قوانين محاربة الارهاب التي تسمح بطغيان المخابرات والشرطة علي القضاء والعدالة

حجم الخط
0

خليل قانصو

بعد انقضاء اربع سنوات علي الغزو الامريكي للعراق، لم يتمكن وزير خارجية فرنسا الذي حلّ ببغداد في 19 آب (اغسطس) الجاري ((2007 من الاقامة في سفارة بلاده. والسبب هو موقع هذه السفارة في المنطقة الحمراء التي يُحظر التجوال فيها بعد الظهر وفي الليل، والتي لا تصلها الكهرباء سوي لفترة ساعة ونصف الساعة في اليوم. ومن المفيد التذكير في هذه المناسبة بان الوزير الفرنسي، كان معارضاً لموقف حكومة بلاده ضد غزو العراق، بل الاحري القول انه كان اقرب الي جوقة من سياسيين ومفكرين فرنسيين قيّموا سلبيا هذا الموقف الذي جعل فرنسا من وجهة نظرهم خارج اللعبة، مبعثا للسخرية. فقيادة دولة كبري لا تقتصر علي الانتشاء بالبريق الاعلامي.. كم هي رائعة رؤية الشعب العراقي جذلان بتحرره وبالذين حرّروه.

وهذا ما حمله علي القول انه لم يكن يتصور ابدا ان الامريكيين كانوا سيستخدمون التدخل الانساني في العراق كما استخدموه، فلقد ارتكبوا في تقديره الخطأ تلو الخطأ. ومن المستحيل الرجوع الي الوراء. وعليه يتوجب الآن فتح صفحة جديدة. ويلزم التوضيح هنا تبديدا لاي غموض او لبْس، ان التدخل الانساني وتحديدا حق التدخل في شؤون بلد آخر، هو منطوق ينطوي في حد ذاته علي شرعنة الوصاية التي تمارسها الدول الغربية علي العالم اجْمع، في اطار تبنيها لرؤية الولايات المتحدة والعمل علي بسط نفوذها وعلي ارساء دعائمه. وتبعا لذلك، فان مسألة الحريات وحقوق الانسان لا تحظي بدعم هذه الدول ولا تثير حمِيّتها الاّ حيثما تقتضي مصالحها التدخل او رد الفعل، علي قاعدة ان الفظائع التي يرتكبها الاعداء الرسميون تدعو الي القلق والي السخط الشديدين، بالاضافة الي تغطية اعلامية واسعة، لا تخلو غالبا من الاكاذيب خِسّة، لاظهارهم علي شكل اسوأ مما هم عليه. وبالمقابل فان المعالجة تكون مختلفة بكل المقاييس، عندما تقع مسؤولية، مثل هذه الفظائع علينا. (اما تلك التي لا تمس مصالح القوة الامريكية، فلا يؤتي عادة علي ذكرها) . وهذا المفهوم الذي يتحلـّب منه الجوْر والطغيان يتجلي بشكل قاطع، بموازاة سيرورة تحطيم المجتمعات والنفوس المستمرة منذ ان بدات في 16 كانون الثاني (يناير) 1991، الولايات المتحدة وحلفاؤها بالقاء اطنان من القنابل علي العراق. فالاستدلال علي ما اقترفه المستعمِرون في فلسطين وفي لبنان وفي العراق، من انتهاك للحقوق، ومن ممارسة للتعذيب وللتقتيل ومن اتلاف للزرع ومن عبث بالقيم، لا يحتاج الي معاناة كبيرة. حتي المتاحف لم تسلم من جبروت بطشهم، ولم يرتدعوا عن تدمير المدارس والمعاهد وعن اختطاف اساتذتها واخفائهم. ولكن ما يستوقف المرء هو مواصلة مبعوثي الدول الغربية، تكرار اللازمة المعهودة عن محاربة الارهاب وعن احلال السلام والديمقراطية، دون ان ُيكلـّفوا انفسهم الاستطلاع عن معاني هذه الكلمات في رأس انسان يعيش في قطاع غزة مثلا، فرض عليه الاتحاد الاوروبي، العطالة والظلام، بسبب ارادة هذا الاتحاد التدخل بواسطة الكهرباء، في النزاع القائم بين سلطة غزة وبين سلطة الضفة. علما بان انفصام السلطة يعبر عن مرحلة متقدمة من انحطاط الكيان.. ماذا تعني الديمقراطية واي قيمة لها، ما دام تشغيل محطة توليد الكهرباء يخضع لمشيئة المستعمِرين؟ فهم الذين يقررون يوميا اذا كان الفلسطينيون يستحقون الضوء، والعلاج، والغذاء.. والاغتسال… الخ. لا مفر هنا من تسمية الاشياء باسمائها والقول بان الاتحاد الاوروبي (بايقاف مد محطة توليد الكهرباء بالوقود)، هو شريك للمستعمِرين الاسرائيليين في حرمان الفلسطينيين من حريتهم. ولهذا اهميته بالنسبة لهم وبالنسبة للشعوب الاوروبية ايضا. لا يتسني غالبا للسجناء اختيار الافضل من بينهم ممثلا لهم، فعلي العكس يكون ممثلهم في اكثر الاحيان من منهم اقرب الي السجّان. للممارسة الديمقراطية من وراء القضبان احكامها. وفي ذات السياق، يعجبُ المرء من اقدام بعض المسؤولين الفلسطينيين، بعد القطيعة التي وقعت بين الضفة وبين قطاع غزة، علي الاخذ بكلام َعهِدَ سماعه او قراءته في وسائل الاعلام نقلا عن الناطقين باسم ادارة المحافظين في الولايات المتحدة، حول القوانين التي اُشترعت تحت ذريعة محاربة الارهاب، فاذا بها تسمح بطغيان المخابرات والشرطة علي القضاء والعدالة. وهذا يشكل في رأي البعض، منحي حقيقيا في الدول الغربية نحو مستقبل تهيئه الي امد غير منظور ممارسة سلطة (الحكم في دولة لا تعرف القانون). هكذا يصير المستقبل من غير قانون. ليس مستقبلا فوضويا ولكنه مرتهن للقرارات التقديرية التي تصدر عن مجموعة من الحكام المُعَينين.

