قَبْرٌ بَطِيْءٌ كَسُلَحْفَاةٍ
تحسين الخطيبقَبْرٌ بَطِيْءٌ كَسُلَحْفَاةٍ طَالَمَا عِشْرُوْنَ أَلْفَ مِيْلٍ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالوِسَادَةِبَيْنَ الحَلَمَةِ وَالحَلَمَةِلَنْ أَعُوْدَ إِلَي المَسْرَحِ بِأَصَابِعَ مُحَطَّمَةٍوَالحِبْرُ يَنْزِفُ مِنْ غُرَّتِيْ عَلَي الجُدْرَانِ وَالقَاعَاتِ.سَأَعِيْشُ هَكَذَازَهْرَةً يَرْوِيْهَا الدَّمُ وَتَقْصِفُهَا الرِّيْحُلِأَرْوِيَ ظَمَئِي العَمِيْقَإِلَي الرَّمْلِ وَالجُنُوْنِ…”ـ أَوْرَاقُ الخَرِيْفِ، غُرْفَةٌ بِمَلايِيْنِ الجُدْرَانِ (1960) بِهَذِا العُنْفُوَانِ المَهِيْبِ أَدْخَلِنِيْ المَاغُوْطُ، حِيْنَ قَرَأْتُهُ، أَوَّلَ مَرَّةٍ، إِلَي خَزَانَتِهِ الزَّرْقَاءَ، وَلَمْ أَخْرُج بَعْدُ. كَانَ، بِالنِّسْبَةِ لِي، وَلا يَزَالُ، شَاعِرَاً مَلْعُوْنَا، عَلَي شَاكِلَةِ إِدْغَار ألآن ?ُوْ، بُوْدْلِيْر، رَامْبُو، بَا?ِيْزِيْ، آنْ سِكْسْتِنْ، وَتِلْكَ العَائِلَةِ الطَّوِيْلَةِ المُنَاهِضَةِ لِكُلِّ مَا هُوَ امْتِثَالِيٌّ. لَمْ يَكُنْ المَاغُوْطُ يَبْحَثُ عَنْ فُتُوْحَاتٍ شِعْرِّيَةٍ (وإِنْ فَعَلَ) بَقَدْرِ مَا كَانَ “بِبِضْعَةِ أقَّاتٍ مِنَ الحِبْرِ وَالكَسَلِ وَالفَوْضَي” يُؤسِّسُ لِقَصِيْدَةٍ نَافِرَةٍ، فَرِيْدَةٍ، مُتَوَحِّدَةٍ حُشِرَتْ – قَسْرَاً – فِيْ خَانَةِ مَا اصْطُلِحُ عَلَي تَسْمِيَتِهِ – خَطَأًَ – فِي الشِّعْرِيَةِ العَرَبِيَّةِ بِـ “قَصِيْدَةِ النَّثْرِ”. هُوَ شَاعِرُ قَصِيْدَةٍ حُرَّةٍ لا تُشْبِهُ إِلاَّ صَاحِبَهَا. قَصِيْدَةٍ بِـ “رَائِحَةِ الضّمَادَاتِ المَنْزُوْعَةِ بَغَضَبٍ” تَسْقُطُ “بِهُدُوْءٍ… كَالمَنَادِيْلِ الحَرِيْرِيَّةِ” وَتُحَلِّقُ “كَغُيُوْمٍ لا أَرْجُلَ لَهَا”. فَفِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيْهِ أُنْسِي الحَاج يُقَدِّمُ لَنَا – فِي مُقَدِّمِةِ لَنْ (1960) – قِرَاءَةً ” لِقَصِيْدَةٍ “مُتَمَاسِكَةٍ، لا شُقُوْقَ بَيْنَ أَضْلاعِهَا”، كَانَ المَاغُوْطَ يُقَدِّمُ الشِّعْرَ مُجَرَدَّاً مِنْ أَدَوَاتِهِ التَّقْلِيْدِيَّةِ. الشِّعْرَ عَارِيَاً. الشِّعْرَ نَيْئاً. الشِّعْرَ المُتَدَفِّقَ، العَفْوِيَ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَكْلٌ مُغْلَقٌ يَحُدُّهُ. كَانَ يُحَقِّقُ، عَبْرَ تَقْطِيْعِ القَصِيْدَةَ فِي أَسْطُرٍ، تَتَفَاوَتُ أَطْوَالُهَا، وَوِقْفَاتٍ قَصِيْرَةٍ حَادَّةٍ، تَتَفَاعَلُ فِيْهَا التَّمَاثُلاتُ وَالاسْتِعَارَاتُ الفِطْرِيَّةُ، ذَلِكَ الإِيْقَاعَ المُؤََثِّرَ الَّذِيْ يَسْعَي الشَّاعِرُ الكلاسِيْكِيِّ إِلَي تَحْقِيْقِهِ. فَلا مَعْنَي لِلْقَصِيْدَةِ، عِنْدَهُ، خَارَجَ اللَّغَةِ الَّتِي تُكَوِّنُهَا، وَلا وِحْدَةَ بِنَاءٍ لَهَا إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا تُحْدِثُهُ حَرَكَةُ النَّفَسِ مِنْ انْقِطَاعَاتٍ عَنِيْفَةٍ تَتِشَكَّلُ فِي عَنَاقِيْدَ عَلَي بَيَاضِ الصَّفْحَةِ.لَمْ تَكُنْ دُمُوْعُ هَذَا الشّاعِرِ الَّذِي عَرِفَ مَوَاعِيْدَ صُرَاخِهِ جَيِّدَاً “سَماَداً لِأَزْهَارِ الآخَرِيْنَ”. كَانَتْ فِي دَمِهِ “رَقْصَةُ ال?َالْس” وَفِي عِظَامِهِ “عَوِيْلُ كَرْبَلاء”. وُلِدَ، وَمَاتَ؛ فِي فَمِهِ لُفَافَةُ تَبْغٍ، وَفِي يَدِهِ كَأْسُ نَبِيْذٍ. بَرِيَّاً، طَافِراً فِي الشُّرُفَاتِ العَالِيَةِ “سَفِيْنَةً وَعَاصِفَةً، غَابَةً وَحَطَّاباً”. لَمْ تُرْغِمْهُ قُوَّةٌ عَلَي حُبِّ مَا لا يُحِبُّ، وَكُرْهِ مَا لا يَكْرَهُ. وَهَا هُوَ، الآنَ “بَيْنَ عَرَبَاتِ الرِّيْحِ… وَأَسْنَانِ المَطَرِ” يُقُوْمُ برحلتهِ المَلَكِيَّةِ إِلَي الشُّرْفَةِ، سَيِّداً لِلأَحْلامِ وَزَعِيْمَا لِلأَرَائِكِ الفَارِغَةِ… لَيْسَتْ مَأْسَاةُ المَاغُوْطِ فِي تَمَرُّدِهِ وَسُخْرِيَتِهِ السَّوْدَاء، بَلْ فِيْ كَوْنِهِ شَاعِرَاً عَظِيْمَاً فِي أُمَّةٍ تَتَوَزَّعُ حَيَاتُهَا بيْنَ “المَطْبَخِ وَغُرْفَةِ النَّوْمِ”.0