جزالة في العلم والخبرة وقدرة علي الوزن والترجيح صلاح الحجيلان وعبد الحميد الأحدب
(1) تميّز الربع الأخير من القرن الماضي بظاهرة لفتت النظر في حقل التجارة الدولية والأعمال، ألا وهي انتشار التحكيم الدولي كوسيلة كادت أن تصبح حصرية لحسم خلافات التجارة والتوظيفات الدولية، فلم يعد هنالك عقد في التجارة الدولية إلا ويتضمن شرطا تحكيميا، فقد أصبح التحكيم الدولي هو القضاء الأساسي للتجارة والاستثمارات الدولية.
خلال هذه السنوات حدثت ألوف التحولات دون تأشيرة دخول في بنية حسم خلافات التجارة الدولية، وجرف الطوفان كل الهياكل القضائية المترهلة، وولد التحكيم كوردة بيضاء جميلة في صحاري العطش، ترعرعت سيما بعد اتفاقية منظمة التجارة الدولية وانضمام أغلب الدول إليها.
هذه الظاهرة التي فرضت نفسها بحزم علي التجارة الدولية العربية، والاستثمارات الدولية في البلاد العربية، لاقتها الدول العربية بتغييرات أساسية: فوضعت قوانين جديدة للتحكيم وأنشأت مراكز تحكيم في كل مدينة عربية، وتكاثرت أطروحات الدكتوراه حول التحكيم، كما نزلت إلي الأسواق عشرات الكتب الدولية من كبار علماء القانون العرب عن التحكيم، كما وانضمت البلاد العربية إلي معاهدات تنفيذ الأحكام التحكيمية كمعاهدة نيويورك، ووضعت الدول العربية اتفاقات عربية لتنفيذ الأحكام التحكيمية كمعاهدة الرياض وعمان، ليسير التحكيم سيرا آمنا وسالما.
وبعد أكثر من ربع قرن، صار قرع الأجراس واجبا!! ما هي الحكاية؟(2)المسلمون العرب ليسوا بعيدين عن التحكيم، فقد دخل التحكيم في تاريخهم من أبوابه العريضة في معركة صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.
وكان المحكمان عمرو بن العاص وأبو موسي الأشعري، وكان عمرو بن العاص هو المحكم القوي وأبو موسي الأشعري المحكم الضعيف، لهذا جر هذا التحكيم الويلات علي التاريخ الإسلامي وعلي المسلمين.
فإذا عدنا إلي التحكيم الدولي فإنه لم يأخذ هذه المكانة وهذا الموقع، ولم يفرض نفسه علي التجارة الدولية العربية وعلي الاستثمارات إلاّ لثلاثة أسباب:1 ـ أنه قضاء سريع يختار فيه كل طرف قاضيه.2 ـ أنه قضاء يتخصص فيه المحكمون ويتفرغون للنظر في قضايا كبيرة تكون في أحيان كثيرة شائكة تحتاج إلي قضاة يتفرغون تفرغا تاما لملفات مشاريع كبيرة غاية في التعقيد.3 ـ والأهم، الأهم من كل ذلك أنه قضاء مختلط فيه الثقافة القانونية لكلا الطرفين، ليس فيه أيتام المآدب!!. المحكمون.. أكثرهم عمرو بن العاص وأقلهم أبو موسي الأشعري! إن التحكيم في البلاد العربية معقد بحكم الولادة والانتماء، فلماذا نضيف إلي عقده… عقدة العلاقات العامة؟
لكي نجيب علي هذا السؤال، يجب أن ندرك أن التحكيم يستمد قوته ليس من إرادة طرفي العقد فحسب، بل من المحكم بنوع خاص!! فالقاضي يحكم باسم الشعب، بينما المحكم يحكم باسم طرفي النزاع وباسم العقـــــد.. القاضي يجلس في محكمـــة علنية، بينما المحكم يجلس في التحكيم المغلق… لا يمكن للقاضي أن يكون ضعيفا لأن بيده قوة وهي سلطة الدولة، بينما المحكم يجب أن يكون قويا، لأن قوته لن تنبع إلا من ذاته ومن عمله ومن شخصيته ومن خلقه، وإذا هزل المحكم هزل التحكيم..(3)القاضي يلزم الشاهد بالحضور ولا يمكن للمحكم أن يفعل ذلك.. القاضي يلزم طرفا من أطراف النزاع بتقديم مستندات لها تأثير علي الدعوي… المحكم يلجأ إلي القاضي من أجل ذلك.. القاضي هو الذي يأمر بالتنفيذ بينما المحكم يضع حكما يبقي حبرا علي ورق طالما أن القاضي لم يعطه صيغة التنفيذ.
ومن هنا فإن المحكم يجب أن يكون قويا بشخصيته، وبعلمه وخلقه ونزاهته الرادعة، فقوة المحكم هي سر التحكيم. ومن هنا فإن القوانين قد اشترطت أن لا يكون المحكم مفلسا وأن لا يكون مرتكبا لفعل مخل بالآداب والقوانين… إلخ.
والمحكم لكي يكون قويا، مطلوبة فيه مؤهلات يشترطها الأطراف في الشرط التحكيمي عادة… محكمة بداية باريس دققت أخيرا في مؤهلات محكمين مرشحين للحكم في نزاع يورو ديزني لاند، دققت في خبرتهم الطويلة في حقل خلافات البناء، دققت في أن يكونوا أيضا حقوقيين. كل ذلك من أجل أن يكونوا أقوياء في التحكيم يستمدون قوتهم من ذاتهم وشخصيتهم وخلقهم وعلمهم. المشكلة في العالم العربي أنه ليس هنالك من المحكمين الأقوياء في ساحات التحكيم الظاهرة إلا قلة قليلة، ويسد الفراغ بالمحكمين الأجانب.
هل العالم العربي ينقصه رجال القانون المؤهلون والأقوياء في الخلق والعلم، ليكون هذا القحط والغياب الذي نشهده في التحكيمات الدولية العربية التي تبت بملايين بل بمليارات الدولارات؟
نظلم المحكمين العرب إذا قلنا انهم ليسوا أقوياء في الخلق والعلم بما فيه الكفاية، فمؤلفاتهم التي صـارت مراجع دولية تعد بالمئات ومحاضراتهم مراجع لرجال القانون في العالم، ولكن خلقهم وعلمهم يجعلاهم في الصفوف الخلفية، لأن طالب الولاية القضائية لا يولي، والذين يجب أن يولوهم ويسلطوا عليهم الأضواء ويجلبوهم إلي قوس التحكيم هم المراكز التحيكيمية العربية. وفي هـــذه المراكـــز كفاءات حينا، ولكنها شابة.(4)الطريق ليست لها أي تجربة… لم يتخرجوا من صفوف الحضانة القانونية.. صخب كثير وأضواء أكثر، حتي أن المراكز التحكيمية التي يجب أن تأتي بالمحكمين من الصفوف الخلفية إلي الصفوف الأمامية، قد يسميها البعض مراكز التحكيم التلفزيوني… وكلما دخلنا علي التحكيم التلفزيوني وجدنا عنترة فيه يبيع حصانه بقطعة حلوي. والتحكيم في هذه العلاقات العامة يكاد يصبح سلعة وكل يوم إعلان عنه، كأنه سلعة استهلاكية.. أين هو القضاء وهيبة القضاء ووقار القضاء في هذه العدالة؟ فقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب، ليست مطبقة علي الإطلاق، لهذا نري هذا الفراغ المخيف علي أقواس التحكيم العربي.
ولهذا يملأ الأجانب هذا الفراغ، فيتعطل ركن أساسي من أركان التحكيم الدولي وهو تعدد الثقافات القانونية وحضور الثقافة القانونية للطرف العربي، فليس في التحكيم العربي سوي ثقافات قانونية أجنبية، وهذا لا يجوز..! إذ أن المحكم العربي هو المتأهب دائما المتحفز والمشدود الأعصاب، والثقافة كالنمر في الغابة، ولكنه غائب مغيّب. أما الذين ارتخت أعصابهم فإنهم يتحولون إلي عصافير الكناري، وهذا ما نشهده في الوقت الحاضر مع الأسف الشديد.
مراكز التحكيم التي تؤهل المحكمين العرب صارت مراكز للعلاقات العامة، كأن الحق والعدل هزل، فتضيع أفكار السنهوري والشافعي والحنفي والحنبلي!!! كتب السنهوري لا ماء يسيل علي دفاترها ولا ريح تهب علي مراكبها، مراكز التحكيم العربية التي كان يجب أن تأتي بالمحكمين العرب وتدفعهم إلي أقواس هذه المراكز العربية وترسلهم إلي أقواس التحكيمات الدولية، هي مراكز مترهلة، المحكمون فيها كأهل الكهف لا علم ولا خبرة، وكل أقواس محاكم هذه المراكز ورق… تحكيم هذه العلاقات العامة دجاجة من بيضها الثمين يأكلون… والتجارة العربية قميص عثمان به يتاجرون!! ليس في هذه المراكز إلا قليل من الحكماء والشيوخ والمتصوفين. (5)مراكز التحكيم العربية كلها تخلت عن شمس الحق، واشتغلت بتركيب لمبة كهربائية من خمسين شمعة… أمام هذا الثوب التحكيمي المرقع الذي نراه هذه الأيام لا يمكن للمحكم العربي العالم الخلوق النزيه الذي لا يقبض راتبا من مراكز التحكيم الأجنبية، لا يمكنه أن يسكت أكثر مما سكت عن هذا الترقيع.
المحكمون العرب الذين لا يطالبون بولاية التحكيم لأن طالب الولاية لا يولي، هؤلاء يتوضأون قبل أن يلامسوا أوراق اللوائح والمذكرات والمرافعات ويخلع الواحد منهم نعليه قبل أن يدخل حرم الحق والقانون ولا يمضون وقتهم تحت الأضواء.. يقطعون برامجهم كل ساعة للإعلان عن سلع تحكيمية!
لا بد إذن من صرخة.. التحكيم هو أصيل.. ورحلة التحكيم التلفزيوني يجب أن تتوقف!! والإعلان عن التحكيم كسلعة تجارية يجب أن يتوقف!! .. فالتحكيم بريء من ذلك!! والمحكمون العرب الذين تبحث التجارة الدولية العربية عنهم، هم هناك… جاهزون لحماية الحقوق العربية ولإحقاق الحق… ولكنهم مغيبون بالعلاقات العامة الطاغية.. المهم أن ينتهي الهزل ويأتي الجد، ويأتي الوقار إلي هيكل التحكيم.
آن الأوان أن ينهي التحكيم العربي الإجازة الطويلة التي قضاها في العلاقات العامة.. والنوم! آن الأوان لتحديث أسلوب التحكيم في المنطقة العربية، واتباع النهج المعتمد في الدول الأخري التي سبقتنا كثيرا في مجال التحكيم. آن الأوان للتركيز ليس فقط علي شخص المحكم ومدي تأهله لهذا العمل القضائي، وإنما أيضـــا لمقتضي التحكيم الذي يستلزم بالدرجة الأولي، تنفيذ حكمه تلقائيا باقتناع تام به، لصدوره من محكم قوي جدير بالاحترام والتقدير، ولا ينطبق هذا علي أغلب المبتدئين الذين هم علي أول سلم المهنة، والذين يحاولون سرقة الكاميرا بالطنطنة والحركات، ولكن هيهات، فالزبد يذهب جفاء. ہ محاميان من السعودية ولبنان8