نور الدين ماضران
يرتبط الفنان التشكيلي نور الدين ماضران برؤية فنية ذات صيغ متنوعة، فهو يتقصد وضعيات بأشكال من التعبير والتشخيص التشكيلي، وفق مسالك تمتح من الخط والحروفية، ومن الشخوصات التعبيرية، ومن التجريد ومن اتجاهات فنية متنوعة أسسها الفنية والجمالية، على نحو من الاحترافية في بعث الصورة من عمق الشكل، ما يجعل المادة التشكيلية لديه في مراوحة تشكيلية متباينة، يتجاوز بها حدود الجاهز إلى تشكيل أعمال تسائل وحدة الموضوع. لذلك فالخطاب الفني في أعماله ينبني على الرؤية المسعفة في تأمل التنوع في الأداء، كما التنوع في المادة التشكيلية من زاوية إدماج الصمت في بناء الشكل واللون، وهذا ليس بغريب عن الفنان نور الدين ماضران؛ فهو متخرج من المدرسة العليا في مونتيبيلي في فرنسا، وله إسهام في تطوير الحركة التشكيلية، ولذلك تكتسي أعماله التشكيلية وظائف بنائية متنوعة، تتنوع معها المعاني والدلالات. وهو ما تدل عليه جدلية الأبيض والأسود في التشكيلات الخطية المقترنة بالجسد في أبهى تعبيراته، وفي شكله الجمالي. الشيء الذي يضخ في هذه التجربة الجسدية توجها نحو إزالة الفروق بين مختلف الألوان باستثناء الأبيض والأسود.
يتضح هذا الاجتهاد التشكيلي من خلال الاستعمال الموحد على ألوان فارقة يوظفها بتقنيات عالية وبأسلوب نوعي، وبترتيب بنائي مكتمل المعالم، وهو ما يتجلى في العديد من المعاني والدلالات، فالأيقون الشخوصي والأشكال الأخرى في أعماله متباينان؛ تفصح عن ذلك مختلف التراكيب المدججة بالحروفيات المقيدة باللوازم الفنية المعاصرة، وهو ما يؤشر إلى أن المبدع يتجاوز التقييد ويسبح بالتشكيل الخطي في الفضاء بحرية، ويلتزم بالضوابط المعاصرة التي تفي للخط بالروح الجمالية وبالمواكبة الإبداعية وبالضوابط القيمية والأسس البنائية، ما ينم عن وعيه بمختلف وضعيات الحروفية العربية وما تنطوي عليه من جماليات.

ولذلك؛ فهو يطوع الحروف للون والشكل، ويطوع اللون لخدمة الخط، ويؤلف جملة من التناسقات بين الأشكال والخطوط، والمادة التشكيلية المعاصرة، بل يطلق العنان للحرف ليسبح بتلقائية في فضاء تشكيلي غير محدود، وبذلك يطرح عمله ضمن سياقات تعبيرية متجددة، تتجاوز المعتاد إلى مجال فني تعبيري متنوع الاتجاهات. فتارة يمتد إلى الرسم، وأحيانا يخالط الخط بالشخوصات، وحينا تتدفق بعض الأشكال بالمعاني التجريدية، وغير ذلك من التنويعات على مستوى الاتجاهات الفنية، ولعل هذه التوظيفات المقترنة بالتنويع الفني لها رمزيتها ودلالاتها بقدر ما ترسل من إيحاء وإشارات. وهي في الآن نفسه تمنح أعماله مقاربة مفاهيمية يؤطرها اللون الموضوع بدقة، والأشكال الهندسية التي تأخذ أشكالا تركيبية وفنية وجمالية تتناغم فيها كل مقومات العمل الإبداعي، الذي يوحي بالحركة، ويبعث صدى موسيقاه في أشكال جديدة، تتمظهر بعمق في الرؤية التشكيلية المعاصرة للمبدع، وفي وضع عناصر العمل بألوان منسجمة، وبطبقات خفيفة وأشكال متعددة فارقة، وكتل لونية منزوية في خانات شكلية، بصياغة وتنغيم ونظم منسجم مع كل المكونات التشكيلية. وبذلك تتبدى أعماله انعكاسا فنيا وجماليا يختزل العديد من المعاني، ويبث مجموعة من القيم على نحو من التروي والدقة والموازنة، بين المادة التشكيلية، والأشكال التعبيرية، والألوان والعلامات التي تشكل في غالبها جماليات تزاوج بين الخيال، وطبيعة المادة التشكيلية، الأمر الذي يستقطب الرؤية البصرية.
إنه مشروع ذاتي تتوالف فيه مجموعة من المفردات والعناصر التشكيلية، ويعد نسيجا إبداعيا تتحكم فيه رؤية المبدع وتصوراته الفنية والجمالية، وبذلك فقد استطاع أن يثبت تشكيليا ما حملته تجربته العالمة من تقنيات جديدة للتدليل على تصوراته وموهبته التي أسهمت في تنويع خاصيات المادة التشكيلية، وتشكيل سيولة من التعابير تبعا لنسق ثقافته التشكيلية وموسوعيته الفنية. وتبعا لنسق التقنيات التي يجسد من خلالها الأشكال المختلفة، فالمبدع له إمكانات تقنية هائلة يوظفها في الاستغلال الهندسي في انسجامه مع الألوان المتدرجة من خلال طبقات خفيفة. إنه تفاعل فني وجمالي ينفذه بنوع من المرونة التشكيلية، ويتبدى من خلال ذلك أنه يتحكم في تدبير الفضاء، ومغازلة السكون بقدر وافر من التجربة التشكيلية.
كاتب مغربي