***
في المطعم، تطلب زوجته العشاء من النادلة الصغيرة بثقة متناهية تثير إعجابه، فيوكل إليها بصفة شبه دائمة مهمة الطلب. ينظر إلى عينيها وهي تنقلها بين لائحة الطعام والنادلة، ثم وهي تبدأ حديثها الهامس عن إحدى صديقاتها التي انفصلت للتوّ. تتأسى عليها بطريقة تجعل القلب يطفح بالحزن. يقول لها بأنه ‘مصدوم’ من هذا الخبر، لأنها بدت له سعيدة في آخر مرة ألتقوا بها على العشاء مع زوجها. اعتدلت في جلستها وصححت له بأنه صار الآن ‘طليقها’.
تتقاطع يديها على مفرش الطاولة، وينتبه أنها تضع خاتم الزواج في إصبعها الأوسط، فقد فقدت الكثير من وزنها منذ تزوجا، وصارت تضعه في غير إصبعه لئلا تفقده. تدفع بكأس الماء إلى طرف الطاولة وتغمض عينيها، ثم تهز رأسها وهي تكمل حديثها: ‘لا، ليس صحيحاً.’ تقول له، ‘منذ أول يوم، كان واضحاً في عينيها… إنها صديقتي منذ عشر سنوات.. أنا لا أعرفها من يومين فقط.’
يعاود عمر النظر إلى عينيها وهي تسترسل في همسها، يتكيء بمرفقه على الطاولة ويسند ذقنه بقبضة يده. تتوقف عن الحديث للحظات وتفرك عينها اليمنى وكأن شيئاً غير مرئي قد دَاخلها للتوّ. يحاول أن يحصي عدد المرات التي تغمض فيها عينيها وتفتحهما خلال جملة واحدة. لا زالت تتحدث، لكنه فقد تركيزه وهو ينظر إلى شفتيها وهما تتحركان ببطء وكسل. يحاول أن يسبر أغوارها، يريد أن يتأكد هو أيضاً، إن كانت سعيدة، أن يكون لديه ذلك اليقين.
***
في الليل، عندما أويّا إلى الفراش، ظل عمر متيقظاً، يتابع تنفس زوجته وهي غارقة في النوم، مُعجباً بخصلات الشعر الرقيقة التي ألتصقت بجبينها بفعل الحرّ الخانق في جو الغرفة، وقد احمرّت وجنتاها قليلاً بطريقة شهيّة تُغري بالتقبيل. يُعاود التفكير في كلامها هذا المساء، ويشعر بأنه -ومنذ أول مرة صادفته وأسرته، بطولها الفارع وقامتها الممشوقة، وابتسامة الخجل التي تقابل فيها كل وجه يصادفها، ثم الهدوء الذي يبعث به وجودها في كل من حولها وفي أي مكان كان- يشعر بأنه لم يتوصل أبداً لذلك اليقين المطلق.
حتى عندما كانت تبدو له في أقصى حالات سعادتها، تُبقيه عيونها العصيّة على القراءة في توجس دائم، وكأنها ستغادره في أي لحظة، وأن حاجزاً أزرق مثل بحر، سيفصله دائماً عن النفاذ إلى أعماق روحها.
عندما وافقت على الزواج منه لم يصدق أحد ذلك، لا أمه ولا أختيّه ولا أي أحد من أصدقائه، هو نفسه لم يصدق، شعر بالكثير من الرضى والامتنان، والتوتر أيضاً. ظن في البداية أن الأمر يتعلق بالحياة الجديدة والمسؤوليات التي ستتوجب عليّه، لكنه يفكر الآن بأن سنوات مرّت على زواجهما، ولا زال ذلك القلق يراوده بين فترة وأخرى.
***
وهما يتناولان المثلجات في نهاية وجبتهما، حدثته عن المعرض الفني الذي زارته في الصباح، عن اللوحات الجديدة التي يعرضها المتحف لأول مرة للزوار، وكانت تبدو مبتهجة وهي تنبهه إلى أهمية تلك الأعمال والطريقة التأثيرية في رسم الأشجار والظلال. ثم أخبرته، عرضاً، عن سائق الأجرة الذي أقلها إلى المتحف صباحاً. قالت له بأنها كانت مبهورة بثقافته، فهو يتحدث عن الفن والموسيقى والأدب وكأنه أستاذ في جامعة ما، وليس سائق أجرة فقط. فرد عليها بأنه يشعر بالشفقة نحو أولئك الاشخاص، فثقافتهم وعلمهم مهدورين في وظائف متواضعة مثل تلك. سكتت قليلاً وهي تنظر إلى المثلجات التي ذابت تماماً في الكأس، ثم قالت له وهي تعيد الملعقة إلى الصحن الصغير دون أن تنظر إلى عينيه: ‘وما يدريك؟ ربما كان هو سعيداً بعمله ويجده ممتعاً، أكثر من الأطباء أو أساتذة الجامعات.’
***
أنفق عمر الليل وهو يفكر في عينيّ زوجته المغمضتين وفي سائق الأجرة ذاك. يفكر في عمره وطوله وشكله. إن كان أسمر مثلها، أو أبيض اللون ومكتنز مثله هو. إن كان متزوجاً أو مطلقاً، شاباً أو في خريف عمره. إن كان يحب الفن الحديث، ويفهم تلك التخطيطات البدائية كما تحب هي. وإن كانت تلفته مواضيع العمارة التقليدية، أو يكتب الأشعار في اللليل قبل أن ينام. وصار يفكر لماذا تجاهل الموضوع بعدها ولم يسألها عن اسمه. لكن هل تعرف هي اسمه؟ هل كانت محادثتهما حميمية لدرجة أنها ستخبره باسمها وسيعطيها هو بطاقته؟ نظر صوب محفظتها الجلديّة الصغيرة بإرتياب، محاولاً أن يمنع نفسه من الاسترسال في تلك الهواجس.
صار يفكر في تفكيره بالسائق. أهي الغيرة أم أنه التوجس ذاته؟ عدم اليقين الذي يؤرقه. فكرة أنها سترحل الآن أو غداً، اليوم أو بعد غد؟ هزّ رأسه كمن ينفض تلك الأفكار، ونظر إلى رأسها الصغير الذي يرتاح برقة على الوسادة، إلى وجهها الذي يبدو أكثر إشراقاً وهو محاط بتموجات شعرها الفاحم.
***
استيقظ عمر في الصباح على صوت رنين أساور زوجته. اعتذرت منه إذا كانت قد أيقظته. نظر إليها وهو يبتسم، تذكر أنه صباح السبت، النهار الذي تبدأه بملاقاة صديقاتها. طلبت منه أن يعود للنوم، لكنه اعتدل في جلسته على الفراش، وضع المخدات الصغيرة وراءه، واسند ظهره على السرير. أخذت محفظتها الجلدية من على الطاولة ودستها في حقيبة يدها الكبيرة. سألته إن كان يحتاج إلى شيء. ورد عليها بأنه ترك لها بعض الفكّة في محفظتها ليلة البارحة. تركت الحقيبة على الأرض بجوار الباب، واتجهت صوبه. وقفت للحظات أمامه، كان خصرها الآن فقط في مجال بصره، انحنت عليه، وقبلته، وهو لا زال في الفراش، ثم خرجت بعدها.
ظل عمر في سريره لوقت طويل مسنداً ظهره على الوسائد الصغيرة، وهو يتأمل فستانها الأزرق المعلق على مقبض الخزانة. وصار يتحسس الآن مكان قبلتها على جبينه ويفكر.. يفكر ماذا لو كانت قبلة الصباح الأخيرة.
*قاصة قطرية