحرّر، ثورة، ثورة مضادة، الخ… خطوة تالية هي وضع فكرة عدم الإنحياز جانباً، ليس لأن الفكرة بحدّ ذاتها باتت نافلة مُماتة فحسب، بل أساساً لأن كتلة الدول الأعضاء تظلّ منحازة شاءت أم أبَت، بحكم ما يُناط بها من وظائف ضمن التقاسم الدقيق للأدوار في نظام العلاقات الدولية، والذي يحدث أن يُسمّي أحياناً حوار الشمال والجنوب من باب الكياسة، و”حوار الأغنياء والفقراء من باب تسمية الأشياء بمسمّياتها الفعلية. لكنّ الإشكالية تظلّ قائمة: أنّ اللامنحازين ينحازون وهم في دور الضحية التي تدفع أثمان التقاسم غير العادل للأدوار والمحاصصات والثروات، وأن الحيلة قد تنطلي علي الضحية فتلعب دور الضحية ظانة أنها إنما تلعب دور الشريك المشارك في صناعة نظام العلاقات الدولية، أو صناعة التاريخ ليس أقلّ!9