بيروت ـ «القدس العربي: يعود الممثل الأمريكي «جون كوزاك» في عام 2014 بقوّة إلى الشاشة الكبيرة، محاولاً تجاوز الانتكاسة التي مرّ بها طوال خمس سنوات تقريباً، من 2005 وحتى 2011، مع أفلام مثل «1408» لعام 2007، و«Hot Tub Time Machine» لعام 2010.
فالممثل الذي نجح في تصدر قوائم «شباك التذاكر» الأمريكي سابقاً في أفلام الكوميديا الرومانسية مثل «America’s Sweethearts» عام 2003 مع كل من «جوليا روبرتس» و»كاترين زيتا جونز»، أو «Must Love Dogs» عام 2005 مع «ديان لين» بالإضافة إلى أفلام التشويق والإثارة التي يحاول «كوزاك» العودة من خلالها، حيث اختتم عام 2013 بنجاح فيلمه «The Frozen Ground» مع الممثل «نيكولاس كيج»، وقدّم في 2014 «The Bag Man» مع «روبرتو دي نيرو» وعرضته الصالات اللبنانية هذا الصيف، بالإضافة إلى مشاركته في فيلم «The Prince» من بطولة «بروس ويلس».
ـ الأرض المتجمّدة The Frozen Ground:
بميزانية تُعتبر في المقاييس الهوليودية متواضعة (27) مليون أمريكي، تقريباً، عن القصة الحقيقية للقاتل المتسلسل «روبرت هانسن» (1939-2014) المعروف بـ«جزار بيكر» تأخذنا كاميرا المخرج «سكوت ووكر» إلى مدينة « انكوراج « في ولاية «آلاسكا» الأمريكية، حيث نجحت فتاة الليل «سيندي بولسون» في الهروب من «هانسن» الذي ادعت عليه بالتعذيب والاعتداء الجنسي ومحاولة القتل.
مع اكتشاف بقايا جثّة فتاة أخرى «شيري مورو» يقرّر المحقق «غلين/ كيج» فتح التحقيق مُجدداً في ادعاء «بولسون» بهدف الحصول على مذكرة تفتيش لمنزل «هانسن» حيث عثر على الأدلة الكافية لإدانته. ما بين أعوام (1971-1983) اعترف «هانسن» مقابل عدم الحكم عليه بالإعدام بقتل 17 امرأة شابة وربما يصل العدد إلى أكثر من 21 لم يُعثر على جثامينها جميعاً بعد ان مضى وقت طويل عليها وهي مدفونة في براري الأسكا. حُكمَ عليه بالسجن (461) عاماً وتوفي في آب/اغسطس هذا العام في سجنه.
يستفيد «كوزاك» من تجاربه الأدائية السابقة، الفاشلة والناجحة، وربما بخاصة فيلم «Identity» لعام 2003، فينجح في إبراز القلق، عدم الاستقرار، ملامح من انفصام شخصية رجل شبه سادي مع زوجته، عادي مع أبنائه، محبوب اجتماعياً ومن قبل موظفيه وجيرانه. رجل يتجاوز شغفه بالصيد الكثير من الكليشيهات ليظهر جلياً ارتباط هذا الشغف بالعنف وفعل القتل، مهتماً بأكثر التفاصيل دقة من نوع النظارة التي كان «هانسن» يرتديها إلى ألوان الملابس وطريقة الكلام.
لا يتعمق الفيلم الذي كتب له السيناريو «ووكر» كذلك في متابعة السؤال الكلاسيكي «لماذا»؟، والذي يوسّع مساحة حضور القاتل، وهو أمر لطالما اعتبر سبباً في زيادة العنف في أمريكا حيث ان ما كُتبَ عن «جاك السفاح» هو أضعاف ما كُتبَ عن الرئيس الأمريكي «لينكولن» على سبيل المثال. إلاّ ان «كوزاك» ينقل إلى المشاهدين بهدوئه الصلب، بتعاطيه مع جرائمه وكانه يسخر من الآخرين والمجتمع والانسان، ذلك الإحساس بان هناك الكثير ممّا لم يُقَل، لمحاولة فهم عقليّة مختلّة وحشيّة كهذه.
«ووكر» غير معني بالتصفيق والترويج للوحشيّة البشريّة بحجة محاولة فهمها، بل للمحقق الذي يستمر في عمله رغم الأخطاء الكثيرة في النظام الذي يعمل فيه، حتى يوقف القاتل، ويكشف ما استطاع من جثامين فتيات لم يتوقف ذووهن عن المناشدة لمعرفة مصيرهن.
ـ رجل الحقيبة The Bag Man:
تلك الحكاية القديمة في الميثيولوجيا الإغريقية عن صندوق «باندورا» الذي طُلبَ إلى «باندورا» ألاّ تفتحه. لكنها فعلت فخرجت شرور العالم التي نعرفها أجمع، عادت وأغلقته بسرعة، وتقول الأسطورة ان قيمة واحدة لم تخرج، وهي الأمل.
في «رجل الحقيبة» يُكلّف رجل المهمات «جاك»- ان صح تسميته هكذا- بإحضار حقيبة لرجل العصابات القوي «دراجنا» روبرت دي نيرو مقابل مبلغ مالي هائل. يفعل «كوزاك» ما يُطلب منه كأي محترف. وطوال ليل بأكمله هو زمن الحدث الدرامي في الفيلم، لا يحاول «جاك» فتح الحقيبة التي يجهل ما بها. يحاول حمايتها، الاحتفاظ بها لتنفيذ الاتفاق كما هو.
إغراءات كثيرة، وتوتر عال في زمن قصير نسبياً يمتد ليلاً واحداً، فيه الرغبة، وفيه الذكريات، وفيه الأكشن الأمريكي الكلاسيكي، ويُحسَب لكوزاك قدرته على التنقل بين هذه الانفعالات الأدائية كلها. رغم ان محاولته ان يبدو الفاسد الطيب تبدو واهنة.
إلاّ ان المخرج «ديفيد كروفيك» ينجح في تقديم مشهد سينمائي بارز لرجل العصابة الأنيق، الساخر «دنيرو»، ورجل المهمات المُتعَب من ليلٍ طويل «كوزاك» حين يُقرّر الأخير مواجهته ومعرفة ما في الحقيبة. إذ يبدو ان في داخل كُلّ منّا فضول «باندورا» وتمرّدها على ما يُطلب منها. ومثلها تكون الخسائر كبيرة، على الأقل في لحظة المواجهة إذ ليس في الحقيبة سوى رأس خطيبة «كوزاك» التي أمر «دراجنا» بقتلها للاحتفاظ بأفضل رجاله بالقرب منه، وليس بالقرب من فتاة كادت تسرقه بعيداً عن تلك العوالم. طوال ساعتين تقريباً لا نشاهد جديداً سينمائياً، ولا أداءً خاصاً أو متميزاً من «كوزاك»، إلاّ انها الذروة في الهرم الدرامي اليوناني، التي تكون مساحة «كوزاك» لتقديم أداء طوال أكثر من عشر دقائق هي زمن المواجهة والغضب والانتقام، عشر دقائق مليئة بالانفعالات الإنسانية المتناقضة، العنيفة، والمباشرة.
يؤدي «كوزاك» هذه المشاهد وكأننا نتابعها على صدى صرخة «براد بيت» في فيلم «الخطايا السبع». كوزاك في هذين الفيلمين كما في مشاركته في «The Prince» التي يظهر من خلالها في النصف الثاني من الفيلم تقريباً، وهو وان كان دور لا يبدو ان كوزاك جهدَ في العمل عليه، إلاّ انها أدوار تبتعد بكوزاك عن صورة الفتى الطيب لتقرّبه أكثر من الرجل الشرير، وفي مقاربة كاريكاتورية من حيث المبالغة يمكننا القول وكأن الجانب السيء انتصر في الصراع الذي يعيشه بطل فيلم « Identity» الذي يؤدي دوره كوزاك.
يارا بدر