د. عبدالوهاب الأفندي(1) على راديو 4 تصدر نشرة الأخبار الصباحية نبأ قرار الحكومة البريطانية تعديل نظام المعاشات بحيث يتم توحيد المعاش الذي يصرف لكل البريطانيين ورفع قيمته خلال أربعة أعوام، بينما كان الخبر التالي إعلان المسؤولين الفرنسيين أن قرار التدخل في مالي أوقف تقدم المتمردين الإسلاميين جنوباً. أهرع لأداء بعض الواجبات الصباحية، وأثناء ذلك ألقي نظرة على شاشة قناة الجزيرة. ‘عدد القتلى في سوريا برصاص قوات النظام’ بلغ بالأمس 216. أصبحنا وأصبح الملك لله! وكم عدد من قتل بغير رصاص قوات النظام يا ترى؟ حان الوقت لتناول قهوة الصباح مع بعض الخبز المحمص والمربى.(2)بعد حديث خفيف عن دور حارس المرمى في كرة القدم، وعما إذا كان يضع صاحبه في مرتبة أدنى من بقية اللاعبين، تناولت فقرة ‘فكرة اليوم’ ذات الطابع الروحاني في راديو 4 حوادث الاغتصاب العنيف في الهند، ولم يجد القس الذي قدم الفكرة مدخلاً روحانياً مناسباً لمعالجة المشكلة، وإنما زاد الطين بلة بالإشارة إلى أن التوراة حفلت بحوادث الاغتصاب العنيف، بما في ذلك اغتصاب المحارم، دون أن تكون لتلك القصص خاتمة طيبة. وفي نهاية كلمته أفتى بأن كل مصيبة تفتح أبواب بدايات جديدة. ليقل ذلك لذوي الفتاة التي اغتصبت وقتلت. (3)أستعد للخروج في يوم بارد غطى فيه الثلج كل شيء: أتدثر بملابس دافئة، وأجمع الكتب والأوراق وتلك ‘الضرورات’ الالكترونية المعروفة. أتابع السجال على شاشة التلفاز حول قصف جامعة حلب، حيث يتهم الثوار النظام بقصفها بطائرة صبيحة أول يوم في الامتحانات (هل ما يزال البعض يدرس ويجلس للامتحان في حلب؟)، بينما إعلام النظام يتهم الإرهابيين إياهم بأنهم من فجروا الجامعة. بغض النظر عن الجاني، فإن عدد القتلى فاق الثمانين، تمزقوا أشلاء، إضافة إلى مائة وستين جريحاً، قد يكون القتلى أسعد حالاً منهم. هناك اتفاق على أنها جريمة منكرة، بدليل أن النظام الذي لم يطرف له جفن أمام الكبائر الأخرى، يتبرأ منها.(4)أن يرتفع عدد القتلى في سوريا إلى أكثر من مائتين منهم ثمانون قضوا في حادث واحد أمر غير اعتيادي حتى بمقاييس هولاكو سوريا. ولكن الأمر لا يستوقفني سوى لثوان معدودة للتأمل قبل أن أنصرف لشأني، فالواجبات أكثر من الأوقات كما كان الشيخ حسن البنا رحمه الله يكرر. أتوقف عند السوبرماركت في ناصية الشارع لشراء بعض السندويتشات والمشروبات قبل أن أصعد إلى المكتب. أتذكر لبرهة المخابز السورية التي يموت الناس على أبوابها، قبل أن أختار بعناية ما أحتاجه لغداء ذلك اليوم: ساندويتش تونا مع عصير برتقال. أتوقف كذلك في المقهى المجاور لشراء كوب من الشاي.(5)بعد المحاضرة يطرح الطلاب أسئلة حول قضايا منطقتنا السياسية من وحي موضوعها، فيتطرق النقاش إلى تركيا وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي، اغتيالات ناشطي حزب العمال الكردستاني، ثم إلى غزة وعلاقة ‘الدولة’ الفلسطينية الافتراضية بإسرائيل وأخيراً موقف عامة المسلمين من القاعدة. أما سوريا فلم يتطرق لها أحد. ما هو الجديد هنا؟ القتل اليومي؟(6)في نهاية يوم مرهق، أتابع الأنباء على عجل. عدد القتلى اليوم بلغ 141 فقط. الحمدلله، ‘جات سليمة’. هذه مناسبة لتناول كوب من الشاي، ثم التأكد من أن التدفئة مضبوطة على النحو المطلوب، قبل أن آوي إلى الفراش بصحبة كتاب وأنا أحاول أن أطرد من ذهني مشهد أطفال مخيم الزعتري وهم يضطرون للنوم في الوحل. أفكر بدلاً عن ذلك في قصور الزعماء العرب، وفرشها الوثيرة الدافئة، فيزحف النوم إلى جفني بسرعة كبيرة.(7)صباح آخر، مجازر أخرى. في صحف الصباح تأكيد في صحيفة بريطانية باستخدام النظام لأسلحة كيماوية في حمص، وتقرير للمرصد السوري عن مجزرة في حمص راح ضحيتها 106 من المدنيين كانوا يختبئون في أحد بساتين المدينة. العناوين في راديو 4 تركز على قضية تلوث بعض أصناف الهامبرغر المباع في بريطانيا بلحم الخيل، وقضية الرهائن الغربيين في الجزائر، وخطر تدفق اللاجئين من شرق أوروبا. ومع ذلك وجدت المحطة وقتاً لتقرير من حلب ما كان يكون مختلفاً لو أعدته قناة الدنيا. قررت تناول القهوة هذا الصباح بدون الخبز المحمص، تضامناً مع أخواننا في المخيمات. سأكتفي فقط بقطعة بسكويت.(8)لم يعد خبر مجزرة سورية أخرى يدفع المرء لمجرد الالتفات. النظام السوري لم يمارس الإبادة في حق السوريين أو يدمر سوريا فقط، بل قتل الإنسانية في قلوب معظم سكان كوكب الأرض. مات السوريون، وماتت النخوة والإنسانية وكل شعور نبيل في نفوس الناس. ألا رحم الله الإنسانية. qraqpt