دمشق – لـ «القدس العربي»: جددت المقاتلات الروسية الحربية ضرباتها على أرياف إدلب وحماة، مهددة حياة 2.5 مليون إنسان على الأقل من المدنيين الذين يعيشون في المنطقة أو فروا إليها تحت وطأة التهجير والقصف العشوائي بالبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية، مخترقة بذلك نظام وقف اطلاق النار بحجة انتشار التنظيمات الجهادية شمال غربي سوريا، وصبغ المنطقة بسمة الإرهاب.
ويقرأ مراقبون غليان إدلب، بأنه طويل الأمد ولن يخمد، في ظل مواصلة سياسة الضغوط المتزايدة حتى تفكيك «النصرة» وبقية التشكيلات الجهادية المنضوية ضمن تنظيم «هيئة تحرير الشام» ببطء وتقليص نفوذها عبر بوابة اتفاقية أستانة.
خيارات النصرة في إدلب… كيف ستواجه «معركة الوجود»؟
ويأتي التدخل التركي متأخراً لدى الطرف الروسي، اذ تبدو انقرة وحيدة في موقفها منتظرةً مآلات التصعيد، وهو ما برز في تصريح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، حينما قال إن بلاده تنتظر من روسيا اتخاذ تدابير فاعلة وحازمة من أجل إنهاء هجمات قوات النظام على جنوبي محافظة إدلب. وتجنب آكار الحديث عن هجمات حليفه الروسي مكتفياً بالإشارة إلى «هجمات قوات النظام المتزايدة على جنوبي إدلب».
ويأتي الحديث التركي عن قصف قوات النظام السوري مع استهداف محيط نقطة المراقبة التركية في قرية شير مغار، في جبل شحشبو في ريف حماة الغربي، حيث عاودت القوات المهاجمة صباح الأحد، قصفها بقذائف صاروخية للمرة الثانية، وقالت مصادر محلية إن القصف أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة 3 آخرين من سكان القرية.
ميدانياً، نفذت المقاتلات الحربية الروسية عشرات الغارات امس الاحد مستهدفة قرى ريف حماة الشمالي وقرى ادلب المجاورة لها جنوب المحافظة، وقال المرصد السوري لحقوق الانسان ان قرية لحايا بريف حماة الشمالي، وقرية ميدان غزال ضمن جبل شحشبو، تعرضت لقصف مكثف حيث ألقى الطيران المروحي 8 براميل متفجرة على مناطق في بلدة الهبيط جنوب إدلب، كما ألقت براميل متفجرة أخرى على قرية السرمانية بسهل الغاب.
براميل متفجرة
وارتفع عدد البراميل المتفجرة التي ألقتها الطائرات المروحية على محور كبانة بجبل الأكراد خلال ساعات صباح الاحد إلى 14 برميلاً، بالتزامن مع استهداف قوات النظام بأكثر من 60 قذيفة صاروخية ومدفعية المحور ذاته من الصباح، وسط اشتباكات مستمرة بعنف بين الفصائل والمجموعات الجهادية من جهة، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة أخرى، وذلك إثر هجوم متواصل من قبل الأخير منذ صباح الاحد على محور كبانة بجبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، بينما قصفت قوات النظام أماكن في بلدة التح جنوب شرقي إدلب، في حين استهدفت الفصائل بالقذائف والصواريخ مواقع لقوات النظام في الكركات بجبل شحشبو.
الدفاع المدني السوري أكد أن حصيلة قتلى أمس ارتفعت إلى 12 قتيلاً بينهم نساء وأطفال، كما أصيب 40 آخرون، في ريفي إدلب وحماة، جراء استمرار قوات النظام بتصعيدها العسكري واستهدافها للأحياء السكنية للعديد من المدن والبلدات.
وأكد فريق الخوذ البيضاء استهداف مدينة خان شيخون بـ10 غارات بالقنابل الفراغية والصواريخ الشديدة الانفجار، حيث عملت فرق الدفاع المدني على إسعاف المصابين وانتشال جثث الضحايا.
من جهته عقد الائتلاف الوطني عدداً من الاجتماعات مع ممثلي الدول الصديقة للشعب السوري، وجرى الحديث فيها عن الوضع في إدلب بشكل واسع، وعن ضرورة حل عاجل لوقف العمليات العسكرية فيها والتي تستهدف مناطق تواجد المدنيين، إضافة إلى إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين وعلى وجه الخصوص لما يزيد عن 100 ألف نازح معظمهم يجلس في العراء بدون أدنى مقومات الحياة.
وأوضحت نائب رئيس الائتلاف الوطني ديما موسى أنه تم عقد لقاءات مع ممثلي دول فرنسا، بريطانيا، وألمانيا، لافتةً إلى أنه تم التركيز على وقف الجرائم المستمرة بحق المدنيين في ريفي إدلب وحماة.
وأضافت أن أعداد الضحايا وحجم المرافق الحيوية المدمرة وما رافقها من عمليات نزوح، تؤكد أن نظام الأسد وحلفاءه ارتكبوا جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين، وأشارت موسى إلى أن الائتلاف الوطن قام بإعداد رسالة لتوجيهها إلى دول عدة حول الوضع في إدلب.
ظهور الجولاني
تزامناً مع تواصل عمليات القصف والاستهداف المكثف لمناطق المعارضة شمالاً، ظهر القائد العام لهيئة تحرير الشام التي تقودها النصرة أبو محمد الجولاني على جبهات ريف حماة، ونشر الإعلامي المقرب من الهيئة، «طاهر العمر»، عبر قناته على التلغرام، الأحد صورة تجمعه مع زعيم التنظيم وعلق عليها بالقول «الشيخ أبو محمد الجولاني قائد هيئة تحرير الشام من على الخطوط الأولى لجبهات ريف حماة».
ويهدف التصعيد اليوم على الشمال السوري حسب الباحث والخبير في العلاقات الجهادية حسن أبو هنية إلى الحضور وضبط قواعد اللعبة مرة أخرى، لكن لسنا أمام قرار شامل، حيث وصف الخبير قضية إدلب بأنها معضلة تضم ملايين السوريين، وهي عبء على الأسد وإيران وبقية الأطراف.
ما تقدم يعطينا انطباعاً بأن ملف الشمال السوري مفتوح على سيناريوهات عدة، حيث استبعد الخبير اي عملية عسكرية كبرى على الشمال بسبب تكاليفها العالية الإنسانية منها والمادية والجهادية، لافتاً إلى ان المخططات سوف تبقى متجهة نحو تطبيق سياسة الضغوط المتزايدة لمحاولة تفكيك هيئة تحرير الشام رويداً رويداً وتقليص نفوذها عبر بوابة اتفاقية أستانة، ولكن هذه قد تأخذ فترة زمنية طويلة، وبالتالي ابقاء إدلب على الحالة التي هي عليها اليوم، وهو ما يدفعنا للقول: إدلب اليوم تشبه غزة في فلسطين بالنسبة لإسرائيل، فكل فترة هناك عملية جزئية، ولا هجوم نهائي.
وحول قدرة هيئة تحرير الشام على تجاوز المعركة والحفاظ على وجدوها قال المتحدث، إن المسألة لا تتعلق بنمط تعامل هيئة تحرير الشام، ولكن بطبيعة نظر المجتمع الدولي والفرقاء نحو إدلب عموماً وعلى موقع الهيئة، ونحن أمام نظرة مختلفة للصراع في الشمال السوري، حيث نرى استنكاراً أمريكياً للهجمات على إدلب، وتركيا أيضاً رغم وجود اتفاقيات أستانة التي تنص على محاربة الإرهاب، والهيئة معرفة تركيا وروسياً وللنظام السوري وحتى الأمريكي بأنها جهة إرهابية، ولكن رغم ذلك نرى التناقضات في هذه المسائل هي الأساس.
وعن خيارات جبهة النصرة يقول الخبير «صحيح أن هيئة تحرير الشام لديها نزعة براغماتية كبيرة جداً، حيث انسحبت من تنظيم القاعدة وفكت ارتباطها به، واندمجت محلياً بشكل جديد، ولكن هذا لا يعد السر في قدراتها، ففي النهاية الحركة معرفة إرهابياً، وبالتالي مصيرها لا يمكن أن يدخل في العملية السياسية، إلا إذا بدلت شكلها مرة أخرى واندمجت في إطار عملية سياسية أشمل، وهذا يحتاج لموافقة الروس والنظام السوري وإيران، وحتى تركيا».