
كان – «القدس العربي» : في فيلمه الأحدث «قيمة عاطفية»، الذي حاز الجائزة الكبرى للجنة التحكيم لمهرجان كان السينمائي في دورته الثامنة والسبعين، يواصل المخرج النرويجي يواكيم تريير حفره العميق في تربة العلاقات الإنسانية، وهذه المرة يركز تريير اهتمامه على بيت عائلي مشبع بالذكريات والندوب، حيث تتحول السينما إلى وسيلة لاستكشاف واكتشاف للألم النفسي، وسبيلٍ للتداوي والتعافي والخلاص. البيت في قلب الفيلم في أوسلو، حيث يعود المخرج عظيم المكانة غوستاف بورغ (ستلّان سكارسغارد في أداء متميز) إلى حياة ابنته الممثلة نورا (رِناتا راينسفه في أداء متميز) بعد غياب طويل، ليس لطلب الصفح مباشرة، بل لدعوتها لتمثيل دور في فيلمه الجديد، وهو فيلمه الأول بعد غياب نحو 15 عاماً عن الإخراج، ويخبرها أنه فيلم شخصي للغاية، كتب السيناريو الخاص به لها هي تحديدا وفي مخيلته ألا أحد غيرها يستطيع أن يلعب هذا الدور.
يسعى غوستاف للمصالحة مع ماضيه ومع ابنته، عبر تصوير فيلم ذاتي يحمل ألمه الشخصي، ويأمل في أن يداوي به الألم والإحساس بالهجران، اللذين تسبب بهما لابنته، على أن يكون التصوير في البيت الذي توارثته الأسرة من جيل لجيل، والذي شهد انتحار والدته، ولا يزال يحمل آثار أرواح عائلته المتشظية. الفيلم والسيناريو، الذي ترفض نورا حتى أن تقرأه، هما سبيل غوستاف لقول ما لم يستطع قوله، لفهم ما استعصى عليه، ولملء فراغه السينمائي والروحي في آن، ولمحاولة مداواة جراح ابنته.
تريير لا يقدّم دراما عائلية تقليدية، بل يبني فيلماً يشبه بيت آل بورغ ذاته: فهو متشظٍ، مشبع بالحنين، فيه الكثير من العطب وآثار الزمن، لكنه لا يزال صامداً. نسمع صوت المنزل الداخلي، نشعر بجدرانه تتنفس، ونعرف أنه يرفض الصمت ويشتاق لمن يملأه بالحياة. وكأن تريير يمنح المكان دور البطولة، فيصور البيت ككائن حيّ يتذكّر، يشتاق، ويئن بصمت. في قلب هذا العالم وعلى حافة هذا المنزل تقف نورا. هي ممثلة موهوبة لكنها مسكونة بالقلق والإحساس بالهجر، هاجسها هو الرعب من خشبة المسرح وخوفها هو مواجهة ذاتها. كانت التمثيل مهربها من ألم العائلة، فإذا بالألم ذاته يسكنها عندما تصعد على خشبة المسرح، وتخشى من مواجهة الجمهور، وتخشى من الإخفاق. كما أنها تُجبر على مشاهدة هجر أبيها لها يتجسد أمامها، بعد أن يختار والدها ممثلة أمريكية شابة (إيل فانينغ، في أداء مدهش) اختارها لتجسيد الدور الذي كان كتبه خاصة لها. وتلقى تلك الممثلة الأمريكية الشابة ما لم تلقه هي من والدها قط: الدعم، والاهتمام، وحتى كلمات الحنان.

نورا ليست شخصية يسهل الإمساك بها، في لحظة تكون حادة، هجومية، وفي اللحظة التالية تنكمش داخل صمتها وتغرق في خوف لا يمكن تفسيره. دفعت ثمناً باهظاً لاختفاء والدها، ليس فقط عاطفياً، بل على مستوى هويتها بالكامل. كانت الطفلة الأكبر، التي خذلها غياب الأب وخلافاته مع الأم. واضطرت نورا إلى أن تنضج بسرعة بينما تحاول فهم غياب الأب وحزن الأم، وبينما تحاول أن تعنى بأختها الصغرى. لذا، لم يكن غريباً أن تختار التمثيل، لا حباً في المسرح، بل هرباً من ذاتها. وفي مفارقة لاذعة، نجد أن نورا لا تعاني فقط من انعدام الأمان في علاقتها بأبيها، بل أيضاً من توتر دفين في علاقتها بشقيقتها الصغرى، أغنيس. كانت أغنيس الطفلة المدللة في طفولتها، التي اختارها والدها لتلعب دوراً مهماً في أحد أشهر أعماله، ثم أصبحت لاحقاً الأكثر اتزاناً و»عقلانية». لكن هذا التوازن الظاهري يخفي صراعاً صامتاً، حيث تشعر بالذنب تجاه معاناة أختها، ومحاولتها المستميتة لحفظ صورة مثالية عن العائلة.
العلاقة بين نورا وأغنيس مرسومة بذكاء نادر، نلحظ تفاعلاً، ولنقل إشارات توتر خفي بين الشقيقتين، في النظرات، والإيماءات. نورا تنظر لأغنيس كمن تخلّت عنها، حتى لو لم تقل ذلك صراحة. وأغنيس، رغم حرصها الظاهري، تقف أحياناً موقفاً دفاعياً، وكأنها ترفض تحميل نفسها وزر ما حدث. ومع تصاعد أحداث الفيلم، يبدأ هذا التوتر بالتكسر، شيئاً فشيئاً، عبر حوارات هامسة، ومواجهات غير مكتملة، تُظهر كيف أن كل واحدة منهما تحمل جراحها الخاصة، ولكن بلغة عاطفية مختلفة. وفي حوار كاشف قبيل نهاية الفيلم نكتشف أن أغنيس تحمل الكثير من الحب لشقيقتها، وتصارحها بأن وجودها كان السبب في أنها تحملت ضغط تفكك الأسرة وهجر الأب.
تريير لا يحكم على أي منهما، بل يفتح لنا نافذة على هشاشتهما، ويوضح كيف أن الأسى لا يُورَّث فقط، بل يُعاد إنتاجه أيضاً بطرق مختلفة داخل العائلة. فإذا كانت نورا تمثل الألم الصريح، فإن أغنيس تجسّد الألم المكبوت، المغلف بالواقعية والواجب.
سكارسغارد في واحد من أعظم أدواره، يجسّد غوستاف كرجل يسير على الحافة بين التهكم والندم، بين الحكمة والأنانية. رجل لا يعرف كيف يكون حاضراً، لكن غيابه ذاته يكشف أوجاع الجميع. أما راينسفه، فتؤدي دور نورا بحساسية بالغة، تحمل الانكسار والسخرية، بين البكاء المكتوم والانفجار الوشيك، في دور يؤكد قدرتها الفذة على تجسيد هذا التعقيد الداخلي. ينسج تريير وشريكه الدائم في الكتابة إسكيل فوغت نصاً متعدد الطبقات، يربط الشخصيات ببعضها عبر مشاهد متناثرة من الماضي، وقصص جانبية تحفر في جرح العائلة المفتوح. فالأم الراحلة، المعالجة النفسية، تظل حاضرة كظل ومرآة معاً، بينما تسعى أغنيس إلى لعب دور العقلانيّة، وإن كان هذا التعقل ينهار أمام ثقل الأسرار العائلية، لكن «قيمة عاطفية» لا يكتفي بالغوص في مشاعر أبطاله، بل يتأمل أيضاً في دور الفن نفسه. كيف يمكن لفيلم أن يكون وسيلة للبوح؟ هل يكفي أن نصنع فناً عن ألمنا لكي نفهمه أو نتجاوزه؟ في أحد مشاهد الفيلم تذهب أغنيس، وهي أستاذة أكاديمية ومؤرخة، إلى أرشيف أوسلو، تنقيبا عن تاريخ جدتها التي كانت عضوا ناشطا في المقاومة ضد النازي، بينما يسعى غوستاف لإنجاز فيلم عن والدته، فهل يرى تريير توازيا أو تداخلا بين السينما والتأريخ والتاريخ؟ تريير لا يقدّم أجوبة، بل يصوغ أسئلته بلغة سينمائية آسرة.
«قيمة عاطفية» ليس فقط عن الأسرة وعلاقاتها المتشابكة والألم الناجم عنها، بل عن الجراح ومحاولة التعافي منها بالفن، وعن فقدان الكلمات، وعن محاولتنا لاستعادتها عبر الصور. هو عمل ناضج، متوهّج بالمشاعر، يضع تريير في طليعة السينمائيين القادرين على تحويل الألم الشخصي إلى قصائد بصرية.
