قناة الحرة ليست شرا كلها: الاختيار إما نفاق الشعوب أو خض سكونها

حجم الخط
0

قناة الحرة ليست شرا كلها: الاختيار إما نفاق الشعوب أو خض سكونها

هويدا طهقناة الحرة ليست شرا كلها: الاختيار إما نفاق الشعوب أو خض سكونهاربما يحق علينا أن نري قناة (الحرة) بعين مختلفة.. لن ننسي بالطبع أنها بتمويل أمريكي.. ولن نتناسي طبعا أن المال الأمريكي يهدف من ورائها إلي شيء.. وقد لا يخفي علي عربي من المحيط إلي الخليج أن هذا (الشيء) هو ربما أكثر من مجرد (تحسين صورة أمريكا) في ذهنية الشعوب العربية.. كما أعلن في أمريكا عندما بدأ بث تلك القناة باللغة العربية.. ربما يكون هذا الشيء هو استخدام الوسيلة الإعلامية الأكثر سحرا وتأثيرا ـ وهي الإعلام التليفزيوني ـ من أجل بناء (قابلية للأمركة) في نفسية المواطن العربي.. الأمركة بوجهها الاستعماري بالذات.. وإن كانت لفظة (استعمار) أصبح لها أسماء أخري الآن، لكن.. دعونا نطرح كلمة (لكن) هنا كي نزيد من أبعاد الرؤية لتتجاوز الرؤية الثنائية في العقل العربي.. رؤية الأبيض والأسود.. الحلال والحرام.. نحن وهُم… إلخ، فعندما جاء نابليون في حملته الشهيرة علي مصر في نهاية القرن الثامن عشر كانت مصر حينها غارقة في ظلمة وظلام و(سكون) القرون الوسطي.. لا تدري حتي أن هناك (حركة) علي الشاطئ الآخر.. لا يختلف أحد حتي هذه اللحظة ومن جميع الأطراف علي أن الحملة الفرنسية جاءت إلي الشواطئ المصرية (بغرض استعماري بحت).. لكن.. منذ تلك (اللحظة الاستعمارية) بدأت مصر تنتفض ـ من السكون علي الأقل ـ فقد جاءت الحملة استعمارية صحيح لكن.. جاءت معها أيضا (مفاهيم حديثة) فعرفنا في منطقتنا ما جاءت به (الحركة الإنسانية الفعالة) علي الشاطئ الآخر دون أن ندري.. عرفنا الدستور وحقوق الإنسان كما عرفنا المطبعة والماكينات التي تطور حياة الإنسان بتطوير إنتاجيته لحاجياته، ثم ماذا حدث؟ حركة التاريخ استمرت وانتهي (الاستعمار) لكن بقيت منه تلك (الدفعة) للخروج من السكون.. وحتي الآن ومنذ تلك الدفعة نحن في منطقتنا جيلا وراء جيل نحاول أن نخرج من هذا السكون التاريخي.. وبالتالي أولي الأشياء التي يجب أن نعترف بها هي أن (الشاطئ الآخر) متقدم علينا في مفاهيم كثيرة مادية ومعنوية.. وهو وان كان يحاول بهذا (التقدم) أن (يستغلنا ويستغل مواردنا) فإننا يجب أن نقاومه لكن ـ ومع تلك المقاومة للاستغلال التي لابد منها كي لا ننقرض ـ يجب أيضا أن نتوقف عن (المكابرة) بشأن تقدم ذلك (الآخر).. ما يعني أن (ليس كل ما يأتي من جانبه شراً) وأمريكا رغم بشاعة استغلالها للعالم وابتزازها له كي تستنزف منه أكبر ما يمكن من موارده.. فهي أيضا بجهود علمائها (حتي هؤلاء العلماء المهاجرين إليها من أمم أخري) هي من نقلت البشرية إلي هذا المستوي من التطبيقات العلمية التي حسنت حياتها كثيرا.. بل وأصبح العالم كله سواء كان عالما أولا أو ثانيا أو ثالثا يعتمد بل وينتظر ما تجود به القريحة العلمية الأمريكية.. كل ما نعرفه الآن من تطور تكنولوجي هو بفضل ذلك (المناخ العلمي) الذي يسود الشاطئ الآخر الغربي عموما وفي طليعته أمريكا خصوصا.. فإذا كانت أمريكا هي (القوي الظالم) وهي من تمول قناة مثل قناة الحرة كي تؤثر بها علي العقلية العربية.. فإن تلك العقلية العربية التي يثبت تاريخنا كم هي فاشلة في التعاطي مع العالم برؤية تعددية.. هي في حاجة إلي امتصاص بعض ما يتوفر لدي ذلك الطرف القوي الظالم.. وإذا كان مفهوم الديمقراطية هو مفهوم ولد في الشاطئ الآخر (الغربي عموما وفي طليعته الآن أمريكا) فإن مقاومتنا للظلم لا يجب أن تجعلنا (نكابر) ونرفض المفهوم لمجرد أنه جاء مع الاستعمار.. كيف الحال لو رفضنا المطبعة لمجرد كونها جاءت مع الاستعمار الفرنسي؟ قناة الحرة تختلف عن مثيلاتها العربيات في أنها (متحررة من أسر النفاق للرأي العام الشعبي العربي) هي لا تنافقه.. ليست شعبوية.. لا تبث له ما يزيد من (غيبوبته الدينية).. لا تخاف منه.. ربما بسبب (استغناء ممولها).. عن هذا الرأي العام الذي هزمت أمامه كل محاولات المفكرين العرب التحرريين هزيمة نكراء (علي حد تعبير محمد جابر الأنصاري المفكر البحريني).. لهذا السبب تحديدا ربما يجب علينا ألا ننفخ في الكراهية الشعبية لقناة الحرة.. ففيها مدرسة إعلامية تختلف عن مدرسة الفضائيات العربية الأخري.. وهي مدرسة (مواجهة عقلية القرون الوسطي لدي الشعوب العربية) وليست مدرسة (مجاراة) تلك العقلية التي تتبعها معظم الفضائيات العربية الأخري.. مع الانتباه بالطبع للتحفظ علي (مدي نزاهة) تلك المواجهة.. تماما كما كان الاستعمار الفرنسي ليس نزيها تماما وهو يمد يده إلينا بالمطبعة، القناة تستضيف (عربا) وهم مثقفون من منطقتنا وليسوا من المريخ.. ولهم آراء مختلفة لا تهتم لها عمدا الفضائيات العربية الأخري التي تنافق الرأي العام بدلا من محاولة إيقاظه من السكون.. وعموما أدرك بعض مفكرينا مبكرا هذه الإشكالية التي تتبدي في الفرق الشاسع بين.. (السكون) العربي و(الحركة الفعالة) عند الآخرين.. ففي عام 1929 زار بغداد المستر كراين الأمريكي.. فلاقاه معروف الرصافي بقصيدة تعبر عن شعور المفكر العربي بما ابتليت به العقلية العربية من سكون حتي لو جرت في بلادها انتخابات ديمقراطية (شكلية).. فقال في قصيدته: وإذا تسأل عما هو في بغداد كائن.. فهو حكم مشرقي الضرع غربي الملابن.. قد ملكنا كل شيء في الظاهر.. لكن نحن في الباطن لا نملك تحريكا لساكن .. عين علي الديمقراطية: الحرية أولا.. برنامج عين علي الديمقراطية الذي تبثه قناة الحرة هو مثال علي مدرسة (عدم منافقة الرأي العام الشعبي الميال بطبيعته لتديين كل أوجه حياته) البرنامج ناقش مسألة (تأخر العرب دون غيرهم في امتصاص مفهوم الديمقراطية) الضيفان كانا من العرب.. أحدهما شاكر النابلسي وهو ليبرالي يعيش في أمريكا.. والآخر هو إبراهيم البليهي عضو مجلس الشوري في السعودية! وكلاهما طرح نقاطا هامة تتعلق بالثقافة العربية وموقفها الرافض نفسيا لمفهوم الديمقراطية ـ حتي قبل رفض الحاكم العربي لها ـ ! قد تختلف أو تتفق مع كليهما ومع توجهاتهما لكن النقاط المطروحة ذاتها تستحق الوقوف أمامها.. النابلسي بدا متفائلا ببعض مظاهر الحركة في العالم العربي باعتبارها (خطوات) علي الطريق إلي الديمقراطية.. مثل انتخابات موريتانيا وجرأة الصحافة المستقلة في مصر والمظهر الانتخابي لما تم في السعودية باسم الانتخابات البلدية والأردن وغير ذلك من أمثلة.. وهو واحد من أصحاب (إعلان زيورخ للدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة والأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).. ويحتج بالقول إن السود في الولايات المتحدة لم يسمح لهم بحق التصويت إلا في عام 62 والمرأة الفرنسية في عام 44 وعموم الشعب البريطاني في عام 18 أي أن النضال من أجل إقرار حقوق الإنسان هو تدريجي حتي في أعرق الديمقراطيات في العالم.. لكنه يقول بأنه (لا ديمقراطية للجياع) فطالما كان الناس جوعي وأميين كيف تطلب من أمي ـ حسب قوله ـ أن ينتخب ويختار اختيارا صحيحا؟ فأصوات الفقراء تشتري بالمال والخدمات.. يجب أن يكون هناك وعي حتي توجد الديمقراطية، أما إبراهيم البليهي الذي رد بأنه حتي من يحملون أعلي الشهادات من بين العرب لم يتوفر لديهم (قبول بالآخر).. وأن (الوعي لا يأتي إلا بالحرية.. الحرية أولا).. فقد كان أكثر لمسا للمشكلة العربية لهذا أعرب عن تشاؤمه! ورغم أنه عضو في مجلس الشوري السعودي إلا أنه كان أكثر مسا للعصب الفاسد في (الحالة العربية).. لقد عبر عن ضيقه بها.. (الثقافة العربية).. التي ترفض الاعتراف بحق الاختلاف ووجود الآخر.. الثقافة العربية قبل الحاكم العربي المستبد (فهي التي أفرزته علي كل حال).. هي ثقافة (الإخضاع وليس الإقناع).. حسب تعبيره، نحن ـ يقول البليهي ـ احتلت عقل المجتمع لدينا وعقل الفرد ثقافة ترفض التعدد.. وحتي التجارب العربية التي توصف بالديمقراطية لا تتطور إلي الأفضل وإنما تتقهقر.. وضرب مثلا بالتجربة الكويتية التي تحولت فيها مؤسسة مجلس الأمة الموكل إليها بالبداهة تحديث المجتمع.. تحولت هي نفسها إلي وسيلة قهر للمجتمع ورفض تحديثه وأصبحت قيدا علي التطور فيه.. العالم انتقل من حيز الإخضاع إلي فضاء الإقناع وهذا شيء غير معروف عند العرب.. يقول البليهي، وقال إننا في حاجة إلي (إعادة تأسيس الثقافة العربية) وعبر عن أسفه لأن العرب (لا يشاركون العالم إلا بما يعوق العالم)! حسنا.. كان هذا ملخصا شديدا للحوار في برنامج عين علي الديمقراطية.. والذي لم يكن فيه (نفاق) للنفسية الدينية عند المواطن العربي.. لو أن كل أو علي الأقل عددا كبيرا من الفضائيات العربية ووسائل الإعلام عموما تكف عن القول بأن (الإسلام ديمقراطي!) من باب النفاق للعامة.. وتبدأ في مناقشة جذور ثقافتنا.. لأصبح لها دور حقيقي في (تحريك ساكن العرب). فالإسلام دين ككل الأديان.. والأديان بطبيعتها ـ كلها ـ تقسم الأشياء إلي (ممنوع ومسموح.. حلال وحرام) الأديان لا تعرف التصويت ولا الأغلبية ولا التحديث ولا التطور.. كل الأديان ثابتة عند لحظتها التاريخية.. كلها جاءت لتقوم بتحسين العلاقة بين المخلوق والخالق.. أما العلاقة بين الخلق أنفسهم فهذه مهمتهم هم.. حسب عصرهم، ببساطة شديدة كما يقول أحمد البغدادي (ليبرالي كويتي) إذا كنت مؤمنا بأيديولوجية دينية فأنت بالضــــرورة لا يمكن أن تتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان! نريد إذن إعلاما ـ خاصة ذلك الذي يصل إلي الأغلبية الساحقة من المواطنين العرب ـ يكون قادرا علي (مواجهة) النفسية العربية الدينية (الساكنة) لا أن يشجعها.. نحن بحاجة إلي إعلام يقول للمواطن العادي أميا كان أو حاملا لأعلي الشهادات: قف.. لست وحدك في العالم.. استمع للآخرين.. لديهم ما ليس عندك.. فتعلم منهم.. أخرج من سكونك.. فالعالم حولك يتحرك.. أنت تملك في الظاهر أشياء صنعتها حركة الآخرين.. لكنك في الباطن.. لا تملك تحريكا لساكن.كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية