قيادة عسكرية امريكية لافريقيا
يحيي اليحياويقيادة عسكرية امريكية لافريقيا من اسابيع قليلة مضت، اعلنت الادارة الامريكية، علي لسان وزيرها في الدفاع، عن خطة متكاملة لانشاء قيادة عسكرية موحدة لافريقيا، رصدت لها ما يكفي من العدة والعتاد لتكون جاهزة وفاعلة قبل متم العام 2008.والواقع ان اقدام الادارة اياها علي انشاء هذه القيادة العسكرية الجديدة، انما اذكته اعتبارات شتي، لعل اقواها واكثرها موسطة اعلامية علي الاطلاق احتواء المد الارهابي القادم من القارة السوداء ، و التصدي الاستباقي لتحرك المنظمات الارهابية ، قبل ان يتجذر تواجدها بالقارة، ويتصلب عودها من بين ظهراني دولها، ويتعذر حينها علي السياسات والمسالك رصد مواقع تواجدها بدقة، او ردعها عما تتطلع لتنفيذه هنا او هناك. واذا كان ولا يزال من الثابت، ان الولايات المتحدة لم تدر الظهر تماما عما يعتمل بافريقيا (علي الرغم من تراجع نفوذها بالقارة منذ مستنقع الصومال في العام 1993)، فانها منذ احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) تحديدا، وغزوتي افغانستان والعراق، قد ادركت ان تواجدها الجزئي والمشتت بافريقيا، لا يخدم كثيرا استراتيجية الحرب الشاملة علي الارهاب التي تستوجب عملا موحدا، ممنهجا ومنسقا، يتعاطي مع المنظومات الجغرافية في شموليتها، ولا يقتصر علي الاجزاء.وعلي هذا الاساس، فان انشاء هذه القيادة العسكرية انما من شانه (او هكذا يقال) اتمام هياكل القيادة العسكرية الامريكية، المرتكزة علي التقسيم الجغرافي لمناطق العالم الاستراتيجية، والمتمحورة لحد الساعة حول تسع قيادات كبري (الوسطي، والاوروبية، والجنوبية، والشمالية، والمحيط الهادي، والقوات المشتركة، والعمليات الخاصة، والاستراتيجية، والنقل)، فجاءت القيادة الجديدة، العاشرة ضمن تراتبية العقد…ولربما لن تكون الاخيرة.لم تكن القارة جزءا من منظومة العمل هاته، بل كانت موزعة علي ثلاث قيادات عسكرية قائمة وفاعلة. كانت مصر (ولا تزال بالتوزيع الجديد) وشرق افريقيا تابعتين للقيادة الوسطي، وكانت الجزر الافريقية (مدغشقر وجزر موريس بالاساس) تابعتين لقيادة المحيط الهادي، وكانت باقي اجزاء افريقيا تابعة للقيادة الاوروبية، او لجهة التقسيم القريبة منها جغرافيا، او ملحقة بها دونما اعتبار يذكر للعامل الجغرافي.وعلي الرغم من ادعاء الادارة الامريكية، بان مهام القيادة الجديدة لن تتركز علي تخطيط وتنفيذ عمليات التدخل العسكري، بقدر ما سوف ترتكز علي تنفيذ مهام دبلوماسية في المجالات الامنية والعسكرية، وتقديم المساعدات الاقتصادية والانسانية بهدف منع الصراعات واحتوائها قبل نشوبها اصلا ، فان انشاء هذه القاعدة انما اتي ليساعد علي تنسيق الجهود العسكرية الامريكية في القارة من خلال كيان تنظيمي موحد ، يكون كفيلا باستدراك سنين من الاهمال، تقوت في ظلها مجموعات ارهابية ، وكادت اخريات (في تلميح الي المحاكم الاسلامية بالصومال) ان تحكم قبضتها علي جزء استراتيجي من القرن الافريقي، في حين شارفت تنظيمات اخري علي اعلان قيامها وعزمها مباشرة الجهاد.من غير المفاجئ، بهذه النقطة، ان يخرج تنظيم كتنظيم القاعدة مثلا، ليعلن عن تشكيل فرع له في المغرب الاسلامي ، بمجرد اعلان الادارة الامريكية عن نيتها في تاسيس قيادة جديدة لها بافريقيا، كما لو ان التنظيم كان يتقصد التزامن في الاعلان، او يترصده. ومن غير المفاجئ ايضا، ان تستنفر العديد من دول المغرب العربي اجهزتها الامنية واستخباراتها، تحسبا لاعمال ارهابية اشارت الي احتمالها معلومات حساسة ، لعل جزءا كبيرا منها اتي من مصالح القيادة العسكرية الجديدة… وهي لا تزال بطور الانشاء. واذا كانت الحرب علي الارهاب ، هي التي استدعت وسوغت لاقامة بناء عسكري امريكي جديد بافريقيا، فان ثمة اعتبارات اخري خفية، كانت مدعاة استعجال انشاء ذات البناء في الزمن والمكان علي حد سواء:+ فالادارة الامريكية لم تغفل يوما (علي الرغم من نفوذها المتواضع بقارة، ظلت تاريخيا حكرا علي اوروبا، وعلي فرنسا بوجه التحديد)، ثروات القارة من النفط ومن الغاز، اذ ازدادت واردات امريكا من نفط غرب افريقيا مثلا منذ العام 2000، الي 15 بالمئة، لتصل حاليا الي ما يناهز الـ 20 بالمئة، ومن المحتمل ان تبلغ النسبة اياها 25 بالمئة في افق العام 2015.