فمن الغريب حقاً، في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، ان تَصبّ اهتمامات قادته علي مسائل من نوع منع غسيل الاموال و مراقبة مؤسسات العمل الاجتماعي و اقفال معبر رفح الذي يبدو انه يتيح الافلات من مراقبة المستعمِرين الاسرائيليين، اكثر من اي مكان آخر. ليس عدلا وجائزا، الطلب من الفلسطينيين احترام قوانين تريد منهم البقاء في العراء، دون حراك ودون ماء ودون طعام. ان فرض مثل هذه القوانين عليهم سوف يؤدي بلا شك الي كارثة انسانية كبيرة. عندما تصير كلمات (ارهاب، ديمقراطية، ظلاميون، سلام..) فارغة لا معني لها، وسيلة ارهاق واحباط ضد الانسان، وعندما يكون هذا الاخير غير قادر علي الفعل، وان فعل فان فعله ممنوع ومدان، ينتفي عندئذ الوجود وتتراجع الانسانية، فيستبْهِمُ العيش، مثله مثل الموت.. في عالم كهذا، يسيطر عدم الاكتراث، وغياب الفضولية من اجل المعرفة، وتيْبس الاحاسيس والمشاعر. من يستطيع قلب الصفحة في بغداد؟ قد تتطلب الاجابة علي هذا السؤال اتباع خط سير بدأ في جنوب نيجيريا في عام 1967 (اعلان جمهورية انفصالية تحت اسم بيافرا)، حيث منابع النفط. حينذاك اشتعلت حرب ضارية، وقفت اثناءها الدول الغربية الي جانب الانفصاليين، فامدتهم بالسلاح وقدّمت لهم المساعدات الانسانية. عندما تجتمع العناصر الثلاث: النفط والسلاح ومنظمات للعمل الانساني، يكون الوضع مأسويا كما هو عليه الآن في اقليم دارفور، ولكن مقاومة الضحية لم تتوقف بعد، لذلك يلجأ الطامعُ الي الخداع والي الغواية.. والمحطة التالية كانت في افغانستان في سنة 1973، عندما وقع انقلاب اطاح بالملكية. حينها كان الصراع بين الشرق وبين الغرب محتدما، فثارت ثائرة دول الغرب ودعت الي التصدي للنظام الجديد، لما يمثله في نظرها من تمدد للنفوذ الشيوعي، (علي افتراض ان النظام في الاتحاد السوفياتي كان شيوعيا)، علي حساب معتقدات وعادات الشعب الافغاني وعلي حساب حريته. فرفع النظام في السعودية وفي باكستان، راية محاربة الكفر، وانضم الي الولايات المتحدة في انشاء منظمة جهادية لتحرير افغانستان. آنذاك كان الحكام العرب قد طووا صفحة معاداة الاستعمار عملاً بروحية مؤتمر باندونغ في عام 1955 والذي كان عبد الناصر واحدا من نجومه. وبالطبع تدفق السلاح من الدول الغربية علي المجاهدين (كانوا يعرفون في ذلك الوقت باسم مقاتلي الحرية)، وهبّت المنظمات الانسانية تحمل اليهم الغذاء والدواء.. فكان ما كان وانتهت الدولة في افغانستان.

وذات الفصول شهدتها الصومال بدءا من 1977، عندما اقدمت حكومتها، بتشجيع من الولايات المتحدة ومن المانيا الغربية ومن انكلترا ومن فرنسا، علي رفض التعاون الاخوي بينها وبين اثيوبيا، وعلي اجتياح منطقة (Ogaden) اوغدن. ولم تتخلف الانظمة العربية عن مهمتها في دفع الخطر الشيوعي عن القرن الافريقي.. حتي سقطت دولة الصومال ولم تكف اكياس الرُز التي بعثت بها الدول الغربية لانقاذها. وحسبنا بهذه الامثلة الثلاثة، للاستدلال علي الدورالذي كُلِفت به منظمات العمل الانساني في بلاد العالم الثالث الي جانب الحكومات الرجعية والعميلة للاستعمار، حتي لا يتحقق التحرر الكامل باتباع المنهج الذي بيّن مفاصله المهدي بن بركة (خطف واخفي في باريس في 29 تشرين الاول (اكتوبر) 1965) باسم اللجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث: مساعدة حركة الشعب الفلسطيني، تعزيز النضالات ومن ضمنها النضالات المسلحة في القارات الثلاث، دعم كوبا، تصفية القواعد العسكرية الاجنبية، معارضة الاسلحة النووية ورفضُ الفصل والتمييز العنصريين.

وفي الخلاصة، تقتضي الملاحظة ان نشاط المنظمات الانسانية يبدو في الوقت الحاضر اقل كثافة في الصومال وفي افغانستان مما كان عليه سابقا في هذين البلدين، فهل سكانهما افضل حالاً! اما الجماهير في العراق وفي فلسطين، فربما تكون مساعدتهم في نظر الغرب عديمة الجدوي! 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية