إدلب – «القدس العربي»: اتخذت كلٌ من روسيا والنظام السوري في 2 أيار/مايو الحالي، قراراً عسكرياً مشتركاً ضد مواقع ومناطق خاضعة لسيطرة المعارضة السورية ضمن منطقة خفض التصعيد الرابعة شمال وغرب البلاد، واعتمد المهاجمون على عاملين أساسيين في المعركة، أولهما كثافة نيرانية جوية وبرية لإحداث انهيار عسكري سريع لدى القوى المدافعة، وقضم أكبر مساحة جغرافية ممكنة.
وبالفعل وبعد 11 يوماً من الهجمات نجحت روسيا والنظام في السيطرة على أربعة أضعاف مساحة مدينة إدلب من المعارضة، أي ما يعادل 87 كيلو متراً مربعاً، ولكن سرعان ما تغيرت الوقائع وانقلبت المخططات مع دخول الجيش الحر مزوداً بالصواريخ الموجهة التي حصل عليها من تركيا في المرحلة الثانية من المعركة.
الهيئة: المستهدف اليوم هو الثورة السورية وليس فصيلاً بعينه
مركز جسور للدراسات الاستراتيجية يرى أن المعركة الأخيرة على إدلب سعت – ضمن جملة من الأهداف – لتحديد مصير هيئة تحرير الشام، وليس مصير إدلب. وتمكّنت روسيا بالفعل من تحجيم الهيئة، وكسر صورتها أمام جمهورها وأمام الفاعلين المحليين والدوليين. وهو ما دفع الهيئة لإطلاق حملة دعائية لتبرير الهزيمة، وتشجيع حزب التحرير في إدلب على تنظيم حملة تُحمّل الجانب التركي وحده مسؤولية الهزيمة.
وقال الدكتور يوسف الهجر رئيس المكتب السياسي لهيئة تحرير الشام في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي»: «ما يجري اليوم في الشمال السوري المحرر من حملة همجية لهي بسبب الروس أنفسهم، وتحويلهم من شريك في الإجرام ضد شعبنا إلى ضامن وكفيل في الحل السياسي».
وأضاف، «هذا ما جرأهم على استكمال مسلسل الأمس المتمثل بتفكيك قوى الثورة وإضعافها وإنهائها، وذلك بالرهان على كسر الإرادة الشعبية عبر اتباع استراتيجية الأرض المحروقة، وتدفق مئات الآلاف من النازحين من قراهم ومدنهم مع إبراز شماعات واهية مكرورة لتبرير وشرعنة جرائمهم المتعددة تارة بإلصاق تهمة الإرهاب على قوى الثورة العسكرية وأخرى بقوى الثورة المدنية».
وحملت المعارك الأخيرة في ريف حماة دلالات عديدة على المستويات الميدانية والسياسية، وتجاوزت المعركة حدود البلدات التي يدور فيها القتال إلى تحديد شكل العلاقة بين الدول الضامنة من جهة، وبين الفاعلين في إدلب من جهة أخرى، ويمكن حصر أبرز مؤشراتها حسب «مركز جسور»، بوجود هوامش في اتفاق وقف التصعيد بين تركيا وروسيا، التدخل الكبير لفصائل الجبهة الوطنية للتحرير، مزوّدة بأسلحة نوعية من تركيا، عدم وجود صفقة بين أنقرة وموسكو بخصوص الهجوم، ولا حتى تغاضٍ تركي عن اتخاذ موقف، لكن ضمن الهوامش القانونية والسياسية المتاحة.
أما النظام السوري، فيسعى إلى بسط نفوذه على أكبر مساحة ممكنة، لأن أي كيلو متر مربع إضافي، كما يعني إمكانية أكبر لمقاومة ضغوط الفاعلين، بمن فيهم حلفاؤه، وتقليصاً لكابوس المناطق الخارجة عن سيطرته، والذي بدأ في نهاية عام 2011، ولا يبدو أنه سينتهي قريباً. وفي المقابل، فإنّ روسيا تدرك أن منطقة إدلب سوف تبقى خارج سيطرة النظام على المدى المتوسط، لأنها تحمل رمزية خاصة، ولن يبقى في غيابها وجود لطرف معارض يمكن أن يُبرَم الحل السياسي معه.
القيادي في هيئة تحرير الشام د. يوسف الهجر، اعتبر خلال تصريحاته التي أدلى بها لـ»القدس العربي»: أن الهيئة «عامل قوة»، وهي من أفشلت سيطرة الروس عبر المصالحات والصفقات السياسية، ولم يبق أمام الشعب السوري الذي أدرك اللعبة وعرف ما يرمي له الروس إلا المواجهة الحتمية وخوض الحرب للدفاع عن أرضه مهما كان الثمن غالياً في معركة التحدي والصمود والمواجهة التي لا يفرق فيها العدو بين القوى العسكرية أو المدنية وتدمير المشافي والمدارس والبنى التحتية».
واعتبر المستهدف اليوم هو «الثورة عموماً لا فصيلاً بعينه، لتبرز مدى التلاحم بين الشعب وثورته ليرخص فيها البذل والتضحية وليهون فيها إزهاق الأرواح وسفك الدماء لإنقاذ الجيل القادم من زمن الاستعباد، وبناء مستقبله لينعم بالكرامة والعزة ويمارس حريته السياسية تحت ظل الشرع الحنيف، والمصير ليس غامضاً فالخيار الثوري في كل مرحلة حرجة، وتحد جديد يثبت إصراره على أهداف الثورة مهما كان الثمن على ألا يشرعن الاحتلال الروسي أو يقبل العيش تحت ظل النظام».
ووفق «الهجر»، فقد كانت ولا زالت «الثورة السورية تمر بظروف قاسية وتحيطها أحوال صعبة فهي تواجه بمفردها – رغم قلة إمكانياتها جحيم حرب دولة الاحتلال الروسية وخططها العسكرية بانتهاجها سياسة القصف والحرق والخنق لإبادة شعبنا الأعزل وتهجيره من أرضه بلا رادع دولي أو إقليمي يوقف توغله السافر أمام مرأى العالم أجمع».
المرصد السوري لحقوق الإنسان، أشار من جانبه، إلى دخول منطقة خفض التصعيد شمال سوريا هدوءاً حذراً يسود عموم المنطقة من حيث العمليات العسكرية، حيث توقفت عمليات القصف البري بعد أن توقف القصف الجوي، فيما ارتفعت قائمة الضحايا إلى 510 أشخاص قتلوا منذ بدء التصعيد الأعنف على المنطقة في 30 نيسان/أبريل الماضي.
ويعتبر القيادي في «هيئة تحرير الشام»، لحظة التدخل الروسي في سوريا، «كانت شاهدة على خذلان العرب والغرب للشعب السوري حيث استخدمت دولة الاحتلال الروسية أبشع أنواع الأسلحة التدميرية في التاريخ الحديث وما زال مشهد الكيميائي في الغوطة وحلب وخان شيخون ماثلاً كقضية ينتظر الجزاء العادل».
وأردف: «من يتهم الخوذ البيضاء بتدبير الهجوم الكيميائي كيف يمكن التعاطي مع حججه وكلامه بمنطقية وواقعية، وقد فهمت قوى الثورة ما يرمي له الروس وأدركوا خطر دعايتهم الإعلامية لتكرار سيناريو حلب والغوطة ودرعا بقضم جغرافيا الثورة والتفريق بين قواها حتى يتسنى لهم فرض الحل العسكري والاجتماعي وفق رؤيتهم السياسية حيث لم تنفع هرطقات تقسيم قوى الثورة بين معتدل ومتشدد كما زعموا للحفاظ على الأرض! فلن يعدم العدو ذرائع».