لم يتزامن الوعي باهمية القارة الاقتصادية مع قرار انشاء القيادة الجديدة، بل كان النفط الافريقي رهانا امريكيا حقيقيا منذ بداية القرن الحالي، وتحديدا منذ اقترحت جماعة مبادرة سياسة النفط الافريقية علي الادارة الامريكية وعلي الكونغرس، اعلان منطقة خليج غينيا منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة ، باعتبارها منطقة غنية بالنفط ذي الخاصيات العالية.+ والادارة الامريكية تتخوف اشد ما يكن التخوف، من التزايد المتسارع للتواجد الصيني بالقارة الافريقية، واختراق الصين المستمر (بالسلع والخدمات والرساميل وبعقود التسلح وغيرها) للعديد من دول افريقيا جنوب الصحراء (والشمالية ايضا).فالصين تتحصل بالسودان مثلا، علي 65 بالمئة من حاجياتها النفطية، ووارداتها الحالية من افريقيا تتجاوز الـ 30 بالمئة. كما تعمد شركاتها، المتواجدة باكثر من 20 دولة، علي شراء حقول النفط وشركات الانتاج المحلية، وقد انفقت بهذا الباب، خلال الخمس سنوات الاخيرة فقط، ما مجموعه 15 مليار دولار…وباتت ايضا من كبار الدول المانحة لافريقيا، باكثر من 7 مليارات دولار. كما تهتم بتمويل العديد من مشاريع البنية التحتية الاساسية في الوقت الذي انحسرت فيه تمويلات البنك الدولي لهذا الجانب…ناهيك عن مشاركة الصين في العديد من بعثات قوات حفظ السلام ضمن اطار الامم المتحدة العاملة بالقارة الافريقية.+ والادارة الامريكية تريد (علي المستوي السياسي المباشر) التضييق علي تواجد فرنسا بافريقيا، وابتزازها بمركز نفوذها التاريخي، لتكف عن مناكفة السياسة الامريكية، وتعمد الي مجاراة المشاريع العسكرية الخشنة، التي تعتمدها الولايات المتحدة بهذه الجهة من العالم او تلك.يبدو اذن ان قرار انشاء قيادة عسكرية موحدة لافريقيا، لم تستدعه فقط حرب علي الارهاب لا يعرف المرء بالتدقيق مداها الزمني، ولا الفضاءات التي قد تطاولها مستقبلا، بل وايضا دواع اقتصادية وجيوستراتيجية خالصة، بوجه قوي اقتصادية وعسكرية صاعدة بقوة، بحاجة مستعجلة لطاقة افريقيا المتنوعة، او مكابرة كفرنسا التي يتراجع نفوذها تدريجيا بالقارة، وتتهاوي قدرتها الرمزية في الحفاظ علي محميات تاريخية، كانت لأمد طويل بمنأي عن اية مزايدة او ابتزاز.وعلي هذا الاساس، فالادارة الامريكية لم تعمد الي تنصيب قيادة القاعدة الجديدة باحدي الولايات (علي منوال القيادة الوسطي التي تشرف علي القرن الافريقي والشرق الاوسط وآسيا الوسطي انطلاقا من ميامي بفلوريدا، او قيادة المحيط الهادي التي تسير انطلاقا من هاواي، جزيرتي مدغشقر وموريس وغيرهما)، بل تعتزم اقامتها من بين ظهراني القارة حصرا…بالجزائر او بالمغرب ان امكن ذلك، والا فباحدي دول افريقيا جنوب الصحراء.ان هذه القيادة، يقول وزير الدفاع الامريكي، انما من شانها مساعدة الولايات المتحدة علي تطوير نظرة شمولية ومتكاملة، عكس النظرة الحالية التي تعتبر من رواسب الحرب الباردة .وتقول احدي وثائق البنتاغون: ان الولايات المتحدة بات لديها احساس حاد بالاهمية الاستراتيجية لافريقيا. انه بات لنا، في عالم ما بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، معرفة جيدة بالاخطار القادمة من جهات بالعالم، تشكو فراغا في السلطة .صحيح ان العديد من دول افريقيا جنوب الصحراء تعيش فراغا بالسلطة، جراء الحروب الاهلية، او بسبب هشاشة النظم السياسية القائمة، او ارتكاز هذه الاخيرة المطلق علي تحالفات وقتية، غير مضمونة.وصحيح ايضا ان العديد من هذه الدول لا يمانع في التواجد الامريكي المباشر، بجهة دعمه للحفاظ علي السلطة او استرجاعها (حال الحكومة الصومالية مثلا، التي لولا الدعم الامريكي لما استطاعت صد مد المحاكم الاسلامية).لكن المؤكد حقا، فضلا عن كل هذا وذاك، ان الولايات المتحدة انما تعمد، في الغالب الاعم، الي تعظيم المخاطر، سيما المخاطر المتاتية من التنظيمات الارهابية القائمة او القادمة. هي تعمد الي تعظيمها، ليس فقط بغرض التحرز الاستباقي من قدومها، بل لتوظيفها لادراك غايات لا تبدو المخاطر اياها بصلبها، الا عنصر المظهر، في حين تبقي رهانات وحقائق الجوهر مجالا من مجالات المضمر. باحث واكاديمي من المغربmailto : [email protected]