لندن ـ ‘القدس العربي’ يشعر الكثير من السوريين في مخيم الزعتري الأردني أن إقامتهم ستطول، فهم عالقون بين الحنين والحلم بالعودة لوطنهم وبيوتهم التي أصبحت ركاما وبين الإستمرار في ظروف البؤس التي يمثلها مخيم الزعتري.
ويقول محمد الثاني ‘أرغب بالعودة للوطن، لكن والدي يقول حتى لو ذهب الأسد فنحن باقون هنا’، وكان محمد يتحدث أمام بقالة فتحها والده في مخيم الزعتري، ويقول محمد لمراسلة صحيفة ‘تايمز’ كاثرين فيليب ‘يعتقد والدي أن الحرب ستتواصل بدون توقف’.
وتقول فيليب إن الحرب التي بدأت قبل ثلاثة أعوام للمطالبة بالحقوق المدنية والإصلاحات في نظام بشار الأسد تطورت إلى صراع متعدد الأطراف وحولت البلد إلى معسكر يضم الأسد والموالين له وحلفاءه الشيعة من حزب الله والجماعات الشيعية الأخرى والمقاتلين وداعميهم من الدول السنية والجهاديون الذين أقاموا لهم مناطق نفوذ ومعسكر الأكراد وكل واحد من هؤلاء يريد أن تكون له حصة في سوريا التي تتفكك.
مأزق حقيقي
ويقول التقرير إن الملايين الذين هربوا من سوريا يعيشون مأزقا حقيقيا بين القبول بوضع مجهول وحلم الترقب الدائم بالعودة يوما لسوريا أو القبول بوضعهم الجديد وبداية حياة في الدول التي هربوا إليها.
وتشير الصحافية إلى سوزان سقا التي قضت ثلاثة أيام في مخيم الزعتري قبل ان تكتشف أن هذا المكان الواسع ليس مناسبا لتنشئة أبنائها. فقرارها الخروج من سوريا كان اعترافا بأن المنفى قد يستمر لسنوات طويلة، وتقول ‘لم تعد الثورة ثورة السوريين، فالأجانب يتحاربون على بلدنا’ و’من يعرف متى ستتوقف؟’ وتقول إنها دفعت 300 دينار أردني لتأمين خروجها من الزعتري لمواطن أردني كي يكفل سكنها في الأردن.
ويقول التقرير إنه طريق مليئ بالصعاب مر به كل لاجيء سوري وصل لمخيم الزعتري. وأمام كل لاجئ سوري يعيش في الزعتري هناك ثلاثة آخرون يعيشون في مناطق مختلفة من الأردن، ومعظمهم ينظر لمنفاه على أنه مؤقت.
وتقول إن واحدا من الأسباب التي جعلها للقدوم للأردن هو البحث عن أماكن لتعليم اثنين من أولادها، فيما يعمل ثالث وعمره 26 عاما في مخبز. أما الإبن الأكبر أنس فيعيش مع زوجته وابنته لامار وهي الأولى التي ولدت خارج سوريا.
آراء مختلفة والبحث عن منفى
وتقول إن العائلة اجتمعت حول مدفأة الغاز وأخذت تتحدث عن مستقبل العائلة، فقد تركت تجربة تسعة أشهر من المنفى أثرها على أفرادها وقسمتهم. فالعائلة سنية وموالية للمقاتلين الذين يقاتلون النظام الطائفي المدعوم من العلويين والشيعة.
لكن ذكريات أيام الإستقرار لا تزال حاضرة في ذهن سوزان، فهي ‘لا تتذكر الإضطهاد بقدر ما تذكرت العلاج الصحي والتعليم المجاني وكوبونات الطعام والتي جعلت من سوريا مكانا أفضل للعيش من الأردن’.
وتقول الكثير من السوريين بدأوا يعترفون أنهم بحاجة للأسد، ‘ألم يشعر العراقيون بنفس الأمر وحنوا لأيام صدام حسين’. لكن ابنها أنس احتج قائلا ‘كيف يمكنك الحديث بهذه الطريقة’ مضيفا ‘الأسد يقتل كل السنة، إنه ديكتاتور’، ومع ذلك ليس لدى أنس الإستعداد الإنضمام والقتال في صفوف الجماعات التي تعمل على الإطاحة به، على الرغم من أدائه الخدمة العسكرية الإجبارية.
وفي الوقت الذي تتابع فيه سوزان، والدته الأخبار عن مؤتمر جنيف-2 القادم، فكل جهد أنس متركز على البحث عن مكان يبدأ فيه حياته بعيدا عن الأردن. وقدم طلب لجوء إلى فرنسا، رفض مما زاد من حنقه على أوروبا، وهو غضب يشعر به كل اللاجئين السوريين.
ولم ينجح من أفراد العائلة سوى علاء شقيق سوزان بالوصول إلى أوروبا عبر قارب من قوارب الموت حيث غرق القارب الذي كان متجها نحو إيطاليا ومات 34 من 100 لاجئ كانوا على متنه.
وتم إنقاذ علاء ونقل إلى إيطاليا التي رفضت منحه إقامة. وعندما فتحت ألمانيا الباب أمام استقبال 10 آلاف سوري كان علاء واحدا من الذين أخذتهم. وفي مخيم الزعتري يبدو المستقبل غامضا وقاتما للشباب ففي محل ‘عرائس دمشق’ تحضرالعائلات بناتهن الشابات للتحضير للزواج من أبناء عائلات أخرى قادرة على توفير الحماية لهن، حيث يتم اتخاذ قرار التزويج في وقت سريع، وكان عمر واحدة من البنات 13 عاما ‘كانت سعيدة لأنها كانت ستعمل ماكياج’ لكنها ‘لم تكن تعرف ماذا سيحدث بعد ذلك.
وتقول أصالة والدة أمينة، وهي لاجئة في الزعتري إن الكثير من العائلات تحضر وتطلب يد أمينة ولكنها ترفض قائلة ‘هي صغيرة على الزواج’ و ‘هذا ليس المكان المناسب لبناء المستقبل’.
موقنون بالنصر
هذا في مخيم الزعتري حيث يبحث اللاجئون عن مستقبلهم وينتظرون نهاية الحرب. في جنوب لبنان، والبقاع تحديدا التقى مراسل صحيفة ‘الغارديان’ مارتن شولوف مع قيادي في حزب الله والذي أكد له ‘هذه الحرب ليست ضدنا ولكن ضد الإنسانية’ أي الحرب في سوريا.
ويقول الصحافي إنه التقى ثمانية رجال في بيت كبير اجتمعوا كلهم وهم من أصحاب الوظائف المهمة للإستماع للضيف المهم الذي جاء ليتحدث اليهم عن الحرب.
و’كان ضيفهم متأخرا، فالطريق من بيروت إلى البقاع ومن ثم عبر الطريق الجديد الذي بناه الإيرانيون ويقود للهرمل كان طويلا’. وبعد دخوله للبيت الدافئ بدأ الرجال يتحدثون إليه وينادونه باسمه الحركي. واعترف القيادي على ما يبدو بالدور البارز الذي يلعبه الحزب في الدفاع عن نظام بشار الأسد.
وكان القيادي يتحدث بهدوء وبتأن، حيث وافقت الغارديان على عدم ذكر اسمه. ويقول التقرير إن الرجل التزم في البداية بالخط الرسمي للحزب بأنه تدخل في الحرب مترددا من أجل ‘إنقاذ بلد يحاصره المتشددون السنة من جهة وإسرائيل من جهة، فمنذ ثلاثة سنوات على الحرب كان من الصعب الإستماع إلى شيء آخر من مسؤولي حزب الله’.
لكن وعلى مدار ثلاث ساعات تحدث القيادي وبحرية عن موضوعات عادة لا يتم الحديث عنها، من مثل الأثر الإقليمي لما يقوم به حزب الله في سوريا، ووتيرة القتال وجاهزية الجيش السوري. ويقول شولوف إن المجتمعين دعموا قتال المعارضة السورية حتى لو اختلفوا فيما بينهم حول الأسد.
نقود تكتيكيا
ويقول عن الجيش السوري المجهد بسبب الحرب الطويلة ‘لقد قاتل بشكل جيد، وليس من العدل القول إنه لا يقود المعركة’، مضيفا ‘لقد خسروا 30 ألف رجل، وهذا ليس حال جيش لا يقاتل، نحن هناك لتقديم الدعم والإستشارة لهم وفي بعض الأحيان نقوم بالقيادة تكتيكيا، ولكننا لا نقوم بالدور القيادي’.
ويشير التقرير الصحافي إلى قصة بلدة القصير التي لا تبعد سوى 15 كيلومترا عن الحدود اللبنانية وتحولت إلى دمار بعد دخول مقاتلي الحزب وقوات النظام ‘فقد حقق الحزب في ثلاثة أسابيع ما لم يكن النظام قادرا على تحقيقه في عامين’ حيث ظلت المدينة تحت سيطرة المقاتلين، فقد كان الهجوم أكبر عمل حربي ينسقه الحزب مع الجيش السوري. وكلفت عملية القصير الحزب 112 من مقاتليه.
وكانت عملية محورية لسبب آخر، لأن الأمين العام للحزب حسن نصر الله اعترف ولأول مرة أن مقاتلي جماعته يشاركون في العمليات القتالية. ورأى الكثير من قادة العالم السني في الإعتراف عملا عدوانيا يصب الوقود على النار الطائفية. فبالنسبة للسعودية ودول الخليج ‘فالترويكا- إيران وحزب الله والنظام العلوي في دمشق لم يعد خجلا من قتال السنة باسم تحقيق الهيمنة على المنطقة’.
ويرى القيادي ‘الأمر ليس كذلك، فهم الغالبية ويعتقدون أنهم الضحية. أليست هي الأقليات من تشعر بالتهديد؟ نحن ندافع عن اراضينا، نحن ندافع عن مصالحنا، ولو لم يقم التكفيريون بالهجوم على القرى الشيعية لم نكن لنتدخل’.
وعندما سئل إن كانت المعارضة السورية لا تزال متمسكة بأهداف الإنتفاضة الأولى، ظل يتحدث عن الجماعات المعارضة التكفيرية مشيرا ‘لو وجدت في السابق جماعات معارضة رئيسية فهي اليوم قليلة’.
إبن تيمية
ويقول ‘في التاريخ تحدث ضدنا ابن تيمية ثلاث مرات، ولهذا فقد كنا نعرف من نقاتل ومنذ مدة طويلة’، حيث حاول القيادي وضع المواجهة في سياق تاريخي.
ويضيف ‘المعركة على أشدها، التكفيريون ملتزمون ويريدون تدمير سوريا ولن نسمح لهم بفعل هذا’.
وعلى الرغم من عدم ارتياح في صفوف بعض الشيعة من دور الحزب في سوريا إلا أن القيادي يؤكد دعم غالبية الشيعة للحرب في سوريا التي وصفها بأنها ‘امتداد للحرب المستمرة مع إسرائيل’، فـ ‘العدو يرتدي ثوبا جديدا، وقد لا يقوم بعمله بنفسه، لكن مصالحهم تخدم’.
وعندما سئل عن سبب تردد نصرالله بالإعتراف بدور الحزب في سوريا أجاب ‘كانت اجراءات يجب انجازها أولا، فالحزب ملتزم بالواقع والناس يعرفون هذا’. وقال ‘لقد بدأنا حول السيدة زينب ثم تحركنا نحو القصير، وهناك عناصر تقاتل في كل أنحاء البلاد ولكن ليس بأعداد كبيرة’.
وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية حشد الحزب بعض عناصره حول حلب مع عناصر من الكتيبة الشيعية ‘أبو الفضل العباس’، ويقوم الحزب بدور قيادي في معركة القلمون لتأمين الطريق بين دمشق وحمص إلى اللاذقية.
وتطرق الحديث عن الدور الأمريكي حيث قال القيادي إن الأمريكيين يرسمون سياستهم الخارجية في المنطقة من خلال مفهوم حماية إسرائيل، ‘طبعا هناك مصالح نفطية وغاز خاصة في إيران والباكستان، ولكن المفاوضات مع إيران مرحب بها وهي خطوة للأمام’.
وفيما يتعلق بإسرائيل يقول القيادي ‘حدودها غير آمنة من كل الجهات، والوضع ليس جيدا لهم ـ الإسرائيليون، ليسوا راضين عن الدفع في المنطقة خاصة في سوريا، والحدود مع مصر ربما كانت الجهة التي تمنحهم الآمان أما بقية الجهات فهي خارجة عن سيطرتهم’.