قناصان ورصاصة واحدة

حجم الخط
0

محسن الوكيليانتابه إحساس عذب، أسال لعابا غزيرا.. إنّه مذاق الموت الذي اشتاق إليه.. مرّ زمن طويل بينهما، يكاد لا يتذكّر موعد آخر رصاصة، حتّى أنّه، في لحظات الاكتئاب واليأس، كان يفقد الأمل، في لحظات العناق: ‘ اللعنة، على الزّمن الرّاكد الرّتيب’، طالما ردّد في نفسه بأسى، ‘والرّصاصات السّجينة في بيت النّار، ألا يحقّ لها أن تعانق أجسادا وتنال هي الأخرى شرف إراقة الدّماء وإزهاق الأرواح؟’. تدفّّقت الدّماء أخيرا، بعد عناء وانتظار، عبر عروقه، مع الرّياح التي هبّت بعنفوان الخامس والعشرين، عبر الشّوارع والدّروب، باردة ورطبة، تجرّ خلفها غيوما حبلى بالغضب.’ حاضر سيدي’، استجاب بتذلّل لنداء الصّوتين معا، لأوامر سيّده الذي كلمه في هاتفه الخلوي، ولصوت العمق الذي اهتاج على نحو مباغت. ألقى البذلة الرسميّة والنّياشين والقبّعة، وارتدى قميصا أسودََ وسروال جينز أزرق كامداً. دوما يعشق الألوان الحزينة كما يهوى صليل البنادق والألحان الجنائزيّة.. ثمّ خطا على نحو احتفاليّ، متلهفا للرّصاصة التي أقسم ألا يرضى، بغير جسد إنسان، لها مستقرا. ‘ طفل شاب، امرأة أو عجوز.. ‘ استمر يخطو مغمورا بالسيناريوهات التي افترض للضّحيّة الأولى. ‘ أيّ الوضعيات ستكون الأشهى والأكثر إثارة لأحاسيسي؟’ تساءل في غمرة اللذة والنشوة والإغواء.

تحسّس مسدّسه الأسود، المخفيّ بإتقان، تحت الحزام، داعبه في رفق، كصديق، كأفعى هدهده في ود: ‘ من غيرك يفهمني، يؤانسني، ويطلق سراح أحلامي، بعنفوان شياطين ترقص، على إيقاع أزيز الرّصاص؟’. ردّد مع المردّدين، ‘ فليسقط الرّئيس’، وهو يشحذ عزيمته بالمزيد من العشق، قبل أن ينعرج يمينا، متسلّقا سلّم عمارة قيد البناء، متمركزا خلف نافذة في الطّابق الثّّالث. لم يكن هناك عمّال، انخرط الجميع في السّيل الجارف المتدفّّق نحو الميدان، بضعة أكياس من الإسمنت وأخشاب ومسامير ورائحة رطوبة تزكم الأنوف، كانت كلّ ما أثّث ذاك الفضاء… أشعل سيجارته أولا، لا بدّ من الاحتفال بموت وشيك، حرام أن تحرم شهيّة القتل من الدّخان.. سحب نفسا عميقا ونفث كلّ ما استطاع من كراهيّة وحقد، وصور الماضي ومشاهد تستشرف مستقبلا قانيا.. ثمّ أطلّ بحذر خلف الشّباك، فيما كانت الوجوه الحالمة، تتدفّق نحو معركة التّحرير.’ أيّ الوجوه أختار؟ أيّها الأكثر استحقاقا لشرف الموت برصاصة ظلّّت في الانتظار لأزيد من ثلاثة عقود؟’. تطلّب القّرار دقائقَ وسجائرَ وسحب دخّان.. قبل أن يباغته وجه إسمنتي، يقف على الرّصيف، من الجانب الآخر للشّارع. قال في نفسه: ‘ قدَرُك هو مَنْ ساقك إليّ’. سحب المسدّس بلطف، قبّله بحب، وطلب منه ألا يخذله: ‘ كن أنت إلى جانبي كما كنت أنا أبدا إلى جانبك’. ربّت عليه: ‘ أعرف إخلاصك لي’. صوّب فوهة المسدّس، حبس أنفاسه، فاتحا عينا مغلقا أخرى، ثمّ ضغط على الزّناد.’ رائع، إنّك حقّا لرائع’ خاطب مسدّسه وهو يعيده تحت الحزام، قفز من سطح إلى سطح، وعبر باب عمارة أخرى، اندسّ من جديد، بين الحشود، باحثا عن جسد آخر.

تسارعت الأيادي لتسعف المصاب، غير أنّ الرّصاصة التي اخترقت عين الرّجل، عجّلت بالموت.. غضبوا، ثاروا وأزبدوا.. ثمّ استكانوا عندما باغتهم مسدّس مدسوس تحت الحزام، وهم يبحثون عن اسم الضحيّة والعنوان. كